غادة ونيفين رجب في مهرجان الموسيقى العربية.. شقيقتان تجمعهما الموهبة وتفصل بينهما بصمة الغناء
آخر تحديث: الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 4:16 م بتوقيت القاهرة
أمجد مصطفى
من "الطفلة المعجزة" التي تنبأ لها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب بمستقبل استثنائي، إلى الصوت الرشيق الذي يخاطب أذن العصر، تلتقي الشقيقتان غادة ونيفين رجب على خشبة مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية في دورته الرابعة والثلاثين، لكن لكل منهما حكايتها الخاصة مع الغناء، وشخصيتها الفنية التي تميزها عن الأخرى.
في عالم الغناء، قد تجمع الأشقاء صلة الدم، لكن الموهبة تمنح كل صوت هويته المستقلة، وتصنع لكل فنان طريقا لا يشبه الآخر، حتى وإن انطلقا من البيت نفسه، وهذا ما تقدمه غادة ونيفين رجب؛ تجربتان تلتقيان في الانتماء إلى الغناء المصري، وتختلفان في طبيعة الصوت والأداء والاختيارات الفنية.
للوهلة الأولى، قد يظن البعض أن غادة هي الشقيقة الكبرى، ليس بسبب فارق العمر، وإنما لأن حضورها سبق شقيقتها نيفين إلى الجمهور بسنوات، بعدما ارتبط اسمها مبكرا بلقب "الطفلة المعجزة"، الذي لم يكن مجرد وصف لطفلة تجيد الغناء، بل تعبيرا عن موهبة امتلكت قدرة لافتة على أداء أعمال تتجاوز عمرها.
نيفين رجب.. صوت يخاطب أذن العصر
تشارك نيفين رجب في حفل افتتاح الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية بأغنية "ناس تغيب"، التي تُقدم للمرة الأولى إهداء إلى روح الفنان الراحل هاني شاكر، أمير الغناء العربي، الذي تحمل الدورة اسمه تقديرا لمسيرته وإسهاماته في الغناء العربي.
الأغنية من كلمات الشاعر عبدالله حسن، زوج الفنانة غادة رجب، وألحان وتوزيع شريف حمدان، ويحمل عنوانها مساحة من الشجن الإنساني، إذ يستدعي الغياب مشاعر الحنين والذكريات، في مناسبة تستحضر سيرة فنان ارتبط صوته بوجدان أجيال من المستمعين.
وتضع هذه المشاركة نيفين أمام اختبار فني له خصوصيته؛ فالغناء في مناسبة تستعيد ذكرى هاني شاكر لا يتعلق بمجرد تقديم أغنية جديدة، بل يحتاج إلى حساسية في الأداء، وقدرة على نقل الشجن دون افتعال، واحترام للمقام الذي تقف فيه الأغنية وصاحبتها.
تميل نيفين بطبيعة صوتها إلى مساحة أكثر تحررا، بصوت رشيق وقوي يحمل مواصفات تناسب أذن العصر، ويمنحها قدرة على التعامل مع أنماط غنائية تتجاوز القوالب التقليدية، لذلك لا ينبغي قراءة تجربتها باعتبارها امتدادا لتجربة شقيقتها، أو الاكتفاء بتقديمها للجمهور بوصفها أخت غادة، فهي تمتلك ملامحها الخاصة التي تحتاج إلى مزيد من الأعمال والفرص لإبرازها.
صحيح أن رصيد نيفين الغنائي، من حيث الكم، لا يضاهي رصيد شقيقتها، التي تمتد تجربتها إلى سنوات طويلة من العمل والتعاون مع كبار الملحنين والشعراء، لكن المقارنة لا ينبغي أن تتوقف عند عدد الأغنيات؛ فلكل تجربة ظروفها ومسارها، ولكل صوت فرصته في أن يقول كلمته حين يجد الأغنية التي تشبهه والمنصة التي تمنحه حق الحضور.
غادة رجب.. مطربة صاحبة تجربة
بدأت حكاية غادة رجب مع الغناء وهي في الثامنة من عمرها، حين لفتت الأنظار بموهبة بدت أكبر من سنوات عمرها، فاستحقت لقب "الطفلة المعجزة"، وكان ظهورها المبكر مع رائعة محمد عبدالوهاب "القمح الليلة"، على مسرح الجمهورية، محطة فارقة في بداياتها، ويُروى أن موسيقار الأجيال وصفها يومها بأنها "طفلة بصوت عجوز"، في عبارة تلخص المفارقة التي صنعت سحر صوتها؛ طفلة في العمر، لكن أداءها يوحي بنضج يتجاوز سنواتها.
لم تعتمد غادة على براءة الطفولة وحدها، بل امتلكت قدرة على استيعاب الجمل اللحنية الصعبة والتعامل مع أعمال كبار الموسيقيين بإحساس وتمكن، ومع مرور الوقت، انتقلت من مرحلة اكتشاف الموهبة إلى البحث عن هويتها الفنية، وقدمت أعمالا خاصة أكدت أن موهبتها لم تكن ظاهرة مرتبطة بسن مبكرة، بل مشروعا قابلا للاستمرار والتطور.
وكانت أغنيتها "يا خسارة" إحدى محطات انتقالها إلى عالم الأغنية الخاصة، بعدما عرفها الجمهور بأداء أعمال كبار المطربين والمشاركة في مناسبات فنية ووطنية، كما قدمت خلال طفولتها أغنيات ارتبطت بذاكرة الجمهور، من بينها "العيد السنة دي"، و"رمضان كريم"، و"أنا من البلد دي".
تميل غادة إلى المدرسة الطربية، حيث تحتل قوة الصوت والتحكم في الجملة اللحنية والتعبير عن الكلمة مكانة أساسية في أدائها، وقد تعاونت مع نخبة من كبار الملحنين والموسيقيين، من بينهم بليغ حمدي، ومحمد الموجي، وسيد مكاوي، وحلمي بكر، وعمار الشريعي، وعمر خيرت، ومحمد علي سليمان، وكاظم الساهر، كما ارتبطت تجربتها بأعمال لشعراء بارزين، من بينهم نزار قباني، وعبدالوهاب محمد، وسيد حجاب، وجمال بخيت، وبهاء الدين محمد، وأيمن بهجت قمر، وأمير طعيمة.
وتكشف هذه الأسماء عن تنوع المساحات الموسيقية التي تحركت فيها غادة، وعن قدرتها على التعامل مع مدارس وأجيال مختلفة؛ فالتحدي أمام المطربة التي تبدأ مشوارها بأعمال كبار الفنانين لا يتمثل في البقاء أسيرة الماضي، وإنما في استيعاب التراث والبحث عن صوتها الخاص وسط هذا الزخم.
ومن التجارب اللافتة في مسيرتها خوض الغناء باللغة التركية، في محاولة للتواصل مع ثقافة موسيقية أخرى، بالتعاون مع أسماء تركية، من بينها الملحن سلامي شاهين وعازف الكلارينيت العالمي حسنو.
ولم تكن التجربة مجرد تغيير للغة، بل خطوة نحو مد جسور التواصل بين الثقافات، وإثبات قدرة الصوت المصري على التفاعل مع ألوان موسيقية مختلفة دون التخلي عن جذوره.
تعود غادة رجب إلى مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية بعد سنوات من الغياب، في عودة تستدعي الذاكرة إلى مرحلة كانت فيها الدكتورة رتيبة الحفني حريصة على اكتشاف المواهب الشابة ومنحها فرص الظهور والتطور.
وتشارك غادة في ليلتين؛ الأولى في القاهرة يوم 23 أكتوبر، والثانية في الإسكندرية يوم 27 أكتوبر، لتعود إلى جمهور ارتبط اسمها أمامه بمرحلة مبكرة من مسيرتها.
وتحمل العودة معنى يتجاوز المشاركة في حفلين، لأنها تطرح سؤالا حول دور المهرجان في مسيرة الفنان، ومدى قدرته على مواصلة رسالته في احتضان الأصوات التي شاركت في تشكيل تاريخه، فقد كانت رتيبة الحفني تؤمن بأن مستقبل الغناء العربي لا يُصنع بالاحتفاء بالنجوم وحدهم، بل بفتح الأبواب أمام المواهب ورعايتها حتى تصبح أسماء مؤثرة في المشهد الغنائي، وغادة واحدة من النماذج التي يمكن من خلالها استعادة هذه الفلسفة؛ طفلة ظهرت في عمر مبكر، ثم كبرت أمام الجمهور، وخاضت تجارب متعددة، وراكمت رصيدا من الأعمال والتعاونات، قبل أن تعود إلى المهرجان الذي شهد جانبا من رحلتها الفنية.
شقيقتان.. وطريقان إلى الأغنية
إذا كانت غادة تمثل امتدادا لمدرسة تميل إلى الطرب، وتستند إلى ثراء التجربة والاحتكاك بكبار الموسيقيين، فإن نيفين تبدو أقرب إلى مساحة غنائية أكثر تحررا، تتناسب مع إيقاع العصر وتمنح الصوت مجالا أوسع للتعبير عن نفسه.
غادة صوت يستحضر خبرة السنوات ويبحث عن عمق العبارة وثراء اللحن، فيما تحمل نيفين ملامح صوت رشيق يستطيع التعامل مع متطلبات الغناء المعاصر، ولا يعني هذا أن إحداهما أفضل من الأخرى، بل إن الاختلاف بينهما هو ما يمنح التجربتين خصوصيتهما؛ فالفن لا يزدهر بالتشابه، وإنما بالتنوع، ولا يكتسب الصوت قيمته من تقليد صوت آخر، بل من قدرته على اكتشاف المساحة التي يستطيع أن يترك فيها بصمته.
وفي الدورة الرابعة والثلاثين، المهداة إلى روح هاني شاكر، تصبح مشاركة الشقيقتين أكثر من مجرد اسمين في برنامج الحفلات؛ فهي حكاية عن استمرارية الموهبة، واختلاف الأجيال، وقدرة الغناء على التجدد دون الانقطاع عن جذوره.
رضا رجب.. الأب الذي زرع الموهبة
وفي ختام الحكاية، لا يمكن إغفال اسم الدكتور رضا رجب، عازف الكمان الشهير والمايسترو والموزع الموسيقي الكبير، الذي كان له دور مهم في رعاية الموهبة لدى ابنتيه غادة ونيفين، وتهيئة المناخ الذي يساعدهما على اكتشاف قدراتهما وصقل موهبتهما، دون أن يفرض عليهما اختياراته الفنية، إنها حكاية أب لم يسعى إلى أن يجعل من ابنتيه صورتين متطابقتين، بل حرص على أن يمنح كل واحدة منهما فرصة لتكون نفسها، وأن ترسم ملامح تجربتها باستقلالية.
وهكذا تلتقي غادة ونيفين رجب على مسرح مهرجان الموسيقى العربية؛ شقيقتان تجمعهما الموهبة، وتفصل بينهما بصمة الغناء، وبين صوت يحمل ذاكرة الطرب، وآخر ينفتح على إيقاع العصر، تبقى الأغنية المصرية قادرة على الجمع بين الماضي والحاضر، ومنح كل جيل فرصته في التعبير عن نفسه دون أن يفقد صلته بالجذور التي صنعت هويته.