نبيل نعوم يكتب: الناى والربابة والدف

آخر تحديث: الجمعة 16 أبريل 2021 - 9:32 م بتوقيت القاهرة

من حفل موكب المومياوات الملكية الذى أبهر العالم بمدى دقة تنفيذه بمشاركة مجهود ضخم من كل من ساهم فى تحقيقه على هذا المستوى من الأناقة والدقة والتزامن الموفق لمختلف آليات العرض؛ نخرج بنتيجة واضحة، وهى أن شعب مصر بتاريخه الطويل يحب ويقدر الفنون بمختلف أنواعها وأساليبها. فالموسيقى من الغنائى والشعبى بالدف والربابة والناى إلى الموسيقى السيمفونية، والرقص من الشرقى إلى الباليه. والشعر والترانيم التى مدح بها قدماء المصريين آلهتهم والمنقوشة على جدران المعابد والمقابر مازالت كلماتها ترددها الشفاه تمجيدا وإجلالا فى طقوس العبادة المتعددة. ولعل ترنيمة إيزيس المعزوفة الموسيقية الرائعة التى غنتها السوبرانو العالمية أميرة سليم مع الموسيقى السيمفونية المؤثرة التى ألفها الموسيقار هشام نزيه تحت قيادة المايسترو القدير نادر عباسى لفرقة القاهرة السيمفونى، كادت تدمع عين المشاهدين لروعة أداء المغنية ذات الصوت القوى، واستمتاعا بسماع لغة تقرب للقبطية آخر أشكال اللغة المصرية القديمة. وإن لم يكن من المستطاع فهم الكلمات إلا أن التقاء الصوت والحرف والنغم أدى إلى حالة من النشوة، استمتع بها محبو الفن الأوركسترالى الراقى الذى كثيرا ما تكون أغانى أوبراه بلغات مختلفة لا يعرفها المستمع، ولكن يستمتع بها وبحلاوتها.
وتقول كلمات الترنيمة تمجيدا للإلهة إيزيس:
أيها البشر والروح التى تسكن الأعالى
إنها السيدة الوحيدة
لها التكريم والمهابة
فهى من تلد النهار
لها التكريم والمهابة
فهى سيدة الغرب والأرضين معا
.......
ومع جمال هذه الترنيمة استمتع المشاهدون بسماع صوت الفنانتين نسمة محجوب وريهام عبدالحكيم والفنان محمد منير وقد قدموا أغانيهم باللهجة المصرية.
وتقديم الموسيقى الأوركسترالية بمثل تلك القوة هو فتح نافذة على أحد فنون الموسيقى السيمفونية الثمينة. ونحن فى شبابنا كنا نذهب إلى الحفلة الصباحية يوم الجمعة فى دار الأوبرا، وكانت التذكرة وقتها بخمسة قروش للاستماع إلى أوركسترا القاهرة السيمفونى، والذى كان أغلب عازفيه من أوروبا الشرقية. استمعنا إلى بيتهوفن وموزارت وسبيليوس وغيرهم من أساطير الموسيقى الكلاسيكية. وأذكر أنى فى نهاية ستينيات القرن الماضى استمعت فى دار الأوبرا فى حفل مسائى إلى «كارمينا بورانا» ذائعة الصيت بقيادة كارل أورف مؤلف هذه الكانتاتا التى يكاد يعرفها كل من له اهتمام بالموسيقى العالمية. والمدهش فى الأمر أن كارل أورف صرح لأحد أصدقائه أن تلك الحفل، التى قاد فيها وقتها أوركسترا القاهرة السيمفونى بنفسه، كانت من أفضل المرات التى أستمتع فيها بسماع كارمينا بورانا، إذ إن صوت عزف آلات النفخ والإيقاع اقترب من موسيقى الموالد. وكارمينا بورانا تستند على نصوص 24 قصيدة من القرون الوسطى باللغة اللاتينية القديمة تمثل الاحتفال والغبطة بالاستمتاع بالحب وبالشراب، فبذا وعلى حسب قول أورف، كان العزف أقرب إلى ما كان يتصوره لملحمته الموسيقية. أما بالنسبة لأوركسترا القاهرة السيمفونى فى حفل موكب المومياوات الملكية تحت قيادة المايسترو نادر عباسى، فقد أثبتت قدرات عازفيها على مدى ارتفاع مستوى أدائهم، وهنا يجب الإشادة ببنات إيزيس العازفات بالأوركسترا لآلات الهارب والكمان والدف والتمبانى وخلافه من الآلات الموسيقية.
وبالعودة إلى ذلك العمل الأوركسترالى الناجح، والترنيمة باللغة المصرية القديمة، أود هنا أن أذكر الموسيقار المصرى العالمى الراحل، الذى لا يعرفه إلا النادر من المصريين، بل حتى من الموسيقيين المصريين، وهو الموسيقار العالمى حليم الضبع 1921ــ2017. ويعتبر الضبع من أوائل مؤلفى الموسيقى الإلكترونية، وهو أيضا أول من استخدم اللغة المصرية القديمة عام 1972 فى عمله الأوبرالى المشهور أوزيريس. ولد حليم الضبع وترعرع فى حى السكاكينى فى مدينة القاهرة. درس الهندسة الزراعية وتخرج عام 1945. لكنه هجر مهنة الهندسة الزراعية واهتم بالتأليف الموسيقى التجريبى المعتمد على طبيعة الصوت واستعمال أجهزة التسجيل وإعادة وتفكيك الصوت. ومما يذكر أن أول أعمال حليم الضبع فى منتصف أربعينيات القرن الماضى كانت نتيجة تسجيله لموسيقى حفل زار، وعمل بعدها على الشريط الذى سجله، حيث عزل النغمات الأساسية والمنخفضة وترك النغمات العالية وسمى المقطوعة «تعابير الزار»، وتعتبر أول مقطوعة إلكترونية. وانتقل حليم الضبع إلى الولايات المتحدة لدراسة الموسيقى وتعرف فى الخمسينيات على رائد الموسيقى التجريبية «جون كيج». وقد استعان حليم الضبع فى موسيقاه بأدوات عديدة مثل الطبلة والعود بالإضافة إلى صوته. وهو من ألف موسيقى الصوت والضوء بأهرامات الجيزة عام 1961. ومن ضمن أعماله الهامة موسيقى باليه «نظرة إلى البرق» لفرقة راقصة الباليه الأسطورة «مارثا جراهام» عام 1962.
ويعلق المغنى ومؤلف موسيقى الروك المعروف «فرانك زابا» عل أحد أشهر أعمال حليم الضبع «ليلى والشاعر» قائلا إنه من أهم وأكثر الأعمال التى ألهمته فيما بعد.
وبالعودة إلى استعمال الربابة فى العمل السيمفونى للموسيقار هشام نزيه تحت قيادة المايسترو نادر عباسى، يقول نزار قبانى:
«أسمع بخشوع موسيقى برامز وبيتهوفن وشوبان ورحمانينوف لكن البدوى فى داخلى يظل يشتاق إلى صوت الربابة».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved