من الجسد إلى العقل.. تفاصيل مراحل تأثير الالتهابات على الصحة النفسية والمزاجية للبشر
آخر تحديث: الخميس 17 سبتمبر 2026 - 1:50 م بتوقيت القاهرة
سلمى محمد مراد
تستمر الأبحاث الطبية في الكشف عن خبايا الارتباط بين العقل والجسد، إذ ظهر مؤخرًا تساؤل مهم في عدد من الأبحاث حول مدى تأثير التهابات الجسم على الحالة النفسية والمزاجية للبشر، وما إذا كانت الأدوية المضادة للالتهاب قد تشكل مدخلًا جديدًا لعلاج بعض الحالات النفسية مثل الاكتئاب والقلق.
ووجدت الأبحاث العلمية الحديثة ارتباطًا وثيقًا بين نشاط الجهاز المناعي والصحة العقلية، وكذا تعدد الأسباب التي تجعل الالتهاب سببًا رئيسيًا في الاكتئاب وضياع فاعلية مضادات الاكتئاب التقليدية لدى بعض المرضى.
ما هو الالتهاب وكيف ينشأ؟
ويعتبر الالتهاب رد فعل طبيعي ومباشر من الجهاز المناعي لحماية الجسم، حيث تندفع خلايا المناعة إلى منطقة الإصابة لمحاربة الجراثيم وإصلاح الأنسجة عند التعرض لجرح أو عدوى؛ ما يظهر في شكل احمرار أو تورم إذا كانت الإصابات ظاهرة، أما إذا كان الالتهاب منخفض الحدة داخل الجسم نتيجة عوامل متعددة مثل السمنة، والتقدم في العمر، أو الإصابة بأمراض معقدة، يمكن أن يستدل الأطباء على وجوده عبر ارتفاع مستويات جزيئات كيميائية في الدم تعرف باسم السيتوكينات، وهي الوسائط التي تستخدمها الخلايا المناعية للتواصل فيما بينها، بحسب صحيفة الجارديان البريطانية.
ويحتوي جسم الإنسان على أكثر من 100 نوع مختلف من السيتوكينات، ولبعضها القدرة على التأثير المباشر على الدماغ، يظهر هذا التأثير بشكل ملموس عندما يصاب الإنسان بالحمى، وتشمل الأعراض التعب الجسدي ويمتد التأثير ليغير الحالة النفسية والمزاجية للشخص.
وأظهرت دراسات أجريت على مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي أن الأدوية المضادة للالتهابات التي تثبط السيتوكينات يمكن أن تحسن المزاج أيضًا، حيث أظهرت الفحوصات أن خفض السيتوكينات يؤدي إلى تغيير نواتج النشاط داخل الدماغ.
وكشفت دراسة تابعت ما يقرب من ٥ آلاف طفل أن الأطفال الذين احتوت دماؤهم في سن التاسعة على مستويات أعلى من المتوسط من السيتوكين كانوا أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب عند بلوغهم سن الـ18، حتى وإن لم تظهر عليهم أي أعراض اكتئاب في طفولتهم.
الالتهاب سبب رئيسي للاكتئاب
وأثبتت دراسات أخرى على البالغين وجود صلة وثيقة بين الإصابة بالاضطرابات النفسية كالاكتئاب والقلق وبين وجود تاريخ مرضي متعلق باعتلالات الجهاز المناعي.
وبحسب دراسة بعنوان "دور الالتهاب في الاكتئاب: من ضرورة تطورية إلى هدف علاجي حديث" منشورة في مجلة بوب ميد، فإن التفاعل بين مسارات الالتهاب والدوائر العصبية في الدماغ كان يمنح الإنسان القديم ميزة تطورية، حيث تمثلت الاستجابات السلوكية الناجمة عن الالتهاب مثل التجنب والحذر في حمايته من المخاطر ومسببات الأمراض، بينما تحولت هذه الاستجابة المناعية ذاتها في وقتنا الحالي إلى عامل يحفز نشاط الاكتئاب، وتؤثر بشكل سلبي على مدى استجابة الجسم للعلاجات النفسية المعتادة.
كما تبين البيانات النسيجية، أن عناصر الجهاز المناعي الفطري والتكيفي تتفاعل مباشرة مع النواقل العصبية والشبكات العصبية داخل الدماغ بشكل يزيد من مخاطر الاضطرابات النفسية.
كيف يؤثر الالتهاب على العقل والجسد؟
كشفت دراسة علمية حديثة منشورة في مجلة هيلث كير، أن العاطفة والنفسية لا تنفصلان عن صحة الجسد، مشيرة إلى أن الالتهاب العصبي يلعب دورًا محوريًا يربط بين الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق، وأمراض القلب والسكر، حيث ترتفع مستويات بعض المواد الكيميائية والمؤشرات الحيوية في الدم عندما يتعرض الجسم لالتهابات، وهذه المواد تؤثر سلبًا علي الأعضاء الداخلية وتتسلل إلي الجهاز العصبي والدماغ.
ويخلق هذا التأثير المتبادل، حلقة مفرغة من الضغط النفسي المزمن التي تؤدي إلى استجابة مفرطة في هرمونات الإجهاد مثل الكورتيزول؛ ما يحفز حدوث الالتهابات في الجسم، كما أن الالتهاب المزمن يؤثر بدوره على كيمياء الدماغ والنواقل العصبية المسئولة عن تنظيم المزاج مثل السيروتونين؛ ما يزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق.
ويساهم الالتهاب وخلل الجهاز العصبي كذلك في تلف الأوعية الدموية وتصلب الشرايين، بالإضافة إلى زيادة مقاومة الأنسولين لدى مرضى السكري، بحسب الدراسة.
هل يمكن للأدوية المضادة للالتهابات أن تحسن المزاج؟
ورغم هذه الأدلة المشجعة، يؤكد الخبراء ومنهم البروفيسور دانيال إم ديفيس، رئيس قسم علوم الحياة في إمبريال كوليدج لندن، أنه لا يزال من المبكر جدًا البدء في استخدام الأدوية المضادة للالتهاب كعلاج أساسي ومباشر للحالات النفسية، ويرجع ذلك إلى أن العلم لم يفصل حتى الآن بشكل كامل بين وظائف الجهاز المناعي المعقدة للتعرف بالتحديد على الأجزاء التي يمكن استهدافها بأمان لتحسين الصحة النفسية دون التسبب في أضرار مناعية أخرى.
وتؤكد الشواهد العلمية الحالية على وجود مؤشرات مستقبلية واعدة لمستقبل العلاجات النفسية، كنتاج لوجود تداخل حقيقي وملموس بين صحة الجهاز المناعي والصحة النفسية، وإن كان الأمر يحتاج لمزيد من الأبحاث للتأكد من كيفية تطبيق ذلك بأمان على المرضى.