د. عمرو حسن يكتب: ماهر مهران وماسبيرو.. إعلام النفس الطويل
آخر تحديث: الخميس 17 سبتمبر 2026 - 9:52 م بتوقيت القاهرة
لي مع الأستاذ الدكتور ماهر مهران حكاية بدأت قبل أن أعرف اسمه، وقبل أن أعرف معنى الطب أو السكان أو حتى ماسبيرو. فأنا واحد من الأطفال الذين وُلدوا على يديه ؛ وُلدت بعملية قيصرية، وكان يومها أستاذًا لأمراض النساء والتوليد بجامعة عين شمس، وهو الطبيب الذي أخرجني إلى الحياة.
ثم دارت السنوات في مسار لم يكن من الممكن أن أتوقعه. أخذت ماهر مهران مسيرته إلى واحد من أصعب ملفات الدولة المصرية، فأصبح مقررًا للمجلس القومي للسكان ثم وزيرًا للسكان وشؤون الأسرة، بينما أخذتني السنوات إلى التخصص نفسه، فأصبحت أستاذًا لأمراض النساء والتوليد في قصر العيني، ثم تشرفت بتولي مسؤولية مقرر المجلس القومي للسكان خلال الفترة من 2018 إلى 2019.
وكأن الرجل الذي كان حاضرًا عند اللحظة الأولى من حياتي، سبقني أيضًا إلى أكثر من طريق سأسير فيه بعد سنوات طويلة.
لكنني لا أكتب عن ماهر مهران اليوم لاستعادة الذكريات، ولا لكتابة سيرة رجل من جيل سابق. ما يشغلني سؤال مختلف: ماذا لو عاد ماهر مهران اليوم، ودخل مبنى ماسبيرو من جديد، ثم جلس أمام شاشة تعرض له أرقام مصر في عام 2026؟
سيجد مصر وقد تجاوز عدد سكانها 109 ملايين نسمة. لكنه سيجد أيضًا أن معدل الإنجاب الكلي انخفض إلى 2.33 طفل لكل سيدة في عام 2025 بعد أن كان 3.5 في عام 2014، وأن معدلات المواليد والزيادة الطبيعية تراجعت بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة. أي أنه سيجد أمامه تحديًا سكانيًا كبيرًا، لكنه سيجد في الوقت نفسه اتجاهًا إيجابيًا يستحق البناء عليه.
وأتصور أن ماهر مهران كان سيسعد بهذه الأرقام، لكنه لم يكن سيكتفي بالنظر إلى المنحنى وهو ينخفض. كان سيسأل فورًا سؤال رجل التنفيذ: كيف نحافظ على هذا التحسن؟ وكيف نجعله مستدامًا؟
وهنا تبدأ، في تقديري، قيمة استعادة مدرسة ماهر مهران. فالرجل لم يتعامل مع القضية السكانية باعتبارها رقمًا يظهر في نشرة إحصائية فنحتفل به إذا انخفض ونقلق إذا ارتفع. كان ينظر إلى التغيير السكاني باعتباره عملية اجتماعية طويلة تحتاج إلى خدمة صحية جيدة، ومقدم خدمة مدرب، واختيار متاح أمام الأسرة، ورسالة تستطيع أن تقنع الناس بدلًا من أن تأمرهم، ثم متابعة مستمرة تقول لنا في النهاية: هل تغير شيء فعلًا؟
وكان الإعلام جزءًا أصيلًا من هذه المدرسة.
فماهر مهران أدرك مبكرًا أن العيادة وحدها لا تستطيع تغيير مجتمع. الطبيب يستطيع أن يصحح مفهومًا خاطئًا لسيدة تجلس أمامه، لكن الإعلام يستطيع أن يصحح المفهوم نفسه لدى ملايين الأسر. والطبيب يستطيع أن يساعد من وصل إلى باب عيادته، أما الإعلام فيستطيع أن يصل إلى الإنسان قبل أن يفكر أصلًا في طلب الخدمة.
ولهذا لم يكن حضوره الإعلامي في التسعينيات نشاطًا جانبيًا، بل جزءًا من عمله في ملف السكان. وكان ظهوره المنتظم عبر «صباح الخير يا مصر» نموذجًا لفكرة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: أن التوعية السكانية والصحية لا تكون موسمًا، وإنما حضورًا مستمرًا في حياة الناس.
وهذه النقطة ربما تكون أهم ما نحتاج إلى استعادته اليوم.
فالإعلام التنموي هو، في جوهره، إعلام النفس الطويل. نحن نتعامل مع مفاهيم وعادات وقيم وسلوكيات تراكمت عبر سنوات وربما عبر أجيال، ولذلك لا يمكن أن نتوقع تغييرها بحملة تستمر أسبوعين، أو بإعلان يظهر في مناسبة ثم يختفي.
ولعل واحدًا من أكثر التعبيرات دقة في هذا المجال أن تنظيم الأسرة «صناعة ثقيلة عائدها بطيء». ليس لأن الرسالة لا تؤثر، وإنما لأن تغيير السلوك الإنساني يحتاج إلى معرفة، ثم اقتناع، ثم ثقة، ثم فرصة لتحويل الاقتناع إلى فعل.
وهذه الفكرة تتجاوز السكان وتنظيم الأسرة بكثير.
فنحن في مصر اليوم لا نحتاج فقط إلى تطوير الإعلام الصحي، بل إلى نقلة نوعية في فلسفته. لا تعني إضافة برنامج طبي جديد إلى خريطة البرامج، ولا طبيبًا يشرح مرضًا بلغة لا يفهمها إلا زملاؤه، ولا حملة تبدأ مع يوم عالمي وتنتهي بانتهائه، وإنما أن يصبح بناء الوعي الصحي وظيفة يومية للإعلام.
فالصحة لا تبدأ عند باب المستشفى ولا لحظة ظهور المرض؛ بل قبل ذلك بكثير: عندما تعرف الأم كيف تحمي حملها، ويدرك الزوجان أهمية المباعدة بين الولادات، وتصبح الوقاية والكشف المبكر والتغذية السليمة والصحة النفسية والحركة جزءًا من ثقافة الأسرة المصرية.
بمعنى آخر، قد تبدأ المنظومة الصحية قبل العيادة وقبل المستشفى. قد تبدأ عند شاشة.
والمفارقة أن أزمة الإعلام الصحي اليوم لم تعد ندرة المعلومات، بل وفرتها. يحمل المواطن في هاتفه نصيحة من أستاذ جامعي بجوار شائعة بلا مصدر، وتجربة شخصية تُقدَّم باعتبارها حقيقة علمية، ومحتوى تجاري يرتدي أحيانًا ثوب النصيحة الطبية.
لذلك تغيرت المعركة. لم يعد السؤال: هل ستصل المعلومة الصحية إلى المواطن؟ بل: أي معلومة ستصل إليه أولًا؟ ومن سيقولها؟ وهل سيثق فيها؟ وهل ستبقى معه طويلًا بما يكفي لتغير سلوكه؟
وهنا تصبح مسئولية الإعلام الوطني أكبر، لا أصغر.
فإذا كان ماهر مهران قد امتلك في التسعينيات شاشة تليفزيونية تصل إلى ملايين البيوت، فإن إعلام اليوم يمتلك ما لم يكن متاحًا لجيله: التليفزيون، والإذاعة، والهاتف المحمول، والمنصات الرقمية، والفيديو القصير، والبودكاست، والبث عند الطلب. لم يعد المواطن مضطرًا إلى انتظار موعد البرنامج، بل أصبح يحمل الشاشة معه طوال اليوم.
وهذه فرصة تاريخية للإعلام الصحي، لكنها تحتاج إلى تغيير فلسفة العمل: من إعلام ينقل المعلومة إلى إعلام يسعى إلى تغيير المعرفة والاتجاه والسلوك، ومن رسالة واحدة للجميع إلى رسائل تعرف جيدًا لمن تتحدث.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: هل قدمنا الرسالة المناسبة للمتلقي المناسب في الوقت المناسب؟ بل: ماذا حدث بعد أن وصلت إليه؟
هل اختفى اعتقاد صحي خاطئ؟ هل طلبت امرأة المساعدة مبكرًا؟ هل أصبحت أسرة أكثر وعيًا بقرارها الإنجابي؟ هل تغيرت معرفة أو اتجاه أو سلوك؟
هنا تحديدًا ننتقل من إعلام يتحدث عن الصحة إلى إعلام يصنع أثرًا صحيًا.
لكن الإعلام لا يستطيع أن يفعل ذلك وحده. فالرسالة التي تقنع الإنسان بطلب خدمة غير موجودة لن تحقق غايتها، كما أن الخدمة الممتازة التي لا يعرف الناس بوجودها لن تحقق كامل أثرها.
الإعلام يفتح الباب، والخدمة تجعل المرور منه ممكنًا. والتغيير الحقيقي يبدأ عندما يلتقي الاثنان.
وهنا تأتي أهمية اللحظة التي يعيشها ماسبيرو الآن.
فبينما يقود الكاتب أحمد المسلماني الهيئة الوطنية للإعلام في مرحلة تسعى إلى تحديث ماسبيرو واستعادة دوره وحضوره، تبدو أمامنا فرصة لا تقتصر على تحديث الاستديوهات أو التكنولوجيا أو الصورة. هناك فرصة أكبر لإعادة التفكير في إحدى الوظائف التاريخية للإعلام الوطني: صناعة الوعي وبناء الإنسان.
وربما تكون النقلة النوعية في الإعلام الصحي واحدة من أكثر صور هذا التطوير اتصالًا بالحياة اليومية للمصريين.
نقلة تجعل العلم أقرب إلى المواطن، واللغة أبسط، والمعلومة الموثوقة أسرع من الشائعة، والرسالة مستمرة بدلًا من أن تكون موسمية، والخبير حاضرًا بين الناس، والصحة جزءًا من الحديث اليومي للأسرة المصرية، لا موضوعًا لا نتذكره إلا عندما يأتي المرض.
والأهم أن نتوقف عن قياس النجاح بعدد الساعات التي بُثت أو عدد الضيوف الذين ظهروا أو حتى عدد المشاهدات وحده.
فالطبيب لا يسأل فقط: هل كتبت العلاج؟ يسأل: هل تحسن المريض؟
والإعلام الصحي يحتاج إلى العقلية نفسها.
لا يكفي أن تكون الرسالة جيدة. يجب أن نسأل ماذا فعلت هذه الرسالة.
لو التقيت الدكتور ماهر مهران اليوم، ربما كنت سأبدأ الحديث بإخباره أن الطفل الذي أخرجه بعملية قيصرية أصبح أستاذًا للنساء والتوليد، وأن الحياة أخذته بعد ذلك إلى بعض الطرق التي سار فيها هو من قبل.
لكنني أظن أن الذكريات لن تأخذ منا وقتًا طويلًا.
سنعود سريعًا إلى الحاضر: إلى 109 ملايين مصري، وإلى ملايين الشباب الذين تتشكل أفكارهم كل يوم، وإلى هاتف يحمل الحقيقة والشائعة في الوقت نفسه، وإلى ماسبيرو الذي يحمل تاريخًا طويلًا في صناعة الوعي ويستعد لمرحلة جديدة.
وربما كنت سأسأله: يا دكتور ماهر، لو عدت اليوم إلى ماسبيرو، ماذا كنت ستقول لإعلام 109 ملايين مصري؟
وأتصور أن جوهر إجابته سيكون بسيطًا:
لا تنتظروا أن يأتي المواطن إلى المعلومة. اذهبوا بالمعلومة إليه.
ولا تقولوها مرة واحدة ثم تنتظروا أن يتغير المجتمع.
قولوا الحقيقة العلمية باستمرار، وافهموا الناس، واستمعوا إليهم، وراجعوا أثر ما تقولون، ثم غيروا رسالتكم كلما احتاجت إلى التغيير.
فالمستشفى يستطيع أن يعالج الإنسان عندما يمرض. أما الإعلام الصحي الجيد فيستطيع أحيانًا أن يصل إليه قبل أن يمرض.
وهذه، في تقديري، هي النقلة النوعية التي نحتاج إليها اليوم: نقلة تجعل الإعلام الصحي جزءًا من الوقاية، وجزءًا من بناء الإنسان، وجزءًا من صحة 109 ملايين مصري.