فلوريان زيلر يستثمر زواج بينيلوبى كروز وخافيير فى فيلم «بانكر»
آخر تحديث: الأربعاء 16 سبتمبر 2026 - 6:39 م بتوقيت القاهرة
خالد محمود
المخرج الفرنسى: اختيارهما فرصة لخلق مساحة رمادية بين الواقع والخيال
يعود المخرج الفرنسى فلوريان زيلر إلى السينما بفيلم «بانكر»، الذى نافس بمهرجان فينيسيا، فى تجربة يضع فيها الزوجان الحقيقيان بينيلوبى كروز وخافيير بارديم فى قلب دراما زوجية تتقاطع فيها مشاعر الشخصيات مع حقيقة نجميها.
الفيلم يمثل العمل الروائى الثالث لزيلر، الحائز على جائزتى أوسكار عن فيلمه الأول «الأب»، ويأتى بعد أربع سنوات من «الابن». ومنذ البداية، كانت فكرة جمع كروز وبارديم على الشاشة جزءًا أساسيًا من المشروع، قبل أن تكتمل حتى ملامح القصة.
يقول زيلر إنه بدأ «يحلم برؤيتهما معًا على الشاشة»، بدلًا من كتابة شخصيتين ثم البحث عن الممثلين المناسبين لهما. ورغم أن كروز وبارديم ظهرا معًا من قبل، فإنهما لم يقدما شخصية زوجين على الشاشة، وهو ما رأى فيه المخرج فرصة لخلق مساحة رمادية بين الواقع والخيال.
ويستعيد زيلر تجربة ستانلى كوبريك فى «عيون مغلقة على اتساعها»، عندما استعان بتوم كروز ونيكول كيدمان، اللذين كانا متزوجين آنذاك، لتجسيد زوجين تمر علاقتهما بأزمة عميقة.
ويقول زيلر: «أحببت هذا الطرح المتناقض، حيث لا يكون الجمهور متأكدًا تمامًا مما يُدعى إلى مشاهدته». وأضاف أن وجود كروز وبارديم معًا يسمح باستخدام «ما يمثلانه» للوصول إلى شيء أكثر أصالة وإثارة للقلق، متسائلًا: «هل هو خيال؟ أم نسخة أخرى من الخيال؟ أين يكمن الحد الفاصل بين الواقع والخيال؟».
فى «بانكر»، يجسد بارديم شخصية ميجيل، مهندس معمارى شهير يجد نفسه أمام مشروع شديد الإغراء من الناحية المادية، لكنه يثير أسئلة أخلاقية كبيرة؛ إذ يُطلب منه بناء ملجأ سرى تحت الأرض لملياردير تكنولوجى منعزل يؤدى دوره بول دانو.
وتدفع هذه المهمة زوجته صوفيا، التى تجسدها كروز، إلى التشكيك فى قيم زوجها، وفى اختياراته، بل وفى أسس زواجهما الممتد لـ17 عامًا.
ولا يكتفى الفيلم بأزمة العلاقة الزوجية، بل يضعها داخل عالم مأزوم تحكمه مخاوف المستقبل، والقلق البيئى، واتساع الفجوة الاجتماعية، والنزعة الفردية، والثروات الهائلة التى تمنح أصحابها وهم القدرة على شراء الأمان.
ويكشف زيلر أن أحد مصادر إلهام الفيلم كان مقالا عن استعداد أحد مليارديرات التكنولوجيا لبناء ملجأ ضخم تحت الأرض فى هاواى. بالنسبة للمخرج، بدت الفكرة مفارقة شديدة الدلالة: شخص جمع ثروته من خلال ربط البشر ببعضهم، لكنه فى الوقت نفسه يستعد لعزل نفسه عن بقية البشرية.
ويشير زيلر إن هذه الفكرة أصبحت استعارة لعصرنا، وتحديدًا لفكرة أن الثروة الطائلة يمكن أن تمنح أصحابها القدرة على شراء «الوقت والصحة والأمان». لكنه لم يرغب فى تحويل الفيلم إلى بيان سياسى مباشر، بل أراد أن تظهر هذه القضايا من خلال تجربة زوجين يواجهان أزمة فى علاقتهما.
ويعكس البناء البصرى للفيلم هذا الشعور بالعزلة. فقد شُيد منزل ميجيل وصوفيا داخل استوديو فى مدريد، بدلًا من الاعتماد على موقع حقيقى فى لندن. أراد زيلر للمنزل أن يبدو فى البداية مفتوحا وشفافا، قبل أن يتحول تدريجيا فى نظر المشاهد إلى ما يشبه الملجأ المحصن.
ويقول: «عشنا تجربة ذلك الملجأ بأنفسنا، فى استوديو مظلم تماما لعدة أسابيع».
أما كروز وبارديم فكانا جوهر المشروع منذ لحظته الأولى. وكانت كروز أول من قرأ السيناريو، لكنها سألت زيلر قبل موافقتها على الفيلم عما إذا كان سيمنحها الدور فى حال رفض بارديم. بالنسبة للمخرج، كشف السؤال عن رغبة واضحة لدى الاثنين فى أن يُنظر إليهما بوصفهما فنانين مستقلين، لا مجرد زوجين فى الحياة.
لكن زيلر يؤكد أنه لو رفض أحدهما المشاركة، لما أخرج الفيلم أصلًا. ويقول: «جوهر الفيلم يكمن فى كونهما هما، وفى كونهما زوجين حقيقيين».
وكان المخرج مهتما أيضا بإبعاد بارديم عن الصورة النمطية التى ارتبطت ببعض أدواره السابقة، محاولًا الاقتراب من «حقيقة مشاعره» بدلًا من الاعتماد على المسافة التى يخلقها عادة بين شخصيته الحقيقية والشخصيات التى يؤديها.
وتزداد العلاقة بين الواقع والخيال تعقيدا مع الشخصية التى تؤديها كروز، خاصة فى علاقتها الغامضة بكاتب أمريكى يجسده باتريك شوارزنيجر. ويؤكد زيلر أن ما جذبه لم يكن تقديم قصة تقليدية عن الخيانة الزوجية، بل «زعزعة استقرار أعمق وأكثر دقة» داخل العلاقة.
وفى جانب من الفيلم، يجد زيلر نفسه قريبًا من أبطاله. فقد كتب السيناريو بعد عامين قضاهما فى لوس أنجلوس مع زوجته الممثلة الفرنسية مارين ديلترم وابنهما، قبل أن يقرروا العودة إلى فرنسا. ويقول إن التجربة دفعته إلى التساؤل عن أولوياته وما هو الأهم فى حياته، وهى أسئلة انعكست بصورة غير مباشرة على الفيلم.
هكذا يبدو «بانكر» أكثر من مجرد دراما عن زواج يواجه أزمة؛ إنه محاولة من زيلر لاستكشاف العلاقة بين الإنسان ومخاوف عصره، وبين الطموح والنجاح، وبين الرغبة فى الأمان والخوف من المستقبل. وفى قلب كل ذلك، يضع كروز وبارديم، لا باعتبارهما زوجين على الشاشة فقط، وإنما باعتبارهما زوجين حقيقيين يحمل وجودهما معًا طبقة إضافية من المعنى والغموض.