الكاتب العراقي ضياء جبيلي لـ الشروق: «الرائي» تحكي 4 آلاف عام من التاريخ والكتابة.. وكتبتها في 10 سنوات
آخر تحديث: الأربعاء 17 يونيو 2026 - 6:41 م بتوقيت القاهرة
حوار - إيمان صبري خفاجة
- دامو بطل الرواية يمثل الشخصية العراقية.. فالعراقي رأى ما رأى من الحروب والكوارث ومع ذلك لا يزال موجودا ورغم كل العنف الذي مورس ضده فهو باق
- استلهمت فكرة الرواية من ملحمة جلجامش الشهيرة.. وتأسست الفكرة خلال 10 سنوات ما بين البحث والكتابة
- عدت بالتاريخ إلى عصر الحضارة السومرية ومررت في الرواية على 4000 عام من التاريخ لتوضيح تسلسل الكتابة وما مرت به عبر العصور
- أكتب ما يعرف بالتخييل التاريخي واستدعيت أحداثا وقعت فعلا
- رواية الشخصية الواحدة رواية صعبة حتى بالنسبة لرواية لا تتجاوز صفحاتها 150 صفحة
- كنت أود الوقوف طويلا أمام مرحلة إخناتون من التاريخ المصري القديم فأنا مولع به وأقرأ عنه كثيرا
- روايتي القادمة تتناول فكرة الخلود أيضا لكن من جانب آخر وتدور أحداثها كاملة في مصر بالتحديد في مدينة طيبة
- كان هناك نهاية أخرى للرواية لكن شعرت أنها مفبركة فاخترت النهاية الحالية
عاش دامو، بطل أحداث رواية "الرائي" أحدث أعمال الكاتب العراقي ضياء جبيلي، الصادرة عن دار رشم والتي جاءت ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2026، في الفترة السومرية من التاريخ العراقي العريق، ليكون شاهدا على واحدة من أولى طرق توثيق التاريخ من خلال الكتابة المسمارية، التي وقف أمامها العالم بعد آلاف السنين حابسا أنفاسه أمام دقة الفكرة وعمقها التاريخي.
لكن دامو كانت له مغامرات أخرى، بدأت بولعه بملحمة جلجامش الشهيرة، عن عشبة الخلود التي التهمتها الأفعى، والتي ظل جلجامش يبحث عنها حتى نهايته المؤلمة، ولم يكن أحد، حتى دامو نفسه، يعلم أن الصقر الذي رباه أبوه وجلب عليهم المتاعب، سيأتي بالعشبة إلى دامو في مصادفة قدرية وتاريخية تقلب حياته رأسا على عقب، وتكون بوابة عبور للكاتب لرصد أربعة آلاف عام من تاريخ العالم، يعاصرها دامو ويتنقل بينها دون أن يعرف متى تكون النهاية، ولا كيف يكون الخلاص من عالم تزداد دمويته يوما بعد يوم، رغم يقينه بالفناء. فكيف يكون شكل هذا العالم إذا وجد طريقا إلى الخلود والحياة الأبدية؟
يتحول دامو إلى لسان التاريخ والحضارات المختلفة على وجه الأرض؛ حضارات لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، فقد غرقت الرواية بأحداثها في بحور التاريخ، ولم تعرف طريقا إلى البر، فهل للتاريخ من نهاية؟
لتصبح رواية "الرائي" وثيقة في وجه العالم، تؤكد أن الحضارات الأصيلة هي الباقية، وأن العراقي، رغم المعاناة التاريخية المتلاحقة التي تحاول استنزاف إنسانيته، سيظل باقيا طالما يحمل على أكتافه تاريخا يبهر العالم بصموده، ومع كل قراءة جديدة تزداد الأسئلة حول بناء الرواية وإشكالية تشابكها مع كتب التاريخ، وكيفية اختيار الأحداث وسردها بسلاسة، ونسج الشخصيات التي تصنع الحدث حولها.
في الحوار التالي، الذي جمعنا بالكاتب ضياء جبيلي، والذي لا يفضل الظهور الإعلامي إلا حين يتعلق الأمر بمصر كما أشار قبل بدء الحوار، نناقش فكرة الرواية، ويجيب عن تساؤلات عديدة تفتح الباب لقراءات مختلفة للرواية.
وإلى نص الحوار:
1_ من أين جاءت فكرة الرواية؟ وما مصادر استلهامك لهذه الفكرة؟
في الحقيقة، فكرة الرواية الأولية بدأت قبل 10 سنوات، ثم تبلورت بمرور الزمن حين كنت أبحث عن ثغرة مناسبة أدخل من خلالها إلى الرواية، حتى وجدتها في مثل عراقي يتحدث عن رجل كان يربي صقرا يأتي بالأفاعي والعقارب ويلقيها في داره.
وهنا تأتي رمزية الأفعى والصقر الموجودة في جميع الحضارات القديمة، والبارزة بشكل واضح في الحضارتين المصرية والعراقية، فلا تكاد تكون هناك حضارات أوردت هذه الرموز مثل مصر والعراق. ومن هذا الجانب، وجدت أن هذا المدخل سيوفر للرواية إطارا زمنيا وحقبويا مناسبا، لأن رمزية الأفعى في الحضارة العراقية متعلقة بالدرجة الأولى بملحمة جلجامش، التي سرقت فيها الأفعى عشبة الخلود من جلجامش. وعلى هذا الأساس بنيت الرواية، وأعتقد أن هذه التيمة وجدت نوعا ما متكأ لها من خلال المنحى البنائي والمنحى الفني بالنسبة للغة وباقي أحداث الرواية.
2_ ما سبب عودتك إلى العصر الأكدي والحضارات السومرية، أي إلى الألفية الثانية قبل الميلاد؟
السبب في هذه العودة أنني أردت أن أضع بناء فنيا محكما ومعماريا يليق برواية تاريخية، لذلك استخدمت تطور وتسلسل الكتابة منذ ألواح الطين التي ظهرت في هذه الحضارات مرورا بالرقوق الجلدية وورق البردي، ثم أدوات الكتابة الحديثة.
ما أردت توضيحه هو تسلسل الكتابة منذ فجر الحضارات وما مرت به عبر هذه الحقب من أدوات، فالبناء هو ما حكم علي وأعادني إلى هذه الحقبة، وكان البناء الفني للرواية أحد الأسباب الأساسية التي استدعت استحضار التاريخ.
3_ ذكرت في بداية الحديث أن فكرة الرواية بدأت منذ 10 سنوات، فهل يمكن أن تحدثنا عن هذه المرحلة وكيف تطورت الفكرة خلالها؟
الفكرة تأسست خلال 10 سنوات إلى أن تبلورت وتطورت. وتحديدا أخذت مني الرواية بين البحث والتمحيص في المصادر حوالي ثلاث سنوات، والكتابة نفس الفترة تقريبا.
لكن فترة الكتابة لم تكن مخصصة للكتابة فقط، بل كان هناك بحث وتقصي في المصادر، وهي عملية متعبة جدا ومعقدة، لكنها لا تخلو من متعة حقيقية وجانب معرفي مهم بالنسبة للكاتب، كانت عملية البحث في المصادر واستخلاص الحوادث المهمة منها بالنسبة لي أصعب بكثير من الكتابة، فالكتابة كانت إلى حد ما أسهل من البحث.
4_ كيف استطعت أن تخلق توازنا بين الجانب الخيالي والجانب الحقيقي في رواية تمتد أحداثها عبر فترات تاريخية تصل إلى 4000 عام؟
في الحقيقة هناك شيء في كتابة الرواية التاريخية يسمى عند النقاد "التخييل التاريخي"، وهو يركز على حادثة وقعت بالفعل، فيأخذها الكاتب ويبني وينسج عليها من خياله.
الرواية بطريقة أو بأخرى اتكأت على هذا الأمر؛ فقد استخدمت التخييل التاريخي واستدعيت أحداثا وقعت فعلا، بدءا من أحداث ما بين النهرين، مرورا باستحضار الأساطير التي احتفت بها الحضارات العراقية على مر العصور، فنأخذ حادثة معينة ونبني عليها من تاريخنا ومن خيالنا الخاص.
5_ كيف تعاملت مع إشكالية اختيار لحظات تاريخية محددة داخل رواية تمتد عبر فترات زمنية طويلة جدا، وتتناول أحداثا تاريخية يصعب المفاضلة بينها، خاصة وأن هذه الفترات ساهمت في تشكيل الصورة الراهنة للعالم؟
تيمة الرواية هي التي اضطرتني إلى الاختصار وتقليص الأحداث؛ فرجل شاب وجد نفسه في مأزق الخلود، وهي مأساة كبيرة جدا، فماذا يدون وماذا يوثق؟ وهذه في حد ذاتها كانت محنة واجهتها أنا شخصيًا ككاتب، ودامو كان مثلي تماما، مجبرا على أن يختار حدثا من بين عشرات الأحداث بحكم الزمن والمساحة والعمر الطويل. فإذا أردنا أن نجمع حوادث التاريخ بأكمله، سنحتاج إلى مئة جزء، ومن هذا المنطلق كنت مضطرا إلى اختيار أحداث تاريخية بعينها وتوظيفها، فالرواية كانت في الأساس نحو 1500 صفحة، لكن اضطررت إلى تقليصها حتى وصلت إلى حجمها الحالي.
6_ تواجه الرواية تحديا يتمثل في اعتمادها على بطل أساسي واحد يتجلى ظهوره في السرد مع ظهور رواة آخرين في بعض المقاطع ثم ينتهي دورهم، فما دوافعك وراء هذا الاختيار؟ وهل مثل ذلك صعوبة أثناء العمل على الرواية؟
رواية الشخصية الواحدة رواية صعبة نوعا ما، حتى بالنسبة لرواية لا تتجاوز صفحاتها 150 صفحة. لكن "دامو" بطبيعته شخصية لا تموت، وهناك مساحة واسعة يشعر فيها بأن قصته لا تنتهي فطبيعة الرواية حكمت على الشخصية بأن تكون هي الشخصية الروائية الوحيدة.
وهناك شخصيات كانت وليدة اللحظة، كان لا بد أن تتسلم مهمة السرد الذاتي، لكن هناك شخصية واحدة على الأقل تظهر بين فترة وأخرى، وهي شخصية "خالدة أخرى، يظن دامو أنه أحد أفراد عائلته ثم يكتشف الالتباس.
7_ هناك جهد واضح في ترتيب فصول الرواية وعنونتها بما يتناسب مع الحقبة التاريخية، فهل يمكن أن تحدثنا عن هذا الجهد، وهل كان مخططا مسبقا أم وليد لحظة الكتابة؟
بطبيعتي لا أميل إلى الخطط الروائية، لكن في هذه الرواية تحديدا كانت هناك حاجة ماسة إلى أن تكون هناك خطة محكمة؛ فالرواية هنا أشبه ببناء من الطوب يحتاج إلى عناية بالتسلسل والزمن والأحداث والشخصيات، فرواية تمتد إلى أكثر من 4000 سنة تحتاج إلى مجهود كبير.
8_ إلى أي مدى شكل البحث التاريخي والتدقيق في التفاصيل عبئا على عملية الكتابة داخل الرواية؟
لا بد للروائي وهو يعمل في حقل الرواية التاريخية أن يضع في حسبانه تجنب الأخطاء الموضوعية، ومن هذا الجانب، كنت في بعض الأحيان أقضي فترات طويلة في البحث عن معلومة واحدة فقط لكي أضمنها في سطر أو سطرين داخل الرواية.
9_ لماذا لم تعتمد على اللهجة العراقية في الرواية رغم أن البطل عراقي وأغلب الأحداث تدور في العراق عبر عصور مختلفة؟
اللكنة العراقية تكون مفهومة لغير العراقيين حين نريد نحن العراقيين ذلك، بمعنى أنه إذا استخدمنا اللهجة العراقية التي نتحدث بها فيما بيننا داخل الرواية، فقد يسبب ذلك مشكلة في الفهم، ومن هذا المنطلق كانت اللهجة المصرية خيارا مناسبا، خاصة أن الجميع يفهمها، وليس هناك مانع من استخدام اللهجة العراقية في الرواية، لكني لا أتذكر أنني في يوم من الأيام ضمنت اللهجة العراقية في رواياتي إلا عند الاضطرار، خشية ألا يفهمها القارئ العربي.
10_ كيف استطعت الحفاظ على ثبات الصورة البدائية لشخصية "دامو" في ذهن القارئ رغم مروره عبر عصور مختلفة وتغير مظهره تبعا لذلك، وفي الوقت نفسه الحفاظ على حضور أسرته في ذاكرته بصورتهم الأولى التي يستحضرها القارئ بسهولة، رغم مرور آلاف السنين على رحيلهم؟
لم أرد لشخصية دامو أن تكون كما يقال "مقطوعة من شجرة"، كان لا بد أن تكون له عائلة، والسبب الرئيسي في توظيف المنحى العائلي في رواية "الرائي" هو توضيح العادات والتقاليد الاجتماعية للقارىء والتي كانت سائدة في ذلك الزمان، في الحضارات الأكدية والآشورية والسومرية.
كما أردت من خلال هذا الجانب أن أوضح كيف كان يعيش الإنسان العراقي في ذلك الزمن، وكانت مهمة صعبة ومعقدة أن تفهم كيف كان يعيش إنسان قبل 4000 سنة.
11_ على الرغم من مرور "دامو" بالعديد من المحن ومعايشته أحداثا كثيرة، فإن شخصيته تتسم بحسن النية، ويتضح ذلك من خلال المشكلات التي كان يتورط فيها، كيف تفسر هذا الجانب من شخصيته؟
دامو في النهاية إنسان، وربما يمثل كفة الخير والجانب الأخلاقي للإنسان في هذه الرواية، فهو لا يريد لهذه الحياة أن تنتهي بهذا الشكل، ويعتبر الخلود داء وليس نعمة، لكن ليس بشكل مثالي مفرط؛ فهو إنسان له هفواته ويرتكب الكثير من الأخطاء، وربما هناك إسقاط على الشخصية العراقية؛ فالعراقي رأى ما رأى من الحروب والكوارث، ومع ذلك لا يزال موجودا، ورغم كل العنف الذي مورس ضده فهو باق.
12_ هل يمكن القول إن "دامو" هو مقارنة غير مباشرة بين الحداثة والبدائية، خاصة في ضوء موقفه من الجزيرة التي رفض التطور فيها وكأن تطورها بداية لنهايتها؟
هذا صحيح، فليس كل ما هو بدائي متخلف بالضرورة. فقد عاصر دامو الكثير من الأحداث التي كانت سببا في دمار المدن، وقد عاش معاناة أن يكون الإنسان مسلطا على أخيه الإنسان. فالحضارة لها مساوئ مثلما لها منافع، وكان يخشى من الجانب التدميري للحضارة الحديثة، ولم يكن هذا موقفا سلبيا من التحضر، بل هو قراءة لأحد وجوهها.
13_ هل كان "دامو" يخشى بالفعل على العالم من داء الخلود، أم كان يسعى لأن ينفرد هو وحده بهذا الامتياز؟
الجانب الأخلاقي والإنساني كان غالبا على شخصية دامو؛ كان يخشى ويتأمل: ماذا لو خلد الناس، ماذا سيحدث؟ وكيف سيكون شكل الحروب؟ فالحروب تصل إلى مرحلة من الدموية والوحشية، والناس يدركون أنهم سيموتون، فكيف الحال حين تصبح هناك حياة أبدية؟ كان تفكير دامو تفكيرا واعيا، لا يريد للحياة أن تموت بالأبدية، لأنه يعتبر الخلود وباء أخطر من القنابل النووية.
14_ لماذا كان "دامو" مولعا بالبحث عن الألواح الطينية التي كتبها في العصر الأول بالرغم من أنه كتب الكثير من الوثائق عبر الأزمنة المختلفة؟
حين فقد دامو سفر الطين، أحس أنه فقد جزءا من التاريخ. فقد كان يعرف أن ما ينقش على ألواح الطين سيبقى لفترات طويلة، لذلك لم يبحث عن الجلود أو أوراق البردي أو الورق العادي، بل بحث عن سفر الطين فقط لأنه يدوم ويصمد.
15_ الشخصية المعتدية داخل الرواية، والتي تمثل إشكالية كبيرة في حياة "دامو"، كثيرا ما تتخفى خلف عباءة الدين وكأنه القناع المناسب لها، كيف تفسر هذا البعد في الشخصية؟
لو راجعنا التاريخ، من قبل الأديان وحتى زمن السحر، نجد دائما أناسا متخصصين في مجالات معينة ومهيمنين على الفكر الإنساني، ثم جاء الدين وتعددت الأديان.
فشخصية "سوشن" في الأصل بدأت ككاهن، وهذه الشخصية لم تستطع أن تتخلى عن هذا الدور أو "الجلد" الذي اعتادته. لكن مع مرور الوقت شعرت أن الأمر قد يكون كذبة، ومع ذلك استمرت فيه لتؤدي دورا معينا، لأنها كانت تشعر بالخطر في وجود دامو.
16_ ترصد الرواية قدرة بعض الحضارات، خاصة الحضارة العراقية القديمة على الصمود رغم ما تمر به من أزمات، وكأن تاريخها يحمل ما يشير إلى أن هذه المآزق إلى زوال، كيف ترى ذلك؟
دائما الحضارات العظيمة تمر بفترات مظلمة بعد أن كانت في قمة التمدن والتطور، فعلى سبيل المثال، الحضارة الأكدية استمرت لأكثر من 120 سنة، وبعد انتهاء العصر الأكدي عاشت بلاد ما بين النهرين فترة مظلمة، حتى استعادت بعض السلالات السومرية زمام الأمور وسيطرت على بعض الدويلات هناك.
وكذلك الحضارة البابلية، وما مرت به من فترة جمود في عهد الكيشيين، لكن في النهاية دائما ما تكون هناك نهاية لهذه الفترات، وعودة إلى حضارة أكثر تقدمًا.
17_ وفي ضوء أحداث الرواية وما أجريته من بحث طويل، ما السر الحقيقي خلف صمود تلك الحضارات ودليل أصالتها؟
هناك حضارات أبيدت ولم يبق منها سوى التاريخ، مثل الحضارة العيلانية والكثير من الأقوام والحضارات الأخرى، لكنها ليست حضارات كاتبة أو مهتمة بالتدوين مثل الحضارتين المصرية والعراقية، وهذا جانب توضحه الرواية.
ويمكن ملاحظة أن الحضارات القديمة كانت أكثر صلابة من ناحية التدوين من الحضارات اللاحقة، بدليل وجود عشرات الآلاف من الألواح الطينية التي سجلت المعارك والأخبار ووصفات الطعام، وكذلك الآثار المصرية التي لا أعتقد أن هناك بقعة واحدة على وجه الأرض تحتوي على آثار خالدة مثلما نراها في مصر.
18_ هل يمكن القول إن بساطة أو "بدائية" وصعوبة طرق التدوين في الحضارات القديمة كانت سببا في حمايتها واستمرارها حتى اليوم؟
هذا صحيح، كأن بدائية الحضارة واعتمادها على الكتابة على الصخور كان سر بقائها، وهي بالإضافة إلى ذلك حضارات ذكية ومبتكرة، ولو كانت عقلية الحضارات القديمة موجودة حاليا لاختلف الأمر.
فاليوم يمكن أن نكتب رواية واحدة على جهاز الحاسوب، وبضغطة واحدة قد يضيع كل شيء، بينما صمدت ملحمة جلجامش لخمسة آلاف عام، فماذا كان سيبقى من الحضارة المصرية لو لم تنقش على الجدران؟ لو كانت وسائل التدوين مختلفة، ربما لم يكن ليبقى شيء.
19_ دامو شخصية عراقية، وكان من الممكن أن تظل الأحداث محصورة داخل العراق، فلماذا اخترت إخراجه للتجول بين حضارات أخرى؟
لم أرد للقارئ أن يشعر بالملل، وهذا جانب مهم فكرت فيه وقررته قبل كتابة الرواية، ومن جانب آخر، هناك حضارات لا يمكن المرور بها مرور الكرام أو استثناؤها في رواية تاريخية عن الحضارة، مثل الحضارة الرومانية والإغريقية وبقية الحضارات.
لكن العراق ظل حاضرا داخل دامو أثناء جولته الطويلة؛ ففي روما كانت بلاد الرافدين حاضرة من خلال ملحمة جلجامش، وحين أراد أن يعمل في المسرح وظف هذه الملحمة، فهو لم ينفصل عن الحضارة الرافدية، وفي الغربة كان يحن ويشتاق ويمني نفسه بالعودة، آجلا أو عاجلا.
20_ هل كان الهدف من هذه الجولة رصد تأثير الثقافات الأخرى على عالمه الشرقي؟
نعم، ويرصد أيضا التأثير المعاكس، أي تأثيرنا على العالم، مثل ما حدث في العصر العباسي وتأثيره على الركن الغربي بالإصافة إلى حضارة الأندلس.
21_ حين تصدر رواية تاريخية، تبدأ المقارنات بينها وبين كتب التاريخ في الظهور، مع التساؤل عما تقدمه الرواية للتاريخ، فكيف تتعامل مع هذا الأمر؟
كما أشرت في بداية الحديث، هناك تقنية تسمى "التخييل التاريخي"، فالتاريخ غالبا ما يذكر الملوك والقادة والأعيان، ولا يذكر السكان العاديين، وهذا ما يحتاج إلى تخييل وبناء شخصيات من الجذور، وهو مجهود كبير لبناء شخصيات ليست هامشية، لكنها لم يذكرها التاريخ. وهذه هي مهمة التخييل التاريخي، إذ تصبح هذه الشخصيات خيوطا تنسج حول الشخصيات والأحداث الرئيسية والحدث الأكبر.
فكيف يمكن أن تتم المقارنة؟ الروائي بطبيعته، وكونه يكتب رواية تاريخية، يقدم للقارئ شخصيات لم يرها ولم يعرفها ولم يقرأ عنها. ومن المستحسن أن يكون القارئ ممتنا للروائي، لأنه أوجد له هذه الشخصيات التي لم يتطرق إليها مؤرخ أو شاعر أو ملحمة، فعلى سبيل المثال، دامو شخصية عادية بلا موهبة، لكن ما حدث له كان من قبيل الصدفة.
22_ ما هي المرحلة التاريخية التي شعرت أنك لم تقف أمامها طويلا داخل رواية "الرائي"، وربما تود العودة إليها في عمل روائي منفصل؟
هذه محنة؛ فأنا أكتب رواية تاريخية، إن جاز التعبير، أو فانتازيا تاريخية، وقد شعرت عند كتابتي لرواية "الرائي" أن الحقبة التاريخية والحضارة التي لم تأخذ حيزا كبيرا كانت في مصر، فقد تطرقت إلى فترة إخناتون، لكن كنت بحاجة إلى التوسع أكثر، وهذا أعتبره جزءا ثانيا من رواية "الرائي"، رغم أنه لا يرتبط مباشرة بموضوعها.
والرابط يكمن في المعنى المشترك وهو الخلود في كل الأحوال، لكن الشخصيات مختلفة، والرواية في مجملها مخصصة لمصر، وتحديدا طيبة، فأنا مغرم جدا بإخناتون وعصره، وقد قرأت وأقرأ كثيرا عنه. ولكي أوضح أكثر، فأنا أتحدث أيضا عن ارتباط التاريخ بتاريخ الطعام.
23_ يجبرك العنوان أثناء قراءة الرواية أن تعود إليه من وقت لآخر لكونه مباشرا وواضحا، هل كان هذا هو العنوان الأساسي للعمل، أم كانت هناك اختيارات أخرى قبل الاستقرار عليه؟
لا أتذكر أنني اخترت عنوانا لرواية وثبته في مكان ما؛ فالعناوين دائما تتغير. في رواية "الرائي" كان العنوان في البداية "4000 عام من العزلة"، حيث إنه يعكس فكرة أن دامو يعتبر نفسه معزولا عن العالم بطريقة أو بأخرى؛ معزولا عن الناس.
لكن عندما نشرت العنوان على مواقع التواصل الاجتماعي كان المردود سلبيا، واعتبر أنه تقليد، رغم أن الموضوع لا علاقة له برواية ماركيز، وإنما هو مجرد انزياح لفظي، ومن هذا المنطلق أخذت بنصيحة القراء، خاصة أن العنوان كان طويلا وفيه إحالة غير مقصودة، فتخليت عنه واخترت "الرائي"، وهذا العنوان يأخذ أكثر من معنى فـ“الرائي” هو الناظر الذي يرى الأشياء، والمتنبه الذي لديه دائما نظرة استراتيجية عميقة، إلى جانب معان أخرى، لكن المعنى السائد هو أنه من يرى الأشياء على غير ما تبدو عليه، بل على حقيقتها من منظور فلسفي وجودي.
24_ إذا أنت تتابع آراء القراء، إلى أي مدى تهتم بآراء القراء تجاه أعمالك الأدبية؟ وهل يمكن أن تؤثر هذه الآراء في شكل الرواية أو محتواها؟
آراء القراء مهمة بالنسبة لي، وأستفيد منها كثيرا. فهناك عناوين، بل وأحداث آخذ فيها آراء الأصدقاء؛ لدي أصدقاء يقرأون أعمالي قبل طباعتها، والمقترحات التي يقدمونها آخذها على محمل الجد، وقد تصل أحيانا إلى تغيير أحداث وتيمة وشخصيات.
25_ لماذا اخترت أن تنتهي الرواية عند هذه الحقبة بالتحديد؟ وهل كانت النهاية مخططة مسبقا أم أن الأحداث هي التي فرضتها؟
عادة الروايات الطويلة بالنسبة لي تحتاج إلى نهاية مفتوحة، بحكم حجم الرواية وسعة الموضوع وعمق التيمة؛ هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، دامو لا يموت، فإلى متى وإلى أي زمن يمكن أن يستمر في رواية القصص؟ ومن هنا جاءت نهاية الرواية بهذا الشكل.
لكن في الأصل كانت هناك نهاية مختلفة؛ ليست مختلفة تماما، لكنها كانت تتضمن أن القسم الأخير يتناول الكتابة بواسطة الحاسوب، حيث يستمر دامو في الكتابة ثم ينقطع التيار، وعندما يعود تكون هناك ملاحظة تفيد بأن الملف معطوب، فالحاسوب قد تتلف فيه الملفات ببساطة، وبالتالي كان الملف الأخير قد تعرض للتلف، وكانت النهاية بكلمتين: "الملف معطوب"، لكنني في النهاية لم أقتنع بهذه النهاية، وشعرت بأنها مفبركة، فاخترت النهاية المفتوحة.