صوت في سمع الزمان.. ندوة تستعيد ذكرى ميلاد الشيخ مصطفى إسماعيل وتجربته الفريدة في التلاوة
آخر تحديث: الخميس 18 يونيو 2026 - 10:41 ص بتوقيت القاهرة
محمد حسين
استضاف بيت السناري، مساء الأربعاء، ندوة بعنوان "مصطفى إسماعيل.. صوت في سمع الزمان"، تزامنًا مع ذكرى ميلاده، وقدمها الكاتب والباحث بفنون التلاوة والتراث الموسيقي هيثم أبو زيد، بمشاركة الإعلامي حسن الشاذلي، والدكتور أحمد يوسف، أستاذ اللغة والنقد بجامعة الزقازيق، والشاعر عبد الرحمن الطويل.
وعرض هيثم أبو زيد، خلال الندوة، مجموعة منتقاة من تلاوات الشيخ مصطفى إسماعيل في عدد من المساجد بالقاهرة، كمسجد السلطان أبو العلا، والإسكندرية، وبعض البلدان العربية خلال الستينيات ومنتصف وأواخر السبعينيات.
المتنبي في فن تلاوة القرآن: ملأ الدنيا وشغل الناس
وحلل أبو زيد المقامات وتفرده في الأداء، وتفاعل الجمهور من المستمعين معه، لدرجة صاخبة أحيانًا، تعد تفاعلًا حيًا وصادقًا مع أدائه المعجز الذي يأسر القلوب، فليست كلياليه ليالٍ، كانت السرادقات تكتظ بالناس، ويمتد الزحام إلى الشوارع، ويأتي المحبون رجالًا وركبانًا، كلهم يطلبون إسعاد أنفسهم وقلوبهم بالاستماع لهذا الصوت، وذاك الأداء القوي المحكم الفريد.
ويضيف أبو زيد: "لقد سطعت شمس مصطفى إسماعيل، فحدث دويًّا غير مسبوق"، أو كما يعبر العلامة الراحل محمود الطناحي: "نزل الشيخ مصطفى إسماعيل إلى القاهرة وهي تموج بهذه الأصوات، قراءة وإنشادًا.. أصوات عجيبة مبدعة، جعل الله لكل منها شرعة ومنهاجًا، حتى جاء الشيخ مصطفى فزلزلهم زلزالًا، فكان مثل المتنبي الذي جاء فملأ الدنيا وشغل الناس"
تفرد في المقامات
وأشار أبو زيد، في تحليله لأداء الشيخ مصطفى إسماعيل، إلى أنه لم يكتفِ بالمقامات الأساسية، وإنما يستخدم فروعها باقتدار، ويلون البيات بفرع الشوري، والسيكا بالهزام، والعجم بجهاركاه، والنهاوند بالعشاق، وفي كل هذا يحرص على الإشباع الفني، والقراءة بكل درجات المقام، من القرار إلى الجواب، مع انتقالات نغمية جديدة، سلسة، غير متوقعة، مستشهدًا بما قاله الناقد الموسيقي كمال النجمي، وهو يصف الشيخ وهو يؤدي مقام الراست النوى.
ويقول: "يستخدم الطربزون من ذوي الأصوات واسعة المساحة مقام راست النوى للانطلاق إلى الأجواء العليا، والتغريد كما يشتهون، وأحسن من سمعناه يغرد في الطبقات العليا من راست النوى هو الشيخ مصطفى إسماعيل، الذي كان يتقن في هذا المقام فتخلب الألباب، ولم تسمع طول حياته من بدايته في هذا الباب إلا أم كلثوم والشيخ محمد رفعت".
فيما يضيف "النجمي": "لقد كان الشيخ مصطفى إسماعيل يمتلك صوتًا قادرًا على استيعاب المساحة، وكانت له حصيلة من العلم بالمقامات لا يمثلها عند أحد من المقرئين".
من جانبه، قال الدكتور أحمد يوسف، أستاذ اللغة والنقد، إن الشيخ مصطفى إسماعيل استطاع أن يجمع حوله مختلف فئات المجتمع وطبقاته، مشيرًا إلى أن الوجه الثقافي الشامل لمصر هو ما يميزها عبر تاريخها الطويل، باعتبارها مركزًا للفن والمعرفة والعلم والتصوف.
وأضاف أن مصر أنجبت أعلامًا صنعوا نهضتها الحديثة، سواء في الفن أو الفكر، وكان الشيخ مصطفى إسماعيل واحدًا من أبرز هؤلاء الرموز، إلى جانب أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، مؤكدًا أن تعلقه الشخصي بالشيخ مصطفى إسماعيل، لدرجة أنه ربط بين حصوله على درجة الدكتوراه وشرائه أشرطة التلاوات الكاملة للشيخ، ولا يزال يحتفظ بها ويستمع إليها حتى اليوم.
وقال الشاعر عبد الرحمن الطويل، إن فن التلاوة يمثل نموذجًا فريدًا للتفرد والإبداع؛ إذ يتحكم القارئ في جميع أدواته الفنية، بدءًا من اختيار المقام وطريقة الأداء وصولًا إلى إدارة إيقاع التلاوة وتفاعلها مع الجمهور.
وأضاف أن القارئ يبدو كمن يؤلف قطعة موسيقية بصورة مرتجلة، يصوغها لحظة بلحظة وفق اختياراته الفنية واستجابته لتفاعل المستمعين معه.
بدوره، قال الإعلامي حسن الشاذلي، إن الشيخ مصطفى إسماعيل كان جزءًا من الوعي الذي تشكل لدى أجيال كاملة منذ الصغر، مشيرًا إلى أن والده، الذي كان يدرس في كلية اللغة العربية بالأزهر، كان يحدثه عن تأثير الشيخ الاستثنائي بين علماء الأزهر وطلابه.
وأضاف أن روايات معاصريه كانت تؤكد أنه حينما كان يقرأ القرآن كانت أجواء المكان تتبدل من شدة التأثر، حتى إن البعض كان يصف المشهد مجازًا بأن أعمدة الأزهر تهتز لصوته، في إشارة إلى قوة حضوره وتأثيره العميق في المستمعين.
وأكد أن الشيخ مصطفى إسماعيل ظل بالنسبة لكثيرين القارئ الأول وصاحب المكانة الأبرز بين أعلام التلاوة.
يُذكر أن دار العين أصدرت قبل أشهر قليلة كتابًا للكاتب والباحث هيثم أبو زيد، بعنوان "التلاوة المصرية.. قصة التوهج ومسارات الانطفاء"، وقدم الكتاب القارئ الطبيب أحمد نعينع.
ويستعرض الكتاب عددًا من السمات العامة لمدرسة التلاوة المصرية، من بينها الموازنة بين سلامة التجويد والتيسير في التطبيق، واستعراض القراءات ووجوهها المختلفة، إلى جانب توظيف المقامات الموسيقية في الأداء. كما يتتبع أبو زيد تطور هذا الفن عبر أجياله المختلفة، بدءًا من جيل "رافعو القواعد" الذي ضم مشايخ مثل محمد رفعت وعلي محمود وعبد الفتاح الشعشاعي وطه الفشني وأبو العينين شعيشع، ثم جيل "بناة الصرح" الذي ضم كامل البهتيمي ومحمود خليل الحصري ومحمود علي البنا، وعبد الباسط عبد الصمد ومحمد صديق المنشاوي.
ويتوقف الكتاب مطولًا في فصل مخصص عند تجربة الشيخ مصطفى إسماعيل، باعتباره صاحب مدرسة متفردة في التلاوة، تركت أثرًا واضحًا في أجيال من المقرئين الذين ساروا على نهجه.