في ذكرى رحيل علاء الديب.. عصير الكتب قراءة في سيرة ثقافية وفعل مقاومة

آخر تحديث: الأربعاء 18 فبراير 2026 - 2:54 م بتوقيت القاهرة

منى غنيم

يحل اليوم ذكرى رحيل الكاتب والصحفي المصري الكبير علاء الديب، الذي ترك أثرًا ثقافيًا وأخلاقيًا واضحًا في المشهد الأدبي والصحفي.

لم يكن علاء الديب مجرد ناقد أو صحفي عابر، بل مثقفًا منحازًا لقيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، جعل من الكتابة والقراءة فعلًا عامًّا ومسؤولية ثقافية، وموقفًا صادقًا من العالم.

تميز أسلوب كتابته بالرصانة، بعيدًا عن الشعارات الزائفة أو المبالغة، وجعل من مقالاته وأعماله مساحة للتأمل والمساءلة، ومنح القارئ فرصة للمشاركة في التفكير النقدي، بعيدًا عن النمطية والسطحية. ظل علاء الديب دائمًا صوتًا للإنسان البسيط والمهزوم والقلق الباحث عن المعنى، ما جعل من رحيله خسارة كبيرة للثقافة العربية المعاصرة.

وفي ذكرى رحيل علاء الديب، تقدم "الشروق" قراءة نقدية في الجزء الثاني من كتاب "عصير الكتب"، الصادر حديثًا عن دار الشروق، والذي يضم مقالات كتبها الديب خلال الفترة ما بين 2013 و2014، مستعرضًا من خلال مقالاته لحظات مصرية وعربية متشابكة، برؤية حية وناقدة تجمع بين التأمل والإنصات والموضوعية.

ليس «عصير الكتب» مجرد عنوان زاوية صحفية ناجحة، ولا كتاب مقالات يمكن التعامل معه باعتباره أرشيفًا لقراءات متفرقة، بل هو ـ في جوهره ـ سيرة ذهنية وأخلاقية لكاتب اختار أن تكون القراءة فعلًا عامًا، ومسؤولية ثقافية، وموقفًا من العالم.

وفي هذا الكتاب، الذي يضم مقالات كتبها الكاتب المصري الكبير الراحل علاء الديب بين عاميّ 2013 و2014، نقرأ عن لحظة مصرية وعربية مرتبكة، ولكننا نقرأ عنها بعيون مثقف لا يرفع صوته، ولا يختبئ خلف الحياد الزائف.

ويقدم علاء الديب، الذي لم يكن ناقدًا أكاديميًا بالمعنى التقليدي، ولا صحفيًا ثقافيًا عابرًا، في «عصير الكتب» نموذجًا نادرًا للكاتب الذي يختار، ويشير، ويضع القارئ أمام نصوص وأفكار باعتبارها أسئلة مفتوحة لا إجابات جاهزة؛ فالقراءة هنا ليست تلخيصًا ولا تقييمًا تقنيًا، بل فعل تذوّق ومشاركة، ومحاولة مستمرة للبحث عن السياق الأدبي الذي يجعل الكتاب حيًا وضروريًا.

المقالة كفن أخلاقي

وتقوم مقالات «عصير الكتب» على بنية تبدو بسيطة، لكنها شديدة الإحكام؛ تتمثل في مدخل إنساني أو شخصي، ثم اقتراب هادئ من الكتاب أو الفكرة، ثم توسيع الدائرة لتشمل الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي؛ فالديب لم يكتب عن الكتب بوصفها منتجات ثقافية معزولة، بل باعتبارها كائنات حيّة وُلدت في ظروف محددة، وتخاطب بشرًا حقيقيين يعيشون القلق والهزيمة والأمل.

وفي قراءاته لأعمال أدبية مثل «إسطنبول» للتركي الحائز على نوبل في الأدب أورهان باموق، أو «قواعد العشق الأربعون» للكاتبة التركية إليف شفق، لم ينشغل "الديب" بالحبكة أو التقنية بقدر انشغاله بما تقوله هذه النصوص عن الإنسان المعاصر، عن غربته، وحيرته، وبحثه عن المعنى وسط عالم قاسٍ ومتناقض؛ فالكتابة هنا منحازة بوضوح للإنسان، للمهزومين، للقلقين، ولمن لا يدّعون امتلاك الحقيقة.

السياسة بلا شعارات

أحد أهم ما يميز «عصير الكتب» هو حضوره السياسي الواضح من دون مباشرة أو شعارات؛ فالديب يكتب في لحظة ما بعد الثورة، لحظة امتلأت بالخطاب العالي واليقين الصاخب، لكنه اختار طريقًا آخر ما بين التأمل، والشك، والإنصات. وفي مقالاته عن الثورة، والديمقراطية، والدين والسياسة، لم يقدّم حلولًا، بل قام بتعرية الأوهام، وحذّر من اختزال التعقيد في شعارات براقة.

وفي قراءته لكتاب «بلاغة الحرية» للباحث والأستاذ الجامعي المصري عماد عبد اللطيف، مثلًا، التقط "الديب" جوهر الأزمة؛ ألا وهو كيف تُستخدم اللغة لتفريغ الثورة من معناها، وكيف تتحول الديمقراطية إلى كابوس عندما تُختزل في الصندوق وحده. هذه المقالات لا تُقرأ اليوم باعتبارها شهادات على الماضي فقط، بل كتنبيهات مستمرة لحاضر لم يحسم أسئلته بعد.

الكتابة ضد النسيان

يعد «عصير الكتب» كتابًا وفيًا للكتّاب، والمفكرين، والفنانين الذين شكّلوا وجدان أجيال متعاقبة، من الجغرافي والمفكر المصري جمال حمدان إلى المخرج السينمائي رائد الواقعية أنسي أبو سيف، ومن المفكر الأسلامي السوداني محمود محمد طه إلى المفكر الاجتماعي المصري مصطفى حجازي؛ فالديب يكتب عنهم لا بوصفهم رموزًا مقدسة، بل كبشر خاضوا معارك فكرية وأخلاقية، ودفعوا أثمانًا باهظة مقابل أفكارهم.

وفي هذا المعنى، تصبح المقالة فعل مقاومة ضد النسيان، وضد التسطيح، وضد تحويل الثقافة إلى ترف، أو كما أشار "الديب" إلى أن الثقافة شأن عام، وأن الكتاب الجيد يمكن أن يكون "حدثًا حقيقيًا" في حياة قارئ، وربما في حياة مجتمع بأكمله.

لغة هادئة وقاسية في آن

إن أسلوب علاء الديب في «عصير الكتب» هو أحد أسرار قوة الكتاب؛ فهو يجمع بين اللغة الهادئة، الخالية من الزينة، لكنها مشحونة بطاقة أخلاقية عالية، بلا استعراض، ولا مصطلحات معقّدة، ولا ادعاء معرفة. هذه البساطة الظاهرة تخفي صرامة فكرية، وانحيازًا واضحًا لقيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

فلم يضع "الديب" نفسه قط فوق القارئ، بل إلى جواره. وكان يكتب كما لو كان يقول: "تعال نقرأ معًا، ونفكر معًا، ونخطئ معًا"، وهو موقف نادر في زمن يتكاثر فيه الوعّاظ والمتيقنون.

لماذا نقرأ «عصير الكتب» اليوم؟

تأتي أهمية «عصير الكتب» اليوم من كونه يذكّرنا بدور المثقف الذي لم يعد شائعًا؛ المثقف الشاهد، لا القاضي؛ المشارك، لا المتفرج؛ المنحاز للإنسان، لا للسلطة ولا للجماعة. هذا كتاب لا يمنح الطمأنينة، بل يوقظ الأسئلة، ويعيد الاعتبار لفعل القراءة بوصفه مقاومة هادئة ضد العنف والجهل والتبسيط.

وفي الختام، فإن «عصير الكتب» ليس كتابًا عن الكتب فقط، بل عن الحياة كما تُرى من نافذة القراءة، وهي حياة مليئة بالخسارات، لكنها لا تخلو من الأمل. وربما في هذا تحديدًا تكمن قيمة علاء الديب، الذي لم يبتعد كثيرًا، لأن كلماته ما زالت قادرة على أن تقول لنا: "اقرأ… لكي تفهم، ولكي تقاوم، ولكي تبقى إنسانًا".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved