رشا عدلي في حوارها لـ الشروق: «الوصول المقطوع» محاولة لإعادة فرقة العمال المصرية إلى الوعي العام بوصفهم بشرا لا أرقاما
آخر تحديث: الجمعة 17 يوليه 2026 - 9:47 م بتوقيت القاهرة
شيماء شناوى
- «يا عزيز عينى.. وأنا نفسى أروح بلدى» لم تكن مجرد أغنية يرددها أفراد فرقة العمال.. بل كانت صوت الحنين إلى
الوطن
- الأدب لا ينافس التاريخ لكنه يضىء ما تعجز الوثيقة عن قوله
ـ الرواية لا تكتفى باستعادة الماضى وإنما تحاوره وتطرح من خلاله أسئلة معاصرة حول السلطة والعدالة والإنسان
ـ الكتابة عن الفقد والرحيل وانتظار الموت بعيدًا عن الوطن كانت التحدى الأكبر فى كتابة الرواية
ـ «فرقة العمال» ليست حكاية رجال الحرب فقط.. بل أيضًا نساء خضن معركة الصبر والانتظار
فى روايتها «الوصول المقطوع»، الصادرة حديثا عن دار الشروق، تعيد الكاتبة رشا عدلى فتح واحدة من أكثر الصفحات إهمالًا فى التاريخ المصرى؛ قصة فرقة العمال المصرية التى أُرسلت للعمل مع الجيش البريطانى خلال الحرب العالمية الأولى، فى تجربة ظلت لسنوات طويلة حبيسة الوثائق والدراسات التاريخية. لكن الرواية لا تنشغل بإعادة سرد الوقائع بقدر ما تمنح وجوهًا وأسماء ومشاعر لأولئك الذين غابوا عن الذاكرة، لتصبح حكاية عن الإنسان قبل أن تكون حكاية عن الحرب.
فى حوارها مع «الشروق» تتحدث رشا عدلى عن سنوات البحث فى الوثائق والأرشيفات، وكيف تحولت الوقائع التاريخية إلى عمل روائى، وتتوقف أيضًا عند العلاقة بين الحقيقة والخيال، كما تتحدث عن التحديات التى واجهتها فى كتابة مشاهد الفقد والرحيل، وعن رؤيتها لدور الرواية فى استعادة الذاكرة الإنسانية، وإعادة أصوات المنسيين إلى الواجهة، ليس باعتبارهم أرقامًا فى سجلات الحرب، بل بشرًا عاشوا وحلموا وتألموا، وما زالت حكاياتهم تستحق أن تُروى.
* كيف بدأت فكرة رواية «الوصول المقطوع»؟ وما اللحظة التى قادتكِ إلى فكرة تحويل ملف فرقة العمال المصرية إلى عمل روائى؟
ـ لم تأتِ فكرة «الوصول المقطوع» من رغبة فى كتابة رواية تاريخية بقدر ما جاءت من دهشة أمام صفحة كاملة من تاريخنا لم تكن حاضرة فى وعيى من قبل. أثناء قراءاتى وقعت على إشارات إلى فرقة العمال المصرية التى جُنِّد أفرادها خلال الحرب العالمية الأولى للعمل مع قوات الحلفاء، فشعرت أننى أمام حكاية أكبر بكثير مما ترويه السطور القليلة فى المراجع.
منذ تلك اللحظة بدأت رحلة بحث طويلة فى الوثائق والأرشيفات والمراجع العربية والأجنبية، ولم يكن هدفى جمع المعلومات فقط، بل محاولة الاقتراب من العالم الذى عاش فيه هؤلاء الرجال: كيف اقتُلعوا من قراهم؟ ماذا شعروا وهم يغادرون بلادهم؟ وكيف عاشوا تجربة الحرب بعيدًا عن أن يكونوا جنودًا يحملون السلاح؟
مع مرور الوقت أدركت أن الوثائق، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تنقل الخوف والحنين والفقد والأمل. كانت تمنحنى الوقائع، لكنها تترك مساحات واسعة من الصمت. هنا بدأ دور الرواية؛ فالأدب لا ينافس التاريخ، بل يضىء ما تعجز الوثيقة عن قوله، ويمنح الإنسان الذى اختفى خلف الأرقام والملفات اسمه وصوته وحياته.
عندها فقط شعرت أن هذه القصة لا ينبغى أن تبقى حبيسة الأرشيف، وأن مكانها الطبيعى هو الرواية، لأنها الأقدر على إعادة هؤلاء العمال إلى الذاكرة الإنسانية، لا بوصفهم أرقامًا فى سجل الحرب، وإنما بوصفهم بشرًا كانت لهم أحلام وعائلات وحياة تغيّرت إلى الأبد.

الكاتبة رشا عدلي
* ما أصعب ما واجهتِه خلال رحلة الوصول إلى الوثائق المتعلقة بالفرقة؟ وما الوقت الذى استغرقتِه فى جمعها؟
ـ استغرقت رحلة البحث والكتابة عدة سنوات، وكان التحدى الأكبر أن أطلع على أكبر قدر من الوثائق سواء المقروءة أو المرئية؛ كنت أقرأ كل ما دُوِّن عنهم فى كتب ومقالات ومواقع أكاديمية، حتى تعليقات الأشخاص المرتبطين بشكل أو بآخر بهذه التجارب كنت أقرأها. والأهم من ذلك كنت أقرأ أيضًا بين السطور، ففى أعمالى يهمنى كتابة ما لم يُعلن عنه.
* ما أكثر معلومة صدمتكِ أو أثرت فيكِ خلال الاطلاع على الوثائق؟ وكيف تعاملتِ مع التوازن بين الحقائق التاريخية ومتطلبات التشويق الروائى؟
ـ لا أستطيع أن أحدد معلومة واحدة بعينها، لأن ما صدمنى حقًا كان حجم المأساة الإنسانية التى تكشفت لى تدريجيًا مع كل وثيقة جديدة. أدركت أن آلاف المصريين عاشوا تجربة قاسية تركت أثرًا عميقًا فى حياتهم، ومع ذلك بقيت قصتهم بعيدة عن الوعى العام لعقود طويلة.
وخلال كتابتى للرواية، أتيحت لى فرصة مهمة عندما أقمت فى فرنسا عدة أشهر، حيث كنت أعمل فى الوقت نفسه على مشروع بحثى أكاديمى وفنى كبير، بدعم من مؤسسات ومتاحف فنية عالمية، وشارك فيه عدد كبير من الباحثين ومؤرخى الفن من مختلف أنحاء العالم. وقد منحنى ذلك فرصة ثمينة للتوسع فى البحث، والاطلاع على مصادر إضافية، وزيارة مكتبات وأرشيفات مهمة، من بينها المكتبة الوطنية والجامعية فى ستراسبورج، والمكتبة الوطنية الفرنسية فى باريس، وهو ما أتاح لى الوصول إلى مراجع ووثائق ساعدتنى على تعميق فهمى لهذه المرحلة التاريخية من زوايا متعددة.
أما التوازن بين الحقيقة التاريخية والخيال الروائى، فكان بالنسبة لى قائمًا على مبدأ واضح كما فى جميع أعمالى؛ الوقائع التاريخية لا يجوز العبث بها، لأنها تمثل ذاكرة حقيقية، لكن الرواية ليست إعادة كتابة للوثيقة، بل محاولة لإحياء الإنسان المختبئ داخلها. الوثيقة تخبرنا بما حدث، أما الأدب فيحاول أن يقترب مما شعر به البشر وهم يعيشون تلك الأحداث، ولذلك كان الخيال هو الجسر الذى منح تلك الوقائع نبضها الإنسانى، دون أن يفقدها صدقها التاريخى.
* الرواية تعيد الاعتبار لفئة مهمشة غابت عن كتب التاريخ.. هل شعرتِ أنكِ تؤدين دورًا توثيقيًا إلى جانب دوركِ كروائية؟
ـ أعتبر أن مهمة الروائى ليست كتابة التاريخ، وإنما هى إعادة الإنسان إلى قلب التاريخ. لم أسعَ إلى كتابة كتاب توثيقى، لكننى شعرت بمسئولية أخلاقية تجاه هذه الذاكرة المنسية، لذلك كان احترام الوثيقة جزءًا أساسيًا من عملية الكتابة، بينما ظل الأدب هو الوسيلة التى تمنح تلك الوقائع بعدها الإنسانى، فلم أكتب فقط عن أحداث تاريخية لكنى كتبت عن أثر هذه الأحداث فى المجتمع، وعن الموت والفقد والفقر.
* لماذا اخترتِ شخصية «ثابت هارون» لتكون محورًا للسرد؟ وأين يبدأ الخيال فى تشكيلها؟
ـ ربما لأنه العامل الوحيد الذى له شاهد قبر باسمه (ثابت هارون)، وكان ذلك الاكتشاف مؤثرًا بالنسبة لى. الاسم الذى نجا من النسيان بدا كأنه يطلب أن تُروى حكايته، لذلك رسمت له شخصية تخيلية من واقع المعلومات البسيطة جدًا المتاحة عنه. فى الرواية ثابت يتطوع للانضمام للفرقة ولم يُؤخذ بالإجبار، ولكن حتى هذا التطوع كان مكرهًا عليه؛ فالسلطة وقتها استطاعت أن تغوى بعض العمال براتب كبير سوف يحصلون عليه مستغلة فقرهم.
أردت أن أعبر عن طرق مختلفة للانضمام للفرقة، فبجانب الإجبار كان هناك الهروب من الفقر أو الثأر مثلما فى حالة سند. لكن ثابت فى الرواية ليس إعادة بناء لسيرة شخص واحد، بل هو شخصية روائية تمثل آلاف العمال الذين لم يبقَ من حياتهم سوى آثار متناثرة فى الوثائق.
* يحمل عنوان «الوصول المقطوع» دلالات متعددة، ماذا يمثل بالنسبة لكِ؟
ـ العنوان بالنسبة لى يحمل أكثر من معنى؛ فهو يشير إلى رحلة انقطعت، ورسائل لم تصل، وأحلام توقفت، كما يشير إلى انقطاع الذاكرة نفسها بين الماضى والحاضر. وفى التاريخ هذا المصطلح يعنى الجنود أو العمال الذين وصلوا ولم يُستدل على أوراقهم الرسمية فأصبح وصولهم كأنه لم يكن، والرواية هى محاولة لإعادة وصل ما انقطع، ليس فقط فى التاريخ، بل فى وعينا أيضًا.
* لماذا اخترتِ البناء السردى الذى يجمع بين الماضى والحاضر؟
ـ أستعمل هذه التقنية فى معظم أعمالى، لا أستطيع أن أكتب فى الماضى فقط ربما لأننى لا أؤمن بأن الماضى انتهى، نحن نحمل أثره فى حاضرنا باستمرار، ولكن فى هذا العمل بالذات الانتقال بين الزمنين لم يكن حيلة فنية أكثر من كونة ضرورة سردية تؤكد أن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدالة والذاكرة والهوية لا تنتمى إلى زمن واحد.
* هل كان هدفكِ الأساسى كشف جانب مجهول من التاريخ أم طرح أسئلة معاصرة؟
ـ الأمران معًا. أردت أن أضىء صفحة تاريخية غابت طويلًا، لكننى كنت معنية أيضًا بما تقوله هذه الصفحة لعالمنا اليوم. فالرواية لا تكتفى باستعادة الماضى، وإنما تحاوره وتطرح من خلاله أسئلة معاصرة حول السلطة والعدالة والإنسان، ومطالِبة أيضًا بحقوق هؤلاء الرجال؛ فمؤخرًا وجدنا كيف فُتحت ملفات ما تعرض له اليهود على يد النازية وحصلوا على حقوق مادية واعتذار رسمى، وأبسط حقوقهم أن الشعب المصرى يعرف قصتهم ويعلم الظلم الذى وقع عليهم.
* هل تمثل شخصيات ليلى وكريم وشيرين ومازن جسرًا بين الماضى والحاضر؟
ـ بالتأكيد. هذه الشخصيات لا تعيش فى هامش الحكاية، بل تحمل أسئلة الحاضر وهى تبحث فى الماضى. إنها تعيش مشكلات عصرنا وتعبر عن هواجسه، لكن رحلتها فى البحث عن فرقة العمال المصرية تتحول تدريجيًا إلى رحلة للبحث عن الذات.
فكريم، مع كل وثيقة يكتشفها، كان يزيح عن نفسه جزءًا من الحمل الثقيل الذى يحمله من الشعور بالذنب، وكأن استعادة ذاكرة الآخرين كانت أيضًا طريقًا لمصالحة نفسه. أما مازن، فمن خلال بحثه فى الحقوق المالية لفرقة العمال، لم يكن يسترد حقًا تاريخيًا فحسب، بل كان يكتشف ذاته التائهة، ويشعر للمرة الأولى أنه ينجز شيئًا حقيقيًا له قيمة.
الأمر أشبه بمن يحفر فى طبقات الأرض بحثًا عن مدينة مفقودة، ليكتشف فى النهاية أنه كان يعثر على نفسه. وهذا ما أردت أن أقوله فى الرواية؛ إن البحث فى التاريخ ليس عودة إلى الماضى فقط لكنه أيضًا وسيلة لفهم الحاضر، وإعادة اكتشاف الإنسان لذاته.
* الرواية تطرح سؤالًا مهمًا حول من يكتب التاريخ ومن يُستبعد منه، هل ترين أن الأدب قادر على تصحيح بعض ما أغفلته السرديات الرسمية؟
ـ الأدب لا يصحح التاريخ بالمعنى الأكاديمى، لكنه يوسع زاوية النظر إليه. يستطيع أن يمنح الصوت لمن لم يُسمع، وأن يطرح أسئلة ربما لم تطرحها الكتب الرسمية. لهذا أؤمن بأن الرواية يمكن أن تكون وسيلة لاستعادة الذاكرة الإنسانية، لا مجرد إعادة سرد الوقائع، ومؤخرًا أصبح الاعتماد على الرواية كوثيقة شىء جائز جدًا وموجود بالفعل.
* تظهر الأغانى الشعبية والمسرح والذاكرة الشفاهية داخل الرواية بوضوح.. ما أهمية هذه العناصر فى إعادة بناء عالم فرقة العمال المصرية؟
ـ كنت حريصة على ألا أنقل فقط ما تعرض له أفراد فرقة العمال المصرية من معاناة، بل أيضًا كيف عاشوا حياتهم اليومية داخل المعسكرات. فهذه التفاصيل جزء من التاريخ مثلها مثل الوثائق الرسمية، وربما تكون أقدر على الكشف عن روح الإنسان.
كانت الأغانى الشعبية والمسرح من أهم وسائل الترفيه والتنفيس عن النفس بالنسبة لهم. وقد لفت انتباهى ما عُرف بمسرحية «الفنطيطة»، التى لم تكن مجرد عرض كوميدى يخفف عنهم قسوة الحياة، بل كانت أيضًا مساحة للتعبير عن مشكلاتهم وانتقاد واقعهم بلغة ساخرة يفهمها الجميع.
وكذلك الأغانى الشعبية، فقد كانت تحمل وجع الغربة والحنين إلى الوطن. ومن أكثرها تأثيرًا أغنية «يا عزيز عينى، أنا بدى أروح بلدى»، التى تحولت إلى صوت جماعى يعبر عن الشوق إلى مصر، وعن إحساس هؤلاء العمال بأنهم بعيدون عن أهلهم وحياتهم، ينتظرون لحظة العودة. لذلك كان حضور هذه العناصر فى الرواية ضروريًا بالنسبة لى، لأنها لا تنقل الأحداث فقط، بل تنقل نبض الحياة داخل المعسكرات، وتذكرنا بأن هؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء فى الوثائق، بل بشرًا ضحكوا، وغنوا، ومثلوا المسرح، وحاولوا أن يقاوموا قسوة الواقع بالفن والسخرية والأمل.
* هل وجدتِ تشابهًا بين معاناة فرقة العمال وقضايا إنسانية معاصرة؟
ـ كلما تعمقت فى الكتابة، اكتشفت أن أشكال الظلم قد تتغير، لكن جوهرها يبقى متشابهًا. ما تعرض له هؤلاء العمال يفتح الباب للتفكير فى قضايا الاستغلال والهجرة القسرية والتهميش والعنصرية، وهى قضايا ما زال العالم يواجهها بأشكال مختلفة حتى اليوم.
* كيف ترين أهمية إعادة قراءة هذه المرحلة من التاريخ المصرى؟
ـ لأن فهم التاريخ لا يكتمل بقراءة الأحداث الكبرى فقط، وإنما أيضًا بالالتفات إلى القصص التى بقيت فى الظل. إعادة قراءة هذه المرحلة تساعدنا على فهم أعمق لعلاقة المصريين بالحرب العالمية الأولى وبالاحتلال البريطانى، كما تعيد الاعتبار لآلاف الأشخاص الذين شاركوا فى صناعة هذا التاريخ دون أن ينالوا ما يستحقونه من حضور.
* ما أكثر مشهد كان صعبًا عليكِ كتابته من الناحية الإنسانية أو النفسية؟
ـ أصعب المشاهد كانت تلك التى تتعلق بالفقد، سواء لحظة الرحيل أو الانتظار أو الموت بعيدًا عن الوطن. لم تكن صعوبتها فى كتابتها فقط، بل فى محاولة الحفاظ على صدقها الإنسانى بعيدًا عن المبالغة.
* هل تغيرت نظرتكِ إلى البطولة والتضحية بعد الانتهاء من الرواية؟
ـ أصبحت أرى البطولة بشكل أكثر إنسانية؛ البطولة ليست دائمًا فى حمل السلاح أو تحقيق الانتصارات، بل قد تكون فى قدرة الإنسان على الاحتمال والصمود والتمسك بكرامته وسط ظروف قاسية، وأعتقد أن سند كان بطلًا حقيقيًا، فكان يقوم بنقل الجرحى إلى المستشفى الميدانى أثناء القصف، فهل هناك بطولة أكثر من ذلك!
* فى رأيكِ.. لماذا ظلت قصة فرقة العمال المصرية بعيدة عن الوعى العام كل هذه السنوات رغم حجمها وتأثيرها؟
ـ لا أستطيع أن أقول إنها كانت غائبة تمامًا، فقد تناولها عدد من الباحثين والمؤرخين فى كتب ودراسات مهمة، لكنها قُدمت غالبًا فى سياقها التاريخى والعسكرى، بوصفها جزءًا من أحداث الحرب العالمية الأولى، أكثر من كونها تجربة إنسانية عاشها آلاف المصريين.
* ما الذى يمكن أن تقدمه الرواية لقصة تاريخية كهذه لا تستطيع الدراسات التاريخية تقديمه؟
ـ الاقتراب من الإنسان نفسه؛ من خوفه، وحنينه، وعلاقته بأسرته، وما تركته هذه التجربة فى حياته. وهنا يأتى دور الرواية؛ فهى لا تنافس الدراسات التاريخية، بل تكملها، لأنها تمنح القارئ فرصة لأن يعيش التجربة من الداخل، لا أن يعرفها فقط. لذلك كانت «الوصول المقطوع» محاولة لإعادة هؤلاء العمال إلى الوعى العام بوصفهم بشرًا لهم أسماء ووجوه وأحلام، لا مجرد أرقام أو وقائع فى سجل تاريخى.
* هل ما زالت هناك ملفات تاريخية منسية ترغبين فى استكشافها؟
ـ التاريخ المصرى ملىء بالمساحات التى تستحق إعادة النظر، وما زالت هناك ملفات إنسانية وثقافية لم تُكتب روائيًا بالقدر الذى تستحقه. ما يشغلنى دائمًا هو أن أجد الحكاية التى لا تعيد رواية الماضى فقط، بل تساعدنا على فهم حاضرنا بصورة أعمق.
* هل يعكس اختيار السوشيال ميديا فى الرواية قناعة بأنها أصبحت قادرة على حفظ الذاكرة وصناعة الوعى؟
ـ فى الرواية، كان اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعى اختيارًا واعيًا من أعضاء اللجنة، لأنها أصبحت الأسرع وصولًا إلى الناس، والأكثر قدرة على تحويل قضية مجهولة إلى قضية رأى عام. كانوا يدركون أن الملف ظل لسنوات طويلة حبيس الوثائق والدراسات، وأن خروجه إلى المجال العام يحتاج إلى وسيلة تمتلك سرعة الانتشار وقوة التأثير، لذلك السوشيال ميديا داخل الرواية أداة وليست غاية؛ أداة لإعادة قصة فرقة العمال المصرية إلى الوعى العام.
* كيف تناولتِ تأثير الحرب على المرأة فى «الوصول المقطوع»؟
كان من المهم بالنسبة لى ألا أتوقف عند تجربة الرجال الذين جُنّدوا ورُحّلوا مع فرقة العمال، بل أن أنظر أيضًا إلى النساء اللاتى بقين فى القرى يواجهن آثار هذا الغياب؛ فالحرب لم تغيّر حياة من ذهبوا فقط، بل غيّرت أيضًا حياة من انتظروهم.
فى ذلك الزمن، كان الرجل هو الذى يتولى معظم مسئوليات الأسرة، وفجأة وجدت المرأة نفسها وحيدة، مطالبة بأن تواجه الحياة بكل ما فيها من أعباء اقتصادية واجتماعية ونفسية. كان ذلك اختبارًا قاسيًا لم تختره، لكنها اضطرت إلى خوضه.
فى الرواية نجد نماذج مختلفة من النساء؛ هناك من قاومت، وتحملت المسئولية، واستطاعت أن تستمر رغم الخوف والانتظار، وهناك من كانت الظروف أقسى من قدرتها على الاحتمال، فانكسرت تحت وطأة الفقد والوحدة وعدم اليقين. كان يهمنى أن أقدم هذه النماذج كلها، لأن البشر لا يستجيبون للمحنة بالطريقة نفسها.
فى النهاية، أردت أن أقول إن فرقة العمال لم تكن حكاية رجال اقتيدوا إلى الحرب فقط، بل كانت أيضًا حكاية نساء أُجبرن على خوض معركة أخرى فى الداخل؛ معركة الصبر والانتظار ومواجهة الحياة وحدهن.