الرئيس الأرجنتيني بين نجاحات الاقتصاد وتحديات السياسة

آخر تحديث: الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 9:50 ص بتوقيت القاهرة

لندن - (د ب أ)

يؤكد الدكتور برونو بينيتي- زميل مشارك في برنامج أمريكا اللاتينية بالمعهد الملكي البريطاني (تشاتام هاوس)- أن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي قد خالف جميع التوقعات السياسية منذ تولى رئاسة البلاد في ديسمبر 2023.

ووصل ميلي، الذي يصف نفسه بأنه "رأسمالي فوضوي" (أناركو-رأسمالي) ولم يشغل أي منصب تنفيذي سابقا، إلى السلطة وقد تعهد بقلب عقود من السياسات التدخلية رأسا على عقب، وخفض الإنفاق العام بشكل جذري، واستخدم منشاره الشهير رمزا لذلك.

ويقول بينيتي في تحليل نشره المعهد: "وبهذا استطاع ميلي هزيمة الحركة البيرونية، التي ارتبط اسمها طويلا بالنظام السياسي في الأرجنتين".

ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، فقد نفذ ميلي أحد أكثر برامج التقشف المالي طموحا في التاريخ الحديث، "إذ نجح في القضاء على العجز المالي وإعادة الموازنة العامة إلى تحقيق فائض. كما أقر إصلاحات مهمة وخفض معدلات التضخم التي كانت تتجاوز 100%، رغم أن حزبه لا يسيطر إلا على أقلية صغيرة في الكونجرس".

وقد عزز نجاحه في انتخابات التجديد النصفي عام 2025 موقعه التشريعي وفتح الطريق أمام مزيد من الإصلاحات، بما في ذلك تعديل شامل لقوانين العمل. وفي الوقت نفسه، تحول ميلي إلى شخصية دولية بارزة ومرجع لتيار اليمين الليبرالي العالمي.

ولكن يبدو أن عام 2026 قد جاء ليذكر الجميع بأن "هذه لا تزال الأرجنتين، حيث لا توجد شيكات على بياض، فقد تراجعت معدلات التأييد الشعبي لميلي وبدأت مؤشرات الإرهاق السياسي في الظهور، في وقت تتواصل فيه معاناة كثير من الأرجنتينيين، رغم تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي".

وفي الوقت نفسه، تثير الخلافات المتنامية داخل الحكومة، والتي أصبحت علنية بشكل متزايد، تساؤلات حول قدرة ميلي على إدارة ائتلافه السياسي.

وربما لم تنتهِ البيرونية، فالرئيسة السابقة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر، التي بدا أن مسيرتها السياسية انتهت بعد إدانتها في قضايا فساد ووضعها قيد الإقامة الجبرية، عادت من جديد لتسجل نتائج تنافسية في استطلاعات الرأي، رغم عدم قدرتها على الترشح لأي منصب.

التحدي الاقتصادي

ويرى بينيتي أنه يصعب حتى على منتقدي ميلي إنكار إنجازاته الاقتصادية: فقد انخفض معدل التضخم من 211% عندما تولى السلطة في ديسمبر 2023 إلى ما يزيد قليلا على 30% الشهر الماضي. ورغم أن هذه النسبة لا تزال ضمن الأعلى عالميا، فإنها لم تعد تهيمن على النقاش السياسي في مجتمع اعتاد معدلات تضخم أعلى بكثير.

ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد بمعدل 5ر3% في عام 2026، مدعوما بصادرات النفط والغاز الصخري من احتياطيات الزيت/النفط الصخري، والغاز "فاكا مويرتا" (البقرة الميتة)، إضافة إلى قطاعي التعدين والزراعة. كما نجح البنك المركزي الأرجنتيني في الدفاع عن قيمة البيزو الذي ظل مستقرا إلى حد كبير، وبدأ إعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي، والتي تشمل إحدى نقاط الضعف الاقتصادية المزمنة في البلاد.

وأخيرا، ورغم تقاربه السياسي الوثيق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اتجه ميلي إلى تحرير التجارة الخارجية عبر خفض الضرائب على الصادرات ودعم اتفاقية التجارة الحرة بين تكتل ميركوسور والاتحاد الأوروبي.

ولكن في سبتمبر 2025، وبعد هزيمة حزبه في انتخابات مقاطعة بوينس آيرس، أثارت الاضطرابات في الأسواق شكوكا جدية بشأن استدامة برنامجه الاقتصادي، ما استدعى تدخلا مباشرا من وزارة الخزانة الأمريكية لاستعادة ثقة المستثمرين.

ويقول بينيتي إن ذلك كان بمثابة تذكير بأن الأرجنتين لا تزال شديدة التأثر بتقلبات ثقة المستثمرين وظروف التمويل الخارجي.

وأضاف أن الاستقرار الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحقيق الازدهار، حيث "يشعر كثير من الأرجنتينيين، بحق أو بغير حق، بأنهم لا يلمسون فوائد التحول الاقتصادي. فما تزال الأجور الحقيقية منخفضة، وتعافي الاستهلاك غير متوازن، بينما يتركز جزء كبير من النمو في عدد محدود من قطاعات التصدير شديدة التنافسية، مثل الزراعة والتعدين والنفط والغاز".

أما القطاعات الأقل قدرة على المنافسة، وبينها الصناعات التحويلية، فتواجه صعوبات، في حين أن كثيرا من الوظائف الجديدة، إما غير رسمية أو تتركز في أنشطة منخفضة الأجور مثل خدمات التوصيل.

وتراهن الحكومة على أن تراجع التضخم وإلغاء القيود التنظيمية والانضباط المالي سيؤديان في نهاية المطاف إلى إطلاق موجة أوسع من الاستثمارات. لكن يبقى السؤال، ما إذا كان الأرجنتينيون على استعداد لانتظار تحقق هذه الوعود.

التحدي السياسي

كما كشف انتهاء فترة "شهر العسل" السياسي عن حدود قدرات ميلي كزعيم سياسي، "فقد أثبت فعالية كبيرة في تحديد الاتجاه العام، لكنه أظهر اهتماما أقل بإدارة التفاصيل اليومية للحكومة خارج المجال الاقتصادي".

ويتمتع ميلي بولاء شديد لدائرته الضيقة من المستشارين الموثوقين، لكنه يبدو عاجزا عن احتواء الخلاف المتسع بين شقيقته ومستشارته الأقرب كارينا ميلي، وبين أكبر خبير سياسي استراتيجي لديه، سانتياجو كابوتو، ما عزز الانطباع بوجود صراعات داخل الحكومة.

كما واصل دعمه لرئيس ديوان الرئاسة مانويل أدورني رغم سلسلة من اتهامات الفساد التي أضعفت ادعاء ميلي بأنه نجح في القضاء على "الطبقة السياسية التقليدية".

وفي نفس الوقت، بدأ الكثيرون ينظرون إلى البيرونية مجددا كبديل قابل للحياة، رغم استمرار الانقسامات داخلها وارتباطها بذكريات سنواتها الأخيرة الكارثية في الحكم.

ولا تزال كريستينا فرنانديز دي كيرشنر تتمتع بنفوذ كبير داخل الحركة. ويُعد حاكم مقاطعة بوينس آيرس، أكسل كيسيلوف، أبرز المرشحين لخلافتها، رغم توتر العلاقة بينهما.

ويقول المحلل بينيتي إن كيسيلوف يرتبط بشكل وثيق بالنموذج الاقتصادي التدخلي الذي انتخب ميلي لتفكيكه، ما يجعله مرشحا قويا حال قرر الأرجنتينيون التراجع عن تجربة ميلي.

كما تحتاج الحكومة إلى أن يقتنع المستثمرون بأن البيرونية لن تعود إلى السلطة، لكنها تحتاج أيضا إلى أن يخشى الناخبون من احتمال عودتها.

ومن جهة أخرى، تمثل البيرونية ورقة سياسية مفيدة لميلي، إذ يساعد احتمال عودة سياسات الماضي على الحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم ومنع الناخبين الذين يشعرون بالإحباط من البحث عن بدائل أخرى.

وتتعامل حكومة ميلي بقدر من التردد مع قدرة البيرونية على الصمود. فمن جهة، يتردد كثير من المستثمرين في ضخ استثمارات كبيرة ما لم يقتنعوا بأن الإصلاحات ستستمر حتى إذا تغيرت الحكومة.

ومع ذلك، بدأ بالفعل ظهور مؤشرات على وجود تفكير بين بعض أوساط المحافظين ورجال الأعمال، في بدائل محتملة حال تعثر ميلي.

وفي نهاية الأمر، يعيد الانقسام بين البيرونيين ومعارضيهم، الذي شكل السياسة الأرجنتينية لعقود، فرض نفسه كلما اقتربت الانتخابات.

ويؤكد بينيتي في ختام تحليله أنه إذا ما تمكن ميلي من استعادة السيطرة على حكومته والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي – وهو أمر ليس سهلا في الأرجنتين – فسوف يكون من الصعب على شخصيات أخرى منافسته على قيادة المعسكر غير البيروني.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved