حضور دبلوماسي وثقافي رفيع المستوى في مناقشة «الملكية الفكرية والابتكار كأدوات هامة للتنمية في الوطن العربي» بمكتبة مصر العامة

آخر تحديث: الإثنين 18 مايو 2026 - 12:12 م بتوقيت القاهرة

شيماء شناوي

إبراهيم المعلم: معركة الملكية الفكرية من أكبر المعارك التي فشلنا فيها عربيًا.. ومصر تخسر ثقافيًا واقتصاديًا بسبب التزوير

 

شهدت مكتبة مصر العامة، ندوة بعنوان "الملكية الفكرية والابتكار كأدوات هامة للتنمية في الوطن العربي"، تحدث خلالها السفير وليد عبد الناصر، وأدارها السفير رضا الطايفي، بحضور نخبة من السفراء والمثقفين وأساتذة الجامعات والمهتمين بقضايا النشر والصناعات الإبداعية.

وأكد السفير رضا الطايفي، الذي أدار اللقاء، أن الندوة تأتي في توقيت شديد الأهمية في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو اقتصاد المعرفة، موضحًا أن الملكية الفكرية أصبحت ركيزة أساسية لدعم الابتكار والتنمية، موضحا أن التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي تفرض ضرورة تطوير رؤية عربية متكاملة تحقق التوازن بين حماية الحقوق وإتاحة المعرفة.

وفي مستهل كلمته قال السفير وليد عبدالناصر المدير السابق للمكتب الإقليمي للدول العربية بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية "الويبو"، إن الملكية الفكرية لم تعد مجرد إطار قانوني، بل أصبحت عنصرًا محوريًا في بناء اقتصاد المعرفة وأداة مباشرة لدعم الابتكار ونقل المعرفة وتعزيز التنمية المستدامة. وأشار إلى أهمية بناء القدرات المؤسسية والبشرية في الدول العربية لضمان فاعلية هذا المجال.

وأوضح أنه خلال سنوات عمله داخل المنظمة العالمية للملكية الفكرية "الويبو" شارك في تنفيذ برامج تدريبية واستراتيجيات في نحو 16 دولة عربية، بهدف دمج الملكية الفكرية كمدخل رئيسي للتنمية والابتكار، مضيفًا أن هذه الجهود شملت إنشاء أكاديميات ومراكز تدريب لتأهيل كوادر قادرة على إدارة هذا الملف وربطه بالبحث العلمي والصناعة والاقتصاد المعرفي.

وتناول تطور دور المنظمة العالمية للملكية الفكرية، موضحًا أن نقطة التحول الكبرى جاءت مع إدماج مفهوم التنمية عبر "أجندة التنمية" عام 2007 التي ضمت 44 بندًا أعادت صياغة العلاقة بين حماية الملكية الفكرية والتنمية المستدامة، مشيرًا إلى الدور الذي لعبه كامل إدريس، رئيس الوزراء السوداني الحالي، خلال رئاسته للمنظمة، في ترسيخ هذا التحول داخل هيكلها وبرامجها.

واستعرض عبدالناصر جهود المنظمة داخل 28 جامعة عربية بهدف وضع سياسات لإدارة الملكية الفكرية داخل المؤسسات الأكاديمية وتحويل الابتكارات إلى مشروعات اقتصادية، منوهًا إلى المبادرات العربية المشتركة، ومنها إنشاء "وحدة الملكية الفكرية والتنافسية" داخل جامعة الدول العربية عام 2002 في عهد وزير الخارجية الأسبق عمرو موسى، والتي شكلت إطارًا مؤسسيًا للتعاون العربي في هذا المجال، مع توقيع مذكرة تفاهم مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية تم تطويرها لاحقًا لتعزيز التعاون وتوسيع نطاقه في عهد السفير أحمد أبو الغيط.

وأكد أن أبرز التحديات يتمثل في ضعف الاستمرارية المؤسسية وتفاوت تطبيق القوانين، مشددًا على أن الحماية لا تعتمد على التشريعات فقط بل على كفاءة التنفيذ والتوعية المجتمعية، خاصة في ظل تحديات الذكاء الاصطناعي والانتهاكات الرقمية العابرة للحدود.

من جانبه قال المهندس إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الشروق، إن معركة حماية الملكية الفكرية في العالم العربي تُعد من أصعب المعارك التي خاضها، قائلاً: "في حياة الإنسان معارك كبيرة وخطيرة، وساعات بيحقق نجاح جزئي وساعات بيفشل، ومن أكبر المعارك اللي أنا بعترف بالفشل الرهيب فيها هي معركة الملكية الفكرية في العالم العربي".

وأضاف، أن التقدم في هذا الملف كان يتعرض دائماً للتراجع، قائلاً: "كنا أحياناً نحقق خطوات للأمام ثم نرجع عشرة للخلف"، مؤكداً أن المشكلة لا ترتبط فقط بالقوانين، وإنما تمتد أيضاً إلى ضعف الوعي والإرادة بأهمية حماية الحقوق الفكرية.

وأشاد المعلم بالدور الذي يقوم به الدكتور وليد عبدالناصر في هذا الملف، لافتاً إلى خبرته وتأثيره داخل المنظمة العالمية للملكية الفكرية "الوايبو"، مشيراً إلى أنه تعامل معها سابقاً بصفته نائب رئيس اتحاد الناشرين الدولي.

وكشف عن وجود مواقف وصفها بـ"المؤسفة" من بعض المسئولين العرب داخل اجتماعات دولية معنية بحقوق الملكية الفكرية، موضحاً أن بعضهم كان يتبنى مواقف ضد تشديد حماية الحقوق الفكرية، بل وصل الأمر ـ بحسب قوله ـ إلى المطالبة بأن تكون مدة حماية حقوق المؤلف 5 سنوات فقط من تاريخ صدور الكتاب.

وأضاف أن هذه الطروحات كانت تُفهم أحياناً باعتبارها تمثل الموقف المصري الرسمي، ما دفعه إلى التواصل مع مسئولين وسفراء ووزير الخارجية المصري آنذاك، للتأكيد أن مصر دولة منتجة للثقافة والفن والكتاب والسينما والموسيقى، وأن مصلحتها الحقيقية تكمن في حماية حقوق الملكية الفكرية لا إضعافها.

وأردف المهندس إبراهيم المعلم: "إحنا في مصر بلد منتجة للثقافة، مش منتجين للأدوية، لكن في الثقافة إحنا بلد لو عايزين نبقى بلد عظمى، إحنا بلد منتجين للكتب والأفلام والموسيقى والفن، وما نتعرض له من اعتداء على حقوق الملكية الفكرية أكبر بكثير مما تتعرض له الصناعات الثقافية المماثلة عالميًا".

كما تحدث المعلم عن أزمة تشكيل اللجان الوطنية المعنية بالملكية الفكرية، موضحاً أن بعضها يضم موظفين إداريين من وزارات مختلفة، بينما يغيب عنها ممثلو اتحادات الناشرين والسينمائيين والصناعات الإبداعية وأصحاب الحقوق الحقيقيين.

وأضاف المعلم، أن وزير الخارجية المصري آنذاك طلب بوضوح ضرورة إشراك أصحاب الحقوق في هذه اللجان، إلا أن الأمر ـ بحسب قوله ـ لم يُنفذ بالشكل المطلوب حتى الآن.

وأكد المعلم أن العالم العربي يعاني أزمة حقيقية في احترام حقوق الملكية الفكرية، مضيفاً: "مش عارف أقول مفيش وعي ولا مفيش إدراك ولا مفيش إرادة".

وأشار المعلم، إلى أن اتحاد الناشرين المصري والعربي نظم العديد من المؤتمرات بالتعاون مع منظمة «الويبو» (WIPO)، في العقود الماضية بمشاركة مسئولين ووزراء وممثلين عن جهات مختلفة، من بينهم وزير الخارجية ووزير العدل، وبحضور السيدة سوزان مبارك، إلى جانب عدد من الجهات والمؤسسات المعنية.

وأوضح أنه على الرغم من تعدد الجهود المبذولة على مدار السنوات الطويلة الماضية، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة ولم يتم التوصل إلى حلول حاسمة لها حتى الآن.

وروى المعلم واقعة أثارت استياءه، عندما تفاخر أحد السفراء بقراءته كتاباً للدكتور زكي نجيب محمود عبر موقع إلكتروني مزور، رغم توافر الكتاب بشكل قانوني ورقياً ورقمياً عبر منصة "هنداوي" المجانية.
وأضاف، المعلم أن السفير برر الأمر آنذاك بارتفاع أسعار الكتب، ليرد عليه مؤكداً أن الاتفاقيات الدولية التي وقعتها مصر لحماية الملكية الفكرية يجب احترامها وتطبيقها، موضحاً أن بعض المسئولين أنفسهم كانوا أطرافاً أثناء توقيع هذه الاتفاقيات، ومع ذلك لا يتعاملون مع ملف حماية حقوق الملكية الفكرية بالجدية الكافية.

وأكد أن مصر تخسر كثيراً بسبب الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي، موضحاً أن حصول المؤلف والمبدع والعالم على حقوقه الأدبية والمادية يضمن استمرار الإنتاج الثقافي وتطوره.

وأشار إلى أن مصر تُعد من أهم الدول المصدرة للثقافة في المنطقة، لافتاً إلى حديث دار بينه وبين مسؤول في مكتبة الكونجرس الأمريكية، أكد خلاله أن مصر ضمن الدول العشر الأكثر تأثيراً في تصدير الثقافة، وأن تأثيرها الثقافي يفوق أحياناً دولاً صناعية كبرى مثل ألمانيا واليابان.

وأضاف أن الأفلام المصرية كانت تُزوّر في بعض الولايات الأمريكية، مع تقديرات بخسائر تصل إلى نحو 50 مليون دولار، لكن المشكلة ـ بحسب قوله ـ أن الجهات المصرية كثيراً ما تتأخر في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية حقوقها.

وشدد المعلم، على ضرورة حماية حقوق مصر الثقافية والفنية، سواء في الكتب أو السينما أو الموسيقى أو الفنون، مؤكداً أن العالم بات يتحدث اليوم عن "الصناعات الإبداعية" باعتبارها قطاعاً اقتصادياً ضخماً قائماً على المحتوى الثقافي والمعرفي.

وأوضح أن الصناعات الإبداعية تشمل النشر والبرمجيات والدراما التلفزيونية والمسرح والهندسة المعمارية وغيرها، مشيراً إلى أن حجم هذا القطاع عالمياً يتراوح بين 2.5 و3 تريليونات دولار، وأنه من أسرع القطاعات نمواً وأكثرها تأثيراً في الإنسان والمجتمع.

وأكد أن مصر تمتلك ميزة نسبية كبيرة في هذه الصناعات، بفضل كوادرها الثقافية والإبداعية، داعياً إلى توفير حماية أكبر للمبدعين والناشرين والمفكرين، باعتبار ذلك جزءاً من تعزيز القوة الناعمة المصرية.

وتحدث أيضاً عن التحديات الجديدة التي فرضها الذكاء الاصطناعي على صناعة النشر، موضحاً أن العالم يشهد حالياً نقاشاً واسعاً حول حقوق المؤلف في ظل استخدام الكتب والأبحاث والأعمال الإبداعية لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ولفت إلى أن عدداً من اتحادات الناشرين والمؤلفين في بريطانيا ودول أخرى بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات قانونية ضد بعض الشركات، بسبب استخدام محتوى الكتب والأبحاث دون إذن أصحاب الحقوق.
وكشف المعلم عن أن كتباً عربية ومصرية كثيرة جرى إدخالها إلى قواعد بيانات شركات ذكاء اصطناعي دون علم المؤلفين أو الناشرين، مضيفاً أن أحد المكتبات الكبرى قامت سابقاً بتحويل كتب وأعمال مصرية إلى نسخ رقمية والحصول على مقابل مادي من ذلك، رغم عدم امتلاكها حقوق التحويل الرقمي.

وأضاف أن بعض هذه المواد ظهرت لاحقاً عبر مكتبات ومنصات رقمية بصورة غير قانونية، تحمل أسماء تلك المؤسسات، ما أدى إلى نزاعات وتحكيمات قانونية استمرت لسنوات دون حسم نهائي.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن حماية الملكية الفكرية لم تعد قضية تخص الناشرين فقط، وإنما قضية تتعلق بحماية الثقافة والهوية والقوة الناعمة المصرية في مواجهة التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة.

شهد اللقاء حضور عدد من السفراء ورموز الدبلوماسية المصرية وأساتذة الجامعات والمثقفين والكتاب، من بينهم محمد العرابي، رؤوف سعد، ومحمد الشاذلي، ورضا الطايفي، وسعد الفرارجي، ومحمد إدريس، ومحمد توفيق، وعلي مراد، والدكتور إبراهيم عوض، وعمرو الشوبكي، والروائي عمرو شعراوي، والدكتورة ميار فراج، والكاتبة حنان فهيم أمين، والكاتب الصحفي أبو بكر الدسوقي، والكاتب الصحفي سيد هاني، إلى جانب عبدالفتاح عز الدين، وحازم رمضان، وداليا يوسف وغيرهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved