حجر رشيد «خرج ولم يعد».. وثائق بريطانية تتتبع رحلته من مصر إلى لندن

آخر تحديث: الخميس 18 يونيو 2026 - 7:12 م بتوقيت القاهرة

تحقيق ــ محمود عبدالرحمن وإسلام عبدالمعبود

- الحجر وقطع أثرية أخرى سُلِّمت إلى بريطانيا عقب الاستسلام الفرنسى
- المتحف البريطانى: لم نتلقَ طلبًا مصريًا رسميًا لاستعادة الحجر.. مسئول حكومى رفيع: خشية الرفض وراء غياب الطلب الرسمى
- مصر استعادت نحو 30 ألف قطعة أثرية منذ 2011
- خبير آثار يونانى: الاستيلاء الاستعمارى لا يختلف عن النهب الحديث
- لجنة تابعة لليونسكو تتيح مسارًا تفاوضيًا لم تستخدمه مصر
- اليونان حولت ملف البارثينون إلى قضية دبلوماسية مستمرة
- محامٍ بريطانى: اعتبارات سياسية وراء تجنب الحكومات المطالبة بآثارها
- أثريون يدعون إلى تحرك رسمى وتحالف دولى لاستعادة الحجر
- حواس: مليون توقيع قبل تحرك دولى لاستعادة الحجر

 

وقف عالم الآثار المصرى زاهى حواس فى المتحف البريطانى، ومن خلفه حجر رشيد، حجر داكن اللون، متآكل الأطراف، كُتبت عليه قبل أكثر من ألفى سنة بالكتابات المصرية القديمة، مطالبًا بعودة الأثر إلى وطنه، بعد خروجه من مصر قبل نحو 225 سنة بموجب اتفاقية الإسكندرية التى أعقبت استسلام القوات الفرنسية للقوات البريطانية والعثمانية.

«الشروق» حصلت على ردود من المتحف البريطانى تكشف أن إدارة المتحف لم تتلقَ طلبًا رسميًا مصريًا واحدًا لاستعادة الحجر، رغم تصاعد المطالبات الشعبية والتصريحات المتكررة عن عودته خلال عقود.
ولا تعد مصر بعيدة عن ملف الاسترداد؛ إذ إنها استعادت نحو 30 ألف قطعة أثرية منذ عام 2014، عبر مسارات قانونية ودبلوماسية، لكن هذا النشاط لم يتحول، وفق ما توصل إليه التحقيق لطلب رسمى مكتوب بشأن حجر رشيد أو غيره من الأيقونات المصرية الكبرى فى المتاحف الغربية.

رشيد.. مدينة لا تملك الأثر


حجر رشيد ولمن لا يعلم، اكتشف عام 1799 فى مدينة رشيد، أثناء قيام ضابط فرنسى يدعى بيير فرانسوا بوشار بأعمال تحصين فى قلعة قايتباى «سان جوليان» خلال الحملة الفرنسية على مصر، إذ كان الحجر داخل جدار القلعة.
وعقب هزيمة الفرنسيين أمام القوات البريطانية والعثمانية، وُقّعت اتفاقية الإسكندرية عام 1801، وبحسب وثيقة حصلت عليها «الشروق» من المتحف البريطانى، نصت المادة 16 من معاهدة الاستسلام الفرنسى على تسليم ما جمعه الفرنسيون من مخطوطات وتماثيل ومجموعات أثرية إلى قادة الجيش المتحالف، ومن حينها اكتسب حجر رشيد مكانة خاصة، بعدما أصبح مفتاحًا لفك رموز الهيروغليفية بفضل النصوص الثلاثة.

وثائق اتفاقية الإسكندرية، كشفت أن حجر رشيد خرج ضمن مجموعة لم تُعرض كاملة للجمهور تضم نحو 16 قطعة بين آثار ومخطوطات احتفظ بها المتحف البريطانى.

المتحف البريطانى ذكر لـ«الشروق» أن المجموعة التى حصل عليها لا تزال ضمن مقتنياته، موضحًا فى جدول أرفقه بالرد أن بعض هذه القطع معروض فى قاعات المتحف، وبعضها محفوظ فى المخازن، وبعضها خرج فى إعارات أو معارض دولية، مؤكدًا أن حجر رشيد المسجل برقم EA24 له خصوصية، ويعرض فى القاعة الرابعة بالمتحف، ولم يخرج إلا مرة واحدة.

وفى ردّه على «الشروق»، أرفق المتحف البريطانى وثيقة أكاديمية للمؤرخ إم. إل. بيربرير. وتذكر الوثيقة أن حجر رشيد كان فى حيازة الجنرال جاك منو، قائد الحملة الفرنسية، الذى حاول الاحتفاظ به ورفض تسليمه. وبحسب الوثيقة، انتزع الكولونيل تومكينز هيلجروف تيرنر، الحجر منه قسرًا، وأصبح فى حيازة القوات البريطانية، ومنذ دخوله المتحف البريطانى، لم يغادر الحجر قاعاته إلا استثنائيًا أثناء الحرب العالمية الأولى لحمايته من القصف.

وبينت وثائق حصلت عليها «الشروق» من جمعية الآثاريين فى لندن، مسار انتقال حجر رشيد إلى العاصمة البريطانية، عبر شبكة المؤسسات العلمية البريطانية، وكانت بداية رحلته عبر سفينة HMS Égyptienne البريطانية.

انطلقت السفينة من مصر، ورست فى ميناء بورتسموث فى فبراير 1802، وبحسب رد جمعية الآثاريين فى لندن، بدأ الباحثون دراسة الحجر فى اجتماع مؤرخ فى 1 أبريل 1802، ودوّنوا وصفه باعتباره حجرًا بثلاثة نقوش من مصر، وفى يوليو من العام ذاته، جرى إهداؤه بمرسوم ملكى إلى المتحف البريطانى.

- وجود الحجر فى لندن جزء من قصته

البريطانيون يعتبرون أن حجر لندن جزء من تاريخ وهوية مدينة لندن، لا يصنفونه كأثر مسلوب من دولة فى سياق عسكرى. ويقول الدكتور ريتشارد باركنسون، المسئول السابق عن قسم الآثار المصرية والسودانية فى المتحف البريطانى، إن حجر رشيد لعب دورًا حاسمًا فى تمكين الأوروبيين من فك رموز الكتابة الهيروغليفية.

ويرى باركنسون فى حديثه لـ«الشروق»، أن انتقال الحجر من مصر إلى أوروبا أصبح جزءًا من قصته التاريخية، وفى الوقت ذاته يؤكد أن الباب يجب أن يظل مفتوحًا لإعادة النظر فى مستقبل الحجر، مقترحًا أن تكون مكتبة الإسكندرية مكانًا مناسبًا لاستقراره إذا طُرحت مسألة عودته.

فى عام 2009، عرض زاهى حواس حينما كان أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للآثار، على المتحف البريطانى استعارة حجر رشيد لعرضه مؤقتًا فى المتحف المصرى الكبير، الذى كان مخططًا افتتاحه عام 2013 قبل أن يتأخر افتتاحه الرسمى إلى نوفمبر 2025، غير أن المفاوضات تعثرت بسبب شرط فى لوائح المتحف يلزم الطرف المستعير بالإقرار بملكية المتحف للقطعة، بحسب الوثيقة المتاحة على الموقع الرسمى للمتحف، والتى تنص صراحة فى بندها الثالث على أن الطرف المستعير «يُقر بأن القطعة ملك للمتحف البريطانى وتخضع لسلطته الكاملة».

فى حينها، رفض حواس هذا الشرط لأنه يُشكّل تنازلًا رسميًا يُضعف أى مطالبة لاحقة، وهو ما علّق عليه زاهى حواس حينها: «نحن لسنا قراصنة، نحن بلد متحضر».

ورغم تكرار هذه المطالبات العلنية، من محاولة الإعارة فى 2009 إلى تصريحات 2018، لم يتحول النقاش إلى مسار آخر أكثر وضوحًا، هو طلب الاستعادة بشكل رسمى؛ إذ لا تظهر الوثائق والردود التى حصلت عليها «الشروق» أن هذا المسار بدأ أصلًا.

ومن 2009 وإلى الآن لم يظهر ما يثبت تقديم مصر طلبًا رسميًا مكتوبًا لاستعادة الحجر، وهو ما أكده الدكتور مصطفى وزيرى، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للآثار خلال الفترة من 2017 حتى 2024، قائلًا إن مصر لم تتقدم بطلب رسمى لاستعادة أى قطعة أيقونية بعينها.

وهو الأمر الذى أكده، المتحف البريطانى لـ«الشروق»، موضحًا «لم نتلقَ أى طلب رسمى من مصر لاستعادة حجر رشيد»، مشيرًا إلى أن قدرته على نقل ملكية القطع الأثرية من مجموعته مقيدة بقانون المتحف البريطانى لعام 1963، الذى يحد من صلاحيات الأمناء فى التصرف الدائم بالمقتنيات إلا فى حالات محددة، موضحًا أن الإعارة تظل مسارًا ممكنًا وفق شروطه ولوائحه.

تلك المسارات المقيدة والشروط المعقدة لاسترداد الآثار، أكدها شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، لـ«الشروق»، قائلًا إن ملفات الاسترداد تخضع لحسابات قانونية ودبلوماسية معقدة، وأن الدولة تتعامل مع كل حالة وفق ظروف خروج القطعة والوثائق المتاحة.

- حسابات الرفض الرسمى

حين طلبت «الشروق» تعليقًا رسميًا على هذه المفارقة، جاء الرد الحكومى عامًا، لكن مسئولا حكوميا رفيعا معنيا مباشرة بملف الآثار، طلب عدم الكشف عن هويته لحساسية موقعه، قال إن غياب الطلب الرسمى يرتبط بخشية من رفض بريطانى قد يضعف الموقف المصرى لاحقًا، ويجعل العودة إلى المطالبة أصعب فى أى تفاوض مستقبلى.

هذا التردد فى استعادة الآثار التى أخذت فى سياقات عسكرية، لا يقتصر وفق جيفرى روبرتسون، على الحالة المصرية؛ إذ يرى المحامى البريطانى المتخصص فى قضايا استرداد التراث الثقافى وصاحب كتاب «من يمتلك التاريخ»، أن الحكومات كثيرًا ما تتجنب المطالبة بإعادة الممتلكات الثقافية لأسباب سياسية.

ويدعم هذه الصورة أن المتحف البريطانى، فى رده على «الشروق» أفاد بأنه لا يحتفظ بأى سجل لاجتماعات أو مراسلات مع ممثلى الحكومة المصرية بشأن حجر رشيد، وأكد المتحف كذلك خلو أرشيفه من أى تقارير أو دراسات داخلية تناولت الجدوى القانونية أو الأخلاقية لإعادة الحجر أو أى من قطع مجموعة 1801.

وبينما امتنعت مصر عن توقيع عقد الإعارة البريطانى لأنه يقر بملكية المتحف، أظهرت وثائق حصلت عليها «الشروق» أن المتحف أعار قطعًا من مجموعة 1801 نفسها إلى متحف CSMVS فى الهند، وفق عقود تضمنت الشروط ذاتها، ما يكشف أن مسار الإعارة قائم لكنه محكوم بشرط سياسى وقانونى حساس بالنسبة لمصر.

- مسارات الاسترداد الناجحة

تظهر المفارقة بوضوح عند مقارنة ملف حجر رشيد بسجل مصر فى استرداد الآثار المهربة حديثًا، ففى عام 2002 أنشئت مصر إدارة عامة لاسترداد الآثار، ومن حينها عملت تلك الإدارة فى تتبع القطع الأثرية المهربة أو المعروضة للبيع فى الخارج، والعمل على استعادتها عبر التعاون القضائى والدبلوماسى مع دول مختلفة.

وقال مدير الإدارة العامة للآثار المستردة شعبان عبدالجواد، فى تصريح مقتضب لـ«الشروق»: إن مصر استعادت نحو 30 ألف قطعة أثرية خلال الفترة من 2011 إلى 2026.

ومن جهته، أكد وزير السياحة والآثار أن مصر لن تتوقف عن المطالبة بآثارها التى خرجت بطرق غير مشروعة أو تحيط بها شبهات قانونية، موضحًا أن الدولة تتعامل مع الملف عبر تنسيق بين مؤسسات عدة، بينها وزارة الخارجية والنيابة العامة وهيئة قضايا الدولة.
الابتعاد عن القطع التى خرجت فى سياق عسكرى أو استعمارى، نمط رصدته دراسة أكاديمية متخصصة نشرتها دورية Springer، إذ خلصت الدراسة إلى أن المطالبات المصرية «تقتصر على القطع المسروقة وعدد محدود من الأيقونات الرمزية، دون أن تُشكّل مسارًا مؤسسيًا شاملًا للقطع التى خرجت فى سياقات استعمارية أو تاريخية».


الأيقونات المصرية فى الخارج


ولفحص حدود مسار الاسترداد، حللت «الشروق» قاعدة من 31 حالة استرداد لآثار مصرية من الخارج خلال الفترة من 2015 حتى يونيو 2026، باعتبار الحالة أو المجموعة المعلنة وحدة للتحليل، لا كل قطعة على حدة، أظهرت القاعدة أن الولايات المتحدة جاءت فى صدارة الدول المسترد منها بـ12 حالة، تلتها سويسرا وإيطاليا وهولندا بـ3 حالات لكل منها.


وأشارت نتائج القاعدة إلى أن النجاحات المصرية الحديثة تحققت غالبًا فى ملفات يمكن التعامل معها عبر إنفاذ القانون أو المصادرة أو إثبات الخروج غير المشروع، لا عبر مسار معلن لاستعادة الأيقونات التاريخية الكبرى الموجودة منذ عقود طويلة فى متاحف غربية.


وكذلك، أعدت «الشروق» قاعدة بيانات لعينة من 40 قطعة ومجموعة مصرية أيقونية محفوظة خارج مصر، اعتمادًا على سجلات متاحف ومصادر أكاديمية ومؤسسية، وتوزعت العينة على 7 دول، تصدرتها الولايات المتحدة بـ13 قطعة أو مجموعة، ثم المملكة المتحدة بـ12، وفرنسا بـ5، وإيطاليا بـ4، وألمانيا بـ3، وهولندا بقطعتين، والنمسا بقطعة واحدة.
اعتمدت «الشروق» فى بناء قاعدة البيانات على ثلاثة معايير: أن تكون القطعة موثقة فى سجلات متحف رسمى، وأن يكون خروجها من مصر قبل عام 1970، وأن تحظى بتصنيف «أيقونى» فى أدبيات علم الآثار الأكاديمية، استُبعدت القطع المجهولة المصدر أو التى لا تتوفر لها وثائق كافية.


ولا تقدم القاعدة حكمًا قانونيًا على مشروعية خروج كل قطعة، لكنها تكشف أن جانبًا واسعًا من الأيقونات المصرية الكبرى خرج عبر مسارات تاريخية متباينة، من بينها التنقيب الأجنبى، ونظام القسمة، والاقتناء القديم، والهدايا الدبلوماسية، وسياقات عسكرية أو استعمارية. لذلك لا يتوقف الخلاف عند سؤال قانونية الخروج، بل يمتد إلى سؤال آخر: هل تكفى قواعد قديمة صاغتها أو استفادت منها قوى استعمارية وبعثات أجنبية لكى تبقى الأيقونات المصرية خارج بلدها إلى الأبد؟


يجيب على هذا السؤال عالم الآثار اليونانى ورئيس مجموعة العمل المعنية بأبحاث الاتجار غير المشروع بالآثار فى كرسى اليونسكو بالجامعة الأيونية كريستوس تسيروجيانيس: السرقة هى السرقة، فحين تقوم الشبكات الحالية للآثار غير المشروعة بالسرقة من بلدان المنشأ، فإن هذا الأمر يماثل تمامًا ما فعلته الجيوش الاستعمارية التى استولت على هذه القطع دون إذن شعوب تلك البلدان، وسوق الآثار غير المشروعة اليوم يقوم على العقلية الاستعمارية القديمة نفسها.


ويتمسك المتحف البريطانى بقانون عام 1963، الذى يقيّد قدرته على نقل الملكية الدائمة لقطع من مجموعته، وهو ما يرفضه تسيروجيانيس، واصفًا القانون لـ«الشروق» بأنه ذريعة وضعتها بريطانيا لخدمة أهدافها؛ لذلك، فإن حله يقع على عاتقها، لا على عاتق الدول المطالبة، ولا ينبغى أن يتحول إلى مشكلة تلك الدول.
وأظهرت بيانات الوثائق التى حصلت عليها لـ«الشروق» من «المتحف البريطانى» أن إحدى قطع مجموعة 1801 نفسها تمثال سخمت المسجّل برقم EA37 ظلّت فى إعارة طويلة الأمد لمتحف والترز للفنون فى بالتيمور الأمريكية طوال 22 عامًا متواصلة، من 2001 حتى 2023.

وبموجب العقد الصادر عن الخدمات القانونية للمتحف والحاصل عليه «الشروق»، فإن نقل الملكية الدائمة يظل مقيّدًا قانونًا، بينما تكشف الإعارة طويلة الأمد لقطع من المجموعة ذاتها أن هذا المسار استُخدم فى حالات أخرى، لكنه لم يُختبر مع مصر فى ملف حجر رشيد.
يرى عضو كرسى اليونسكو، أن إعادة حجر رشيد ومنحوتات البارثينون وغيرها من الآثار من المتحف البريطانى إلى وطنها مسألة وقت لا أكثر، قد يستغرق الأمر سنوات أو عقودًا، لكن هذه الآثار ستعود إلى موطنها، وعلى الدول المطالبة التحلى بالصبر وعدم الرضوخ لأى مطالب تفاوضية غير مقبولة من المملكة المتحدة.


اتفاقية 1970.. الباب الضيق أمام حجر رشيد


صدرت فى عام 1970 اتفاقية اليونسكو لمنع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، لكنها لم تقدم حلًا مباشرًا للقطع التى خرجت قبلها، وبناءً على هذا المبدأ القانونى لا تُطبَّق بأثر رجعى.
وتقول البروفيسورة باتى جيرستنبلث، أستاذة قانون التراث الثقافى ومديرة مركز قانون الفن والمتاحف بجامعة ديبول الأمريكية: إن أغلب عمليات الإعادة التى شهدها العالم فى السنوات الأخيرة لم تأت عبر أحكام قضائية ملزمة، وتشير إلى المسارات السياسية والأخلاقية المدفوعة بضغط الرأى العام وتغير المناخ العالمى حول إرث الاستعمار.


وبشأن شرعية انتقال الحجر إلى بريطانيا عبر اتفاقية أُبرمت فى ظل غياب السيادة المصرية، تقول جيرستنبلث لـ«الشروق» إن «افتقار بعض الاتفاقات التاريخية إلى الشرعية الكاملة، وغياب السيادة الوطنية الكاملة عند إبرامها، يضعفان الحجة القائلة بوجوب استمرار الاستناد بهذه الاتفاقات بوصفها ملزمة قانونيًا حتى اليوم».


وترى أن أزمة حجر رشيد ستظل عالقة إلى أن يتشكل رأى عام ضاغط بما يكفى، ويظهر قائد سياسى مستعد لتبنى القضية لأى سبب كان، كما فعل الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون والبرلمان الفرنسى بالعمل على إعادة الآثار المنهوبة أثناء الحقبة الاستعمارية إلى موطنها.
ويشير أستاذ القانون الدولى محمد مهران إلى أن مبدأ عدم العمل بالقانون بأثر رجعى يعد العقبة الرئيسية فى مطالبات الاسترداد، خاصة إذا كانت القضية متعلقة بقطع تم استخراجها قبل وضع الاتفاقيات الدولية الأخيرة للقوانين المتعلقة بهذا الشأن، مضيفًا لـ«الشروق»: هناك مبدأ آخر يتعلق بالممتلكات الثقافية التى أُخذت فى سياق الحروب أو النزاعات المسلحة، وهو ما قد يفتح بابًا للنقاش فى حالة حجر رشيد.


اليونسكو.. طريق لم تسلكه مصر


لكن ضيق المسار القضائى لا يعنى غياب المسارات الرسمية، فبين المسار القضائى الصعب والشاق والضغط الشعبى غير الملزم، تتيح اليونسكو آلية تفاوضية خصصت أصلًا للملفات التى لا تحسمها الاتفاقيات التقليدية.
ففى عام 1978، أنشأت اليونسكو لجنة حكومية دولية لتسهيل عودة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية. وتوفر هذه اللجنة منصة وساطة يمكن للدول استخدامها فى الملفات التى لا تحسمها الاتفاقيات القضائية التقليدية عبر الطرق التفاوضية والدبلوماسية، ورغم إتاحة هذا المسار منذ عام 1978، لم تظهر حتى الآن مؤشرات على استخدام مصر له فى هذا الملف.


ويظهر الضغط الشعبى كأحد البدائل التى يحاول أثريون مصريون البناء عليها، وهذا الاتجاه يتبناه زاهى حواس لاستعادة حجر رشيد وقطع أخرى أبرزها رأس نفرتيتى وزودياك دندرة، الذى يقول لـ «الشروق» إنه يضغط على الرأى العام البريطانى عبر تجميع التوقيعات، موضحًا: «وصل عدد التوقيعات حتى الآن إلى نحو 350 ألف توقيع على موقع Change.org».


ويشير إلى أن الوصول لمليون توقيع سيعقبه تحرك دولى يعتمد على فريق قانونى يضم ثلاثة مكاتب محاماة متخصصة، مؤكدًا أن الدولة تدعم جهود استعادة الآثار الكبرى، لافتًا إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى يساند هذه الجهود.
وتتمسك الأثرية مونيكا حنا فى حديثها لـ«الشروق» بالمطالبة المستمرة، وتحولها من الجانب الشعبى إلى المؤسسى الرسمى، وتقول إن اليونان لم تتوقف عن المطالبة برخاميات البارثينون، ما جعل القضية ملفًا دبلوماسيًا دائمًا لا حملة موسمية، مؤكدة أن مصر تحتاج إلى نقل ملف حجر رشيد من دائرة التصريحات والحملات إلى دائرة الطلبات الرسمية والضغط المؤسسى.


وتستكمل مونيكا: «قضية مسلة أكسوم استغرقت إثيوبيا نحو ثلاثين عامًا لاستعادتها من إيطاليا»، مؤكدة أن المطالبة قد تستغرق عقودًا، لكنها تحتاج إلى نفس طويل وتحرك رسمى لا ينقطع.
وفى مسار التفاوض، يقترح مجدى شاكر كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، أن تعترف بريطانيا بالملكية المصرية، أو أن تمنحه إعارة طويلة الأمد، داعيًا إلى تشكيل تحالفات مع دول لديها ملفات مشابهة كإثيوبيا والصين والهند والعراق ونيجيريا، موضحًا لـ«الشروق» أن الضغط الدولى متعدد الأطراف أكثر فاعلية من المواجهة المنفردة.


برونزيات بنين.. سابقة أخلاقية لا قانونية


فى السنوات الأخيرة، صارت برونزيات بنين واحدة من أكثر قضايا الاسترداد حضورًا فى المتاحف الأوروبية، بعدما بدأت مؤسسات أوروبية إعادة بعض هذه القطع أو نقل ملكيتها إلى نيجيريا عبر قرارات سياسية وأخلاقية أكثر منها أحكامًا قضائية، من بينها «متحف هورنيمان» فى لندن وجامعة كامبريدج.
وأكد متحف «هورنيمان» لـ«الشروق» ترحيبه بالتواصل مع أى بلد تريد مناقشة مستقبل مقتنياتها، مشيرًا إلى أن كل مطالبة تُدرس على حدة. ورغم اختلاف حالة بنين عن حجر رشيد، إذ ارتبطت الأولى بنهب عسكرى موثق، بينما خرج الحجر فى سياق اتفاق استسلام، فإنها تكشف كيف يمكن للضغط الأخلاقى والسياسى أن يفتح باب الإعادة خارج الأحكام القضائية الملزمة.


وأرسلت «الشروق» أسئلة تفصيلية إلى الوفد الدائم لمصر لدى اليونسكو، وإلى مكتب اليونسكو فى القاهرة، وأمانة اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتعزيز إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية، والمكتب الإعلامى لوزارة الثقافة والإعلام والرياضة فى إنجلترا، بشأن ما إذا كانت مصر قد تقدمت بطلب رسمى مكتوب لاستعادة حجر رشيد، أو استخدمت مسار اللجنة الحكومية الدولية التابعة لليونسكو فى هذا الملف، ومنحت الجهات المعنية مهلة للرد، لكن لم نتلق ردًا حتى موعد النشر.


وبعد أكثر من قرنين على خروج حجر رشيد من مصر، تغير العالم الذى خرج فى ظله الحجر، إذ سقطت إمبراطوريات، وتحررت دول، واستعادت بلدان بعضًا من آثارها المنهوبة، فى حين ما زال الحجر بعيدًا عن موطنه، ليس لأن جميع الأبواب أُغلقت، بل لأن بعضها لم يُطرق بعد، سواء عبر تقديم طلب رسمى مكتوب، أو تفعيل دور لجنة اليونسكو، أو اختبار مسار تفاوضى طويل الأمد، أو المطالبة بالاعتراف بالملكية المصرية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved