تحليل أمريكي: التقدم الصيني يهدد هيمنة واشنطن على الفضاء
آخر تحديث: الخميس 15 أكتوبر 2026 - 1:02 م بتوقيت القاهرة
واشنطن - د ب أ
وصلت الصين، في صباح 19 أغسطس الماضي، إلى محطة فارقة ومهمة في رحلتها لامتلاك تكنولوجيا غزو الفضاء، مع نجاح شركة لاند سبيس الصينية المتخصصة في إطلاق صاروخ إلى الفضاء ثم إعادته إلى الأرض لأول مرة بالنسبة للصين.
وفي تحليل مشترك نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية، قالت الباحثة في مركز الأمن والتكنولوجيا الجديدة في جامعة جورجتاون الأمريكية كاتلين كورلي وسام بريسنك إن هذا التطور يشير إلى بزوغ فجر عصر الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام في الصين؛ وهي قدرة ستطلق العنان لإمكانات هائلة في قطاع الفضاء الصيني المزدهر.
ورغم هذا الإنجاز، ما زالت الصين متأخرة كثيرا عن الولايات المتحدة في مجال الفضاء، حيث تنفذ الأخيرة أكثر من ضعف عدد عمليات الإطلاق، وتمتلك عددا من الأقمار الصناعية في المدار يفوق ما تمتلكه أي دولة أخرى.
لكن بكين تضيق الفجوة بسرعة؛ ففي الفترة ما بين عامي 2020 و2025، زاد عدد الصواريخ التي أطلقتها الشركات الصينية سنويا بأكثر من الضعف، إذ ارتفع من 39 إلى 92 صاروخا.
كما طلبت جهات صينية عديدة الحصول على تراخيص لإطلاق مئات الآلاف من أقمار الاتصالات الصناعية.
وفي الوقت نفسه، تتزايد أعداد شركات الفضاء الصينية، وأغلبها، مثل لاند سبيس حديثة نسبيا، لكنها تمتلك قدرات ابتكارية لافتة، بحسب كاتلين كورلي، الباحثة في مركز الأمن والتكنولوجيا الجديدة في جامعة جورجتاون الأمريكية، وسام بريسنك الزميل الباحث في برنامج أندرو مارشال بالمركز نفسه.
وتشير كورلي وبريسنك في تحليلهما إلى أن لهذا التقدم الصيني تداعيات اقتصادية وعسكرية على حد سواء؛ إذ قد تنافس الشركات الصينية نظيراتها الأمريكية في سوق الخدمات الفضائية، مثل إنترنت الأقمار الاصطناعية.
وفي الوقت نفسه، يعمل جيش الشعب الصيني، الذي يعتبر التفوق الفضائي عنصرا جوهريا لكسب الحروب المستقبلية، على تطوير مجموعة من القدرات الفضائية وترسانة من الأسلحة القادرة على مهاجمة الأقمار الصناعية، وهو ما يشكل خطرا جسيما على الجيش الأمريكي، الذي يعتمد على الفضاء في مجالات الاتصالات والسيطرة الميدانية والملاحة، فضلا عن تنفيذ الضربات الدقيقة وتلقي الإنذارات المبكرة من الصواريخ.
لذا، يرى المحللان الأمريكيان أن صعود الصين كقوة فضائية يجب أن يكون جرس إنذار للولايات المتحدة؛ فبعد انتهاء الحرب الباردة، تعاملت واشنطن مع الهيمنة على الفضاء كأمر مسلم به، لكنها لم تعد قادرة على تحمل ترف هذا الموقف.
فمع تقدم قطاع الفضاء في بكين، ستشكل المزايا التنافسية التي تمتلكها الشركات الصينية، وبخاصة من حيث التكلفة، خطرا على الشركات الأمريكية.
كما ستزيد القدرات العسكرية الصينية من احتمالية تحول الفضاء إلى ساحة معركة في النزاعات المستقبلية، ويعني ذلك اقتراب عصر التفوق الفضائي الأمريكي المطلق من الأفول، ولم يعد أمام واشنطن خيار سوى التكيف مع هذا الواقع الجديد.
والمعروف أن استخدام الصين لصواريخ فضائية قابلة لإعادة الاستخدام سيتيح لها تطوير قدرات للإنترنت الفضائي، بهدف منافسة شبكة إنترنت الأقمار الاصطناعية الأمريكية ستارلينك، المسيطرة على سوق هذه الخدمة في العالم حاليا.
وقد كان لهذه الشبكة الأمريكية دور حاسم في دفاع أوكرانيا عن نفسها ضد الغزو الروسي، ورغم أن الشركات الصينية لا تزال في المراحل المبكرة لتطوير مثل هذه التكنولوجيا، فإنها تحقق تقدما متسارعا؛ إذ تخطط الجهات المشغلة لمجموعتي الأقمار الصناعية جوووانج وتشيانجان، اللتين تهدفان إلى منافسة ستارلينك، لإطلاق نحو 30 ألف قمر اصطناعي للاتصالات خلال العقد المقبل.
تكنولوجيا الفضاء
في الوقت نفسه، سار تطور قطاع الفضاء التجاري في الصين جنبا إلى جنب مع قدرة متنامية على توظيف الفضاء لدعم جهود التحديث العسكري للصين.
فقد أمضت بكين عقودا في دراسة كيفية استخدام الجيش الأمريكي للأقمار الاصطناعية، وهي تعكف حاليا على تطوير قدرات فضائية خاصة بها تخدم أمنها القومي.
ووفقا لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، تدير الصين أكثر من 500 قمر صناعي قادرة على تنفيذ مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، فضلا عن نظام تحديد المواقع المعتمد على الأقمار الصناعية (جي.بي.إس)، مما يتيح للجيش الصيني تحديد مواقع القوات الأمريكية وحلفائها وتتبع تحركاتها في جميع أنحاء العالم.
وقد بدأ صعود الصين في مجال الفضاء يؤثر بالفعل على ديناميكيات الأمن الدولي الأوسع نطاقا، فخلال العملية الروسية الشاملة لأوكرانيا عام 2022، قدمت شركات صينية صورا عبر الأقمار الاصطناعية لساحة المعركة، مما ساعد القوات الروسية في تنفيذ عمليات عسكرية.
كما زودت جهات صينية طهران بصور الأقمار الاصطناعية للقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، بما في ذلك صور لقاعدة في الأردن استهدفتها إيران في يوليو الماضي، مما أسفر عن مقتل ثلاثة عسكريين أمريكيين.
وفي الوقت نفسه، فإن نمو قطاع الفضاء التجاري الصيني قد يسمح لمزيد من الدول والجهات الفاعلة من غير الدول، التي لا تمتلك برامج فضائية متطورة، بالاستفادة من خدمات الشركات الصينية لتحسين قدراتها على استهداف مصالح الولايات المتحدة وحلفائها بفاعلية أكبر في جميع أنحاء العالم.
أخيرا، ترى كاتلين كورلي وسام بريسنك في تحليلهما المشترك أنه ينبغي على واشنطن تكثيف جهودها لتعزيز قطاع محلي أكثر تنافسية في مجال عمليات الإطلاق الفضائي.
ففي حين تتصدر الولايات المتحدة سوق عمليات الإطلاق الفضائي بفضل شركة سبيس إكس المملوكة للأمريكي إيلون ماسك، ورغم أن هذه الشركة تعد ركيزة هائلة الأهمية، فإن هيمنتها شبه الكاملة على السوق تنطوي على مخاطر؛ لأنه إذا تعرضت البنية التحتية للإطلاق التابعة للشركة لأي عطل أو ضرر، فإن قدرة الولايات المتحدة على إطلاق الأقمار الصناعية ستتضرر بشدة.
لذا، فإن الهيمنة الأمريكية على مجال الفضاء الآن مهددة بثنائية التطور الصيني السريع وهيمنة شركة أمريكية واحدة على القطاع في الولايات المتحدة، وهي ثنائية تحتاج بالفعل إلى اهتمام كبير من جانب صناع القرار في واشنطن.