كرة القدم بين الشمس والظل.. كتاب جاليانو الذي يطل في مونديال 2026
آخر تحديث: الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 9:28 م بتوقيت القاهرة
محمود عماد
تمثل بطولة كأس العالم لكرة القدم حدثًا عالميًا تلتف حوله الشعوب من مختلف القارات من أجل متابعة مباريات البطولة الأقوى التي تقام كل أربع سنوات، وتضم منتخبات العالم في تمثيل شكل من أشكال الحياة.
ومع انطلاق منافسات مونديال 2026، النسخة الثالثة والعشرين تاريخيًا، والمقام بتنظيم ثلاثي بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، يتسلط الضوء على كرة القدم من جديد، لكن هذه المرة في عصر تغيرت فيه اللعبة كثيرًا.
يعد هذا المونديال تتويجًا لفكرة الصناعة في كرة القدم، التي بدأت منذ نهايات القرن الماضي في التحول تدريجيًا من لعبة شعبية تخص الجماهير والطبقات العادية إلى صناعة وسلعة، مثلما أضحى كثير من الأشياء في عصر الهيمنة الرأسمالية العالمية.
في كأس العالم الحالي تبرز حقوق الرعاية والنقل التلفزيوني والعلامات التجارية بوصفها أحد أبطال البطولة، ولم يعد اللعب وحده سيد الموقف كما كان في الماضي.
ويبرز ذلك مع المشكلات التي يواجهها المونديال قبل أن يبدأ، سواء من تعنت الدولة المضيفة الأبرز، أو من ارتفاع أسعار التذاكر وصعوبة التنقل، وغير ذلك.
بين ماضٍ كانت فيه الكرة لعبة الشعب بهدف المتعة، وحاضر أصبح فيه اللاعبون رجال أعمال وعلامات تجارية تمشي على قدمين، ومع بداية كأس العالم الذي صار بشكل ما عملية تجارية أكثر منه مساحة للمتعة، يمكننا إعادة قراءة كتاب «كرة القدم بين الشمس والظل» للكاتب والصحفي الأوروجواياني إدواردو جاليانو، بترجمة صالح علماني.
جاليانو هو ابن القارة اللاتينية التي أدخلت السحر إلى كرة القدم، والتي منها انطلقت بطولة كأس العالم في القرن الماضي، ومثل كثير من أبناء هذه القارة عشق جاليانو الكرة وحلم بأن يصبح لاعبًا شهيرًا، لكن هذا الحلم لم يتحقق.
اتجه جاليانو إلى ميدان آخر هو الكتابة، وفيه تألق وذاع صيته، ومع ذلك لم ينسَ ولعه القديم بالكرة، فقرر تطويع اللغة للتأريخ لكرة القدم وكؤوس العالم المختلفة في القرن العشرين.
رؤية جاليانو لكرة القدم ليست من منظور رياضي معتاد، بل من منظور أشمل يتعامل مع اللعبة بوصفها أكثر من مجرد منافسة داخل الملعب، ففي هذا الكتاب تبدو كرة القدم مرآة للعالم، ومجازًا للحياة بما فيها من جمال وقسوة، وأحلام وانكسارات.
في الفصول الأولى من الكتاب يبدأ جاليانو في تعريف عناصر اللعبة كما يراها، عبر لغة أدبية تخرجها من فضاء اللعب الضيق إلى رحابة العالم.
فهو ينحاز إلى اللاعب، خاصة أنه كان أكثر عناصر اللعبة تعرضًا للظلم في سنواتها الأولى، حيث لم يكن يمتلك حقوقًا كثيرة، وكان عرضة للاستغلال من القائمين على صناعة اللعبة.
ونرى في وصفه لحارس المرمى يخلق سردية أسطورية لهذا المركز، وكأنه يحمل خطايا الفريق كله على كتفيه، في صورة تشبه المسيح المتحمل للآلام.
وفي حديثه عن الحكم يضع جاليانو، يده على إشكالية هذا الرجل المكروه من الجميع، والمغضوب عليه من الفائزين والخاسرين على السواء، كأنه مذنب أبدي، ويبدع في وصفه بالحاكم الآمر الناهي، لكنه مع ذلك الوحيد الذي لا يمكنه لمس الكرة.
ويتطرق الكاتب، إلى فكرة تسليع كرة القدم عبر الخوض في سياق ما تحولت إليه اللعبة من رياضة للشعوب إلى صناعة متكاملة الأركان، تقوم على الشركات والرعاية وحقوق البث التلفزيوني وغيرها من مظاهر السوق الحديثة.
ويرى جاليانو، أن هذا التحول يفرغ الكرة من كونها لعبة ملكًا للناس، ويحولها إلى سلعة تُشترى بالمال، ويعيدها بشكل ما إلى سيرتها الأولى عندما كانت لعبة تخص الطبقات الأرستقراطية.
وعندما نتعاطى مع حكايات الكتاب نجد قصصًا تتناول نشأة كرة القدم، وكيف كانت، مثل كثير من الأمور، ساحة لصراع بين طبقة عليا وأخرى أدنى.
لكن كرة القدم انتصرت في النهاية للجميع، وحاولت ألا تفرق بين هذا وذاك إلا بقدر ما تمنحه من متعة، فكانت ولادة كرة القدم اللاتينية.
ويجعلنا تناول جاليانو لتأثير أمريكا اللاتينية على كرة القدم: "نشعر أننا أمام صراع هوية، حيث تخرج اللعبة من هويتها الأوروبية في إنجلترا، الموصوفة ببيت كرة القدم، إلى القارة البعيدة الجديدة".
وفي قارة العالم الجديد تصبح المتعة مقصد اللعب كله، ومن بؤر الفقر يخرج لاعبون يمتعون العالم، ويمكن وصفهم بأنهم من أكثر لاعبي كرة القدم إمتاعًا في تاريخ اللعبة.
وعندما يحكي جاليانو عن كؤوس العالم المختلفة، من أوروجواي عام 1930 وحتى الولايات المتحدة عام 1994، لا تصبح القصة مجرد حديث عن لعبة، وإنما عن مجاز الحياة برمتها.
ويربط الكاتب بين كل دورة من دورات المونديال وبين الأحداث المهمة التي شهدها العالم في وقتها، سواء كانت سياسية أو فنية أو ثقافية، ليتحول التداخل بين الرياضة والحياة إلى نسيج واحد، وهنا يتحول اللاعبون من مجرد راكلي كرة إلى أبطال أسطوريين، يصبحون جزءًا من ميثولوجيا اللعب.
ويتناول جاليانو أساطير اللعبة بلغة عذبة تذهب إلى أرض المجاز، فيصبح بيليه حاملًا لأحلام الفقراء، ويصير يوهان كرويف الرجل العبقري، ويغدو ميشيل بلاتيني شابًا حارب المستحيل، بينما يبدو دييغو أرماندو مارادونا رجلًا حاول الانتصار لبلاده في مواجهة العجرفة الأوروبية.
ويعد تناول جاليانو لشخصية مارادونا أحد أمتع فصول الكتاب، إذ يضع يده على الثنائية التي حكمت شخصية هذا اللاعب، فلتة زمانه.
ففي داخله يتجاور اللاعب القديس الذي يحمل أحلام الأرجنتين على كتفيه، وأحلام نادي الجنوب في مواجهة عنصرية الشمال الإيطالي، مع المتمرد الصاخب وكاسر القواعد الذي أسهم بنفسه في إنهاء مسيرته مبكرًا.
وفي نهاية الكتاب يصف غاليانو ما وصلت إليه كرة القدم من محاولة لقتل متعتها الخام، خاصة في مونديال 1994، الذي رآه واحدًا من أكثر البطولات مللًا مقارنة بما سبقه.
ويمكن اعتبار أن جاليانو أطلق نبوءة مبكرة حول تسليع هذه اللعبة، وانتصار المعلنين والرعاة ورجال الأعمال على كادحي الرياضة.
وبعد هذه السنوات يطل مونديال 2026، محققًا بعضًا من نبوءة الكاتب الأوروجواياني، في بطولة تُعد من الأكبر في تاريخ اللعبة من حيث العائدات التجارية، حيث تتوقف المباريات أحيانًا بحجة إتاحة الفرصة لالتقاط الأنفاس، بينما تتزاحم الإعلانات على الشاشات وكأن دقيقة واحدة لا ينبغي أن تمر دون تحقيق مزيد من الأرباح.
وللمفارقة، فإن كأس العالم الذي هاجمه جاليانو واتهمه بالملل والدفاع وصعود الصناعة على حساب المتعة كان مونديال الولايات المتحدة 1994، بينما تعود الولايات المتحدة اليوم لتحتضن الجزء الأكبر من مباريات نسخة 2026، في مشهد يبدو وكأنه يؤكد بعض المخاوف التي عبر عنها الكاتب قبل عقود.