تصريحات فانس تجاه إسرائيل.. هل تتسع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب؟

آخر تحديث: الجمعة 17 يوليه 2026 - 5:18 م بتوقيت القاهرة

رام الله - الأناضول

أعادت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، التي اتهم فيها مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على السياسة الأمريكية تجاه إيران، فتح باب التساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو، وما إذا كانت تعكس بداية تحول في الموقف الأمريكي من إسرائيل، أم أنها مجرد خلافات تكتيكية لا تمس جوهر التحالف الاستراتيجي بين البلدين.

والخميس، قال فانس، في تصريحات صحفية، إن بعض المسؤولين الإسرائيليين سعوا إلى التأثير على الرأي العام الأمريكي لإفشال المسار الدبلوماسي مع إيران، مؤكدا أن السياسة الخارجية الأمريكية يجب أن تُصاغ في واشنطن، وأن منع إيران من امتلاك سلاح نووي لا يعني بالضرورة الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط.

وتأتي هذه التصريحات وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وتل أبيب على خلفية التفاهمات الأمريكية مع إيران، إذ وقع الطرفان في 18 يونيو الماضي، مذكرة تفاهم تضمنت وقفا لإطلاق النار، وبدء مفاوضات بوساطة باكستان وقطر لإنهاء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير الماضي.

غير أن ترامب أعلن، في 8 يوليو الجاري، انتهاء وقف إطلاق النار على خلفية تجدد التصعيد، بعدما هاجمت إيران، قبل ذلك بيوم، ثلاث سفن أثناء عبورها مضيق هرمز، بدعوى عدم التزامها بمسار الإبحار الذي حددته، لترد واشنطن بشن هجمات على مواقع داخل إيران.

ويرى محللون سياسيون فلسطينيون، في أحاديث منفصلة للأناضول، أن تصريحات فانس تكشف تباينات متزايدة بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، لكنها لا تؤشر حتى الآن إلى قطيعة، بل إلى مرحلة قد تشهد إعادة صياغة تدريجية للعلاقة إذا استمرت تل أبيب في سياساتها الحالية.

* خلاف لا قطيعة

ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي خلدون البرغوثي أن تصريحات فانس لا تمثل تحولا مفاجئا في مواقفه، وإنما تنسجم مع نهجه المعلن منذ أشهر، والقائم على رفض انخراط الولايات المتحدة في حروب جديدة، وتقليص تدخلها العسكري في الخارج، وهو ما يتعارض مع الرؤية الإسرائيلية التي اعتادت، بحسب وصفه، على دفع واشنطن إلى خوض صراعات تخدم مصالحها في المنطقة.

ويقول البرغوثي إن مواقف فانس المنتقدة للحكومة الإسرائيلية أثارت قلقا في تل أبيب، خاصة مع تصاعد الحديث عن احتمال ترشحه للرئاسة بعد انتهاء ولاية ترامب، إذ ترى إسرائيل أن وصول رئيس جمهوري يتبنى سياسة الحد من التدخلات العسكرية الأمريكية قد لا يخدم مصالحها، في وقت يشهد فيه الحزب الديمقراطي بدوره تزايدا في الأصوات المنتقدة لإسرائيل.

ويضيف أن هذه المخاوف قد تفسر ما وصفه ببداية حملة إسرائيلية مبكرة تستهدف فانس سياسيا، لمنع تحوله إلى المرشح الجمهوري الأبرز، لأن وصوله إلى البيت الأبيض قد يعني تراجعا في استعداد الولايات المتحدة لخوض صراعات إقليمية دفاعا عن إسرائيل.

ومع ذلك، يؤكد البرغوثي أن هذه التباينات لا تعني وجود قطيعة بين إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية، مشددا على أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تزال الأقرب إلى المواقف الإسرائيلية مقارنة بسابقاتها، وأن جوهر العلاقة الاستراتيجية بين البلدين لم يتغير.

ويرى أن طبيعة العلاقة ستظل مرتبطة إلى حد كبير بقرارات الرئيس ترامب، الذي ينتقل أحيانا بين تبني مواقف نتنياهو، ولاسيما تجاه إيران، وبين ممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية عندما يرى أن المصالح الأمريكية تتطلب ذلك، مستشهدا بالضغوط الأمريكية الأخيرة لدفع إسرائيل إلى الانسحاب من جنوب لبنان والتركيز على الملف الإيراني.

كما لا يستبعد البرغوثي اتساع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل، إذا تعارضت الحسابات السياسية لنتنياهو مع رغبة الإدارة الأمريكية في العودة إلى التفاهمات مع إيران، معتبرا أن هذا التعارض قد يقود إلى احتكاك سياسي غير مسبوق بين الجانبين.

* تآكل الدعم التقليدي

ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور أن تصريحات فانس لا يمكن فصلها عن التحولات التي طرأت على العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن المشكلة لا تكمن في تصريحاته بحد ذاتها، وإنما في السياسات التي انتهجها نتنياهو، والتي وسعت الفجوة مع قطاعات واسعة داخل الولايات المتحدة.

ويقول منصور إن نتنياهو سعى إلى توظيف العلاقة مع واشنطن لخدمة مصالحه السياسية والشخصية، الأمر الذي ولّد حالة من النفور داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، في وقت يتزايد فيه داخل إسرائيل الإدراك بأن فانس قد يكون المرشح الجمهوري الأبرز لخلافة ترامب، ما أثار القلق لاختلاف مواقفه عن النهج التقليدي الذي اعتادت عليه الحكومات الإسرائيلية.

ويشير إلى أن القلق من مستقبل العلاقة مع واشنطن لم يعد مقتصرا على الأوساط السياسية، بل يمتد إلى مراكز الأبحاث والمسؤولين الأمنيين السابقين، الذين يتحدثون بصورة متزايدة عن الأضرار التي ألحقها نتنياهو بالعلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

ويعتبر منصور أن أبرز هذه الأضرار تمثل في كسر الإجماع التقليدي داخل الولايات المتحدة بشأن دعم إسرائيل، بعدما أدى انحياز نتنياهو الواضح للحزب الجمهوري إلى تراجع التأييد داخل الحزب الديمقراطي، وهو ما أضعف أحد أهم مصادر القوة السياسية لإسرائيل في واشنطن.

ويضيف أن استمرار الحرب في غزة وغياب أي أفق سياسي، إلى جانب خطاب الحكومة الإسرائيلية، أسهم في تراجع صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي، وهو تحول لم يعد يقتصر على الأحزاب والنخب السياسية، بل امتد إلى تيارات كانت تقليديا أكثر قربا من إسرائيل.

ويخلص إلى أن إسرائيل تواجه تحديا استراتيجيا يتمثل في تآكل قاعدة الدعم التقليدية داخل الولايات المتحدة، ما يفرض على أي قيادة إسرائيلية مقبلة إعادة بناء العلاقة مع الحزبين الجمهوري والديمقراطي للحفاظ على مكانة إسرائيل في السياسة الأمريكية.

* بداية تحول تدريجي

أما مدير مركز يبوس للدراسات سليمان بشارات، فيرى أن تصريحات فانس تمثل مؤشرا على بداية تحول تدريجي في النظرة الأمريكية إلى إسرائيل، سواء على مستوى الرأي العام أو النخب السياسية وصناع القرار.

ويقول إن هذا التحول نتج عن تراكمات سياسية وميدانية، أبرزها إخفاق إسرائيل، برأيه، في تحقيق أهدافها المعلنة في غزة ولبنان وإيران، الأمر الذي جعل استمرار هذه الجبهات المفتوحة يمثل معضلة أمام السياسة الأمريكية والغربية، التي باتت تجد نفسها أمام أزمات متراكمة يصعب احتواؤها.

ومنذ أكتوبر 2023، شنت إسرائيل حروبا على جبهات غزة ولبنان وإيران، إضافة إلى عمليات عسكرية في الضفة الغربية وسوريا واليمن.

ويضيف بشارات أن القناعة تتزايد داخل الولايات المتحدة بأن السياسات الإسرائيلية تحولت من أداة لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط إلى عبء عليها، في ظل صعوبة متزايدة تواجهها واشنطن في تبرير ممارسات الحكومة الإسرائيلية، وما يرافقها من اتهامات متكررة بانتهاك القانون الدولي.

ويرى أن هذا الواقع ينعكس أيضا على حسابات السياسة الداخلية الأمريكية، إذ بات الرأي العام أكثر حساسية تجاه استمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل، وهو ما يدركه فانس، الذي يسعى، بحسب تقديره، إلى رسم مسافة سياسية بينه وبين حكومة نتنياهو استعدادا لأي استحقاق رئاسي مستقبلي، دون التخلي عن التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل.

ويؤكد بشارات أن الحديث عن تحول في الموقف الأمريكي لا يزال في بداياته، وأن الفجوة بين واشنطن وتل أبيب لم تصل بعد إلى مستوى إعادة صياغة العلاقة بين البلدين، لكنها مرشحة للاتساع إذا استمرت إسرائيل في سياساتها الحالية.

وخلص إلى أن تل أبيب لم تعد قادرة على إقناع حلفائها الغربيين بأنها الطرف القادر على حماية المصالح الغربية في المنطقة، بل باتت تُنظر إليها، بصورة متزايدة، باعتبارها مصدر إرباك لتلك المصالح، وهو ما يمنح تصريحات فانس أهمية تتجاوز كونها موقفا شخصيا، لتصبح مؤشرا على نقاش أوسع داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل العلاقة مع إسرائيل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved