1. بعد حظر «فلسطين أكشن».. دار نشر بريطانية توقف توريد كتب سالي روني بسبب دعمها للحركة
آخر تحديث: الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 12:34 ص بتوقيت القاهرة
منى غنيم
سالي روني تؤكد استعدادها لتحمل عواقب دعم القضية الفلسطينية.. و«فلسطين أكشن» تشيد بشجاعتها وتمسكها بالمبادئ
أعلنت دار النشر البريطانية التي تتولى إصدار أعمال الروائية الأيرلندية سالي روني وقف توريد كتبها إلى الأسواق البريطانية، بعد تعهد الكاتبة بمواصلة تخصيص عائدات أعمالها لدعم حركة «فلسطين أكشن»، التي صنفتها الحكومة البريطانية منظمة إرهابية محظورة.
وقالت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، في تقرير لها، إن الأزمة تعود إلى العام الماضي، عندما نشرت روني مقالًا أكدت فيه عزمها الاستمرار في استخدام عائدات كتبها لدعم الحركة، رغم قرار الحكومة البريطانية حظرها بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
وبررت الحكومة قرارها بأن الحركة لها سجل طويل من الأضرار الجنائية للممتلكات، من بينها استهداف شركات أسلحة مرتبطة بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وأوضحت روني أن مواصلة نشر كتبها في بريطانيا، ثم تحويل الأموال الناتجة عن مبيعاتها إلى الحركة المحظورة، قد يُعد جريمة جنائية خطيرة بموجب القانون البريطاني، وهو ما دفعها إلى الاتفاق مع دار النشر على وقف توريد كتبها إلى السوق البريطانية.
وأشار تقرير «بي بي سي» إلى أن كتب روني، ومن بينها روايتا «محادثات مع الأصدقاء» و«أناس عاديون»، قد تظل متاحة في المكتبات البريطانية خلال الفترة المقبلة، إذ أوضحت سلسلة المكتبات «ووترستونز» أن دار النشر أبلغتها بعدم وجود قيود تمنع بائعي الكتب من بيع مخزونهم الحالي، ولكن التقرير أشار إلى أن المكتبات لن تتمكن من الحصول على نسخ جديدة بعد نفاد الكميات الموجودة لديها، ما يعني اختفاء أعمال الكاتبة تدريجيًا من الأسواق البريطانية.
ومن جانبها، قالت روني إنها بذلت كل ما في وسعها للتحلي بالشفافية مع الجمهور بشأن معتقداتها ومواقفها وما تعتزم القيام به، مؤكدة أنها مستعدة تمامًا لتحمل عواقب موقفها، وفي السياق نفسه، وصف أحد المؤسسين المشاركين لحركة «فلسطين أكشن» موقف روني بأنه شجاع ونابع من التمسك بالمبادئ.
ردود فعل من الصحافة الغربية مؤيدة لروني
ورأت الصحفية البريطانية زوي ويليامز أن الروائية الأيرلندية سالي روني اتخذت موقفًا شجاعًا وإنسانيًا بدعمها للقضية الفلسطينية، حتى لو أدى ذلك إلى سحب كتبها من الأسواق البريطانية، معتبرة أن إصرار روني على مواصلة دعم حركة «فلسطين أكشن» يكشف عن تناقضات قوانين الإرهاب في بريطانيا، ويثير تساؤلات بشأن الطريقة التي تُطبَّق بها هذه التشريعات.
وقالت ويليامز، في مقال نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، إنه يصعب استحضار اسم كاتب معاصر خاطر بالتعرض للاعتقال في المملكة المتحدة بسبب معتقداته السياسية، أو كاتب يمكن أن تُنشر كتبه في أي مكان باستثناء بلده، وأضافت أن روني دخلت هذه الأزمة وهي تدرك عواقب موقفها، إذ أعلنت في يوليو الماضي أن عائدات حقوق نشر كتبها، إلى جانب العائدات الناتجة عن تحويل أعمالها إلى مسلسلات لصالح هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، ستُستخدم لدعم حركة «فلسطين أكشن».
وأوضحت الكاتبة أن شجاعة روني لا تكمن بالضرورة في احتمال سجنها، لا سيما أنها اختارت تجنب المملكة المتحدة، وإنما في إصرارها على اتخاذ موقف من أكثر المواقف تعقيدًا وحساسية في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
وأشارت إلى أن الكتّاب يستطيعون نشر مقالات تؤيد الشعب الفلسطيني أو توقيع بيانات تضامن معه، كما يمكن للممثلين التعبير عن مواقفهم خلال المقابلات، وللموسيقيين إعلانها من فوق المسارح، لكن هذه المواقف قد تترتب عليها عواقب مهنية، سواء تمثلت في الاستبعاد من جولات فنية عالمية أو الحرمان من فرص العمل بعيدًا عن الأضواء.
وأضافت أن مثل هذه المواقف، حتى عندما يُنظر إليها باعتبارها دعمًا ضمنيًا لمنظمة محظورة، لا تعني بالضرورة خرق قوانين الإرهاب بصورة مباشرة، أما روني، فقد تحملت بالفعل خسائر مالية عندما تعهدت بتخصيص عائدات أعمالها لدعم «فلسطين أكشن»، غير أن هذه الخسائر، على الرغم من أهميتها، تظل قابلة للحساب، في حين يصعب حصر الخسائر الناجمة عن تراجع المبيعات وضياع الفرص المهنية نتيجة استبعادها فعليًا من السوق البريطانية.
وأكدت ويليامز أن قيمة موقف روني تتجاوز حسابات المكسب والخسارة المالية، مشيرة إلى أن صوتها الأدبي وأعمالها الروائية يمنحان تدخلها في هذا الملف تأثيرًا خاصًا واتساعًا في نطاق الوصول إلى الجمهور،
ولفتت إلى أن روني لم تكن يومًا كاتبة بعيدة عن السياسة؛ فقد تناولت روايتها «أناس عاديون» التفاوتات الطبقية بحدة، فيما لم تتردد روايتها «محادثات مع الأصدقاء» في طرح تحليلات متأثرة بالفكر الماركسي.
ومع ذلك، أوضحت ويليامز أن أعمال روني تتسم أيضًا بطابع حميمي، وتتناول الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية، وهو ما جعل شخصياتها تبدو قريبة من الناس العاديين. ومن هذه المساحة الأدبية التي تجمع بين الدقة في رصد التفاصيل اليومية والقدرة على مساءلة الواقع، اتخذت روني موقفها الراهن، متحدية الفكرة القائلة إن الاهتمام بما يحدث في غزة خيار لا يتبناه إلا أشخاص يتبنون مواقف سياسية متطرفة أو غير مألوفة.
واعتبرت الكاتبة أن روني تصر، من خلال موقفها، على أن التضامن مع غزة استجابة إنسانية طبيعية، شأنه شأن الصداقة وغيرها من الروابط الإنسانية، وأنه أمر يستحق الاهتمام والالتزام، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره موقفًا هامشيًا أو غريبًا.
انتقادات لقوانين الإرهاب البريطانية
وفي سياق انتقادها لتطبيق تشريعات الإرهاب، قالت ويليامز إن قضية روني تكشف عن عبثية استخدام هذه القوانين في مثل هذه الحالات، مشيرة إلى أنه لا يعتقد أحد أن الروائية تمثل خطرًا على الدولة البريطانية أو أي دولة أخرى. وأضافت أن الأمر نفسه ينطبق على محامية حقوق الإنسان البالغة من العمر 94 عامًا، التي أُلقي القبض عليها بسبب دعمها حركة «فلسطين أكشن»، والتي كانت صديقة لوالدة السياسي البريطاني إد ميليباند الراحلة.
ورأت ويليامز أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي كان يُفترض أن تساعده نزعته إلى الحذر وخلفيته القانونية، وجد نفسه في موقف بالغ التناقض، مشيرة إلى ارتفاع عدد الاعتقالات المرتبطة بالإرهاب من 250 حالة في عام 2024 إلى ما يقرب من 3 آلاف حالة في عام 2025.
وأضافت أن الاحتجاجات التي شهدت اعتقالات على خلفية حظر حركة «فلسطين أكشن» أظهرت، وفقًا للإحصاءات التي تناولتها بعض التقارير، أن عدد المحتجين الذين تجاوزوا الثمانين من العمر كان أكبر من عدد من تقل أعمارهم عن عشرين عامًا، في مؤشر اعتبرته الكاتبة كاشفًا عن طبيعة تطبيق هذه الإجراءات.
جدير بالذكر أن حركة «فلسطين أكشن» هي حركة احتجاجية بريطانية تأسست عام 2020، وهدفها المعلن وقف الدعم العسكري البريطاني لإسرائيل، من خلال استهداف الشركات والمنشآت التي تقول الحركة إنها مرتبطة بصناعة الأسلحة الإسرائيلية أو تسهم في تزويد الجيش الإسرائيلي بالمعدات العسكرية.
وتستهدف الحركة، على وجه الخصوص، شركات مثل «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية، وتستخدم أساليب احتجاج مباشرة تشمل اقتحام المنشآت وإتلاف الممتلكات، وتقول الحركة إن تحركاتها تستهدف الممتلكات وليس الأشخاص، بينما تعتبر الحكومة البريطانية أن بعض أنشطتها تجاوزت الاحتجاج إلى أعمال إرهابية، وهو ما استندت إليه في حظرها رسميًا في يوليو 2025 بموجب قانون الإرهاب.
تضامن أيرلندي ممتد مع فلسطين
وتطرقت ويليامز إلى تقاليد التضامن الأيرلندي مع القضية الفلسطينية، التي عادت إلى الواجهة في أعقاب الجدل الذي أحاط بجولة المغني إد شيران الفنية، بعدما اعتقد الأخير أنه يمكن الاستغناء بهدوء عن إحدى الفرق المشاركة في جولته بسبب أغنية مؤيدة لفلسطين، من دون أن يخسر فرقته الموسيقية المصاحبة «بيوجا»، التي شارك أعضاؤها في تأسيس منظمة «فنانون أيرلنديون من أجل فلسطين».
وأشارت إلى أن أيرلندا تتمتع، على نطاق أوسع، بتقليد حيوي من مشاركة الشابات في القضايا الجيوسياسية، حتى عندما لا تكون لديهن أسباب شخصية أو مهنية تدفعهن إلى التدخل فيهاد وضربت مثالًا بإضراب عمال متاجر «دانز ستورز» عام 1984، الذي اندلع بعدما رفضت ماري مانينج، البالغة من العمر آنذاك 21 عامًا، التعامل مع شحنات من الجريب فروت الجنوب أفريقي احتجاجًا على نظام الفصل العنصري.
وأوضحت أن مانينج حصلت على 21 جنيهًا إسترلينيًا أسبوعيًا بدلًا من أجرها خلال فترة الإضراب، التي استمرت عامين وتسعة أشهر. وبعد أقل من ثلاث سنوات، بلغت الحملة ذروتها السياسية عندما حظرت أيرلندا استيراد السلع الجنوب أفريقية بالكامل احتجاجًا على نظام الفصل العنصري.
وأضافت أنه في عام 1985، التقى مانينج وزملاءها المضربون الناشط الجنوب أفريقي ديزموند توتو، خلال توجهه لتسلّم جائزة نوبل للسلام، ووجه إليهم دعوة لزيارة جنوب أفريقيا. وقد لبّى المضربون الدعوة، لكن سلطات البلاد منعتهم من دخولها عند الحدود.
ورأت ويليامز أن هذه الواقعة تحمل أوجه تشابه مع ما يحدث حاليًا، إذ قد تلجأ الدولة إلى إظهار قوتها من خلال إجراءاتها عند الحدود، لكنها تنتهي إلى كشف مواطن ضعفها بدلًا من إخفائها.
واختتمت الكاتبة بالإشارة إلى أن سالي روني، إلى جانب كونها روائية ذات مكانة أدبية، مواطنة عادية اختارت تحمّل تبعات موقفها السياسي. واعتبرت أن التخلي عن عائدات كتبها، على الرغم من كونه تضحية ملموسة، لا يمثل سوى جزء من الثمن الذي تدفعه، لكنه يظل رمزًا قويًا لتمسكها بموقفها من القضية الفلسطينية.