آخر متنفس.. بحر غزة يحتضن شبانا أنهكهم الحر والحرب

آخر تحديث: الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 10:56 ص بتوقيت القاهرة

غزة/ الأناضول

- مصطفى الأسطل: حر الخيام لا يُطاق والبحر متنفسنا الوحيد

- ماجد أبو الجديان: نلجأ إلى البحر للتخفيف من ضغوط الحرب والنزوح

تحت شمس الصيف الحارقة، يقف شبان فلسطينيون على كتل إسمنتية بمحاذاة شاطئ القرارة شمال غربي مدينة خان يونس، قبل أن يقفزوا تباعا إلى البحر، بحثا عن فسحة من الفرح وسط حياة أنهكها النزوح وحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.

ومع كل قفزة تتعالى أصوات الضحك والتشجيع جنوبي القطاع المحاصر، بينما يوثق بعض الشبان المشهد بهواتفهم، في محاولة لاستعادة هواية السباحة والغطس التي أبعدهم عنها القصف والخوف على مدى سنوات الحرب.

وبالنسبة لهؤلاء الشبان، الذين يعيش كثير منهم في خيام بمنطقة المواصي غربي خان يونس، بات البحر أحد المتنفسات القليلة المتبقية بعد دمار واسع طال المنازل ومرافق الترفيه، واضطرار مئات آلاف الفلسطينيين إلى العيش في مخيمات ومواقع نزوح تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

ولا يزال نحو 1.9 مليون فلسطيني من أصل 2.1 مليون في قطاع غزة نازحين، وفق تحديث لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" في 17 يوليو 2026، بعدما دفعت الحرب والدمار وأوامر الإخلاء الإسرائيلية معظم سكان القطاع إلى مغادرة منازلهم، وكثير منهم أكثر من مرة.

وفي 9 يوليو، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" خلال زيارة افتراضية لموقع نزوح في المواصي بخان يونس وجود مئات الخيام المكتظة على امتداد الساحل، فيما تحدث نازحون عن حاجتهم إلى مصادر مياه مستدامة، ولا سيما خلال أيام الصيف الحارة، وإلى فرص تتيح لهم تأمين احتياجات أسرهم.

البحر فسحة

من بين هؤلاء مصطفى الأسطل، النازح إلى منطقة القرارة في مواصي خان يونس، والذي بات يقصد البحر مع رفاقه كل يوم جمعة للسباحة والغطس.

ويقول الأسطل للأناضول إنهم يعودون أسبوعيا إلى البحر في محاولة للترويح عن أنفسهم والتخفيف من الضغوط النفسية والمعيشية التي خلفتها الحرب والنزوح.

ويضيف أن مساحات الترفيه المتبقية في قطاع غزة أصبحت محدودة للغاية، ما يدفعهم إلى الاستفادة مما هو متاح لاستعادة شيء من حياتهم السابقة.

ويقول: "حرمنا من الاستمتاع بالسباحة في البحر بسبب الحرب والقصف والخوف".

ويتابع: "نحمد الله أن وتيرة القصف الإسرائيلي هدأت قليلا هذه الأيام، ونأمل أن تتوقف الحرب بشكل كامل، فيكفينا ما مررنا به من مآس وأحزان".

لكن الهدوء النسبي الذي يتحدث عنه الأسطل لا يعني توقف الهجمات الإسرائيلية، إذ تتواصل الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر 2025.

وأسفرت تلك الخروقات حتى الخميس عن استشهاد ألف و265 فلسطينيا وإصابة 4 آلاف و198 آخرين، وفق وزارة الصحة في غزة.

ومنذ الاتفاق، استمرت مساع سياسية لتنفيذ بقية ترتيبات المرحلة التالية في القطاع.

وفي 21 مايو الماضي، طرح الممثل الأعلى لـ"مجلس السلام" في غزة نيكولاي ملادينوف خريطة طريق من 15 بندا، قبل أن يدعو في يوليو تموز إلى استكمال الاتفاق على بنود تنفيذها المتبقية، بما يشمل ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وقضايا أمنية أخرى.

حر الخيام يضاعف المعاناة

ويقيم الأسطل ورفاقه في خيام قريبة من الشاطئ، حيث تضاعف حرارة الصيف وانقطاع الكهرباء وشح المياه صعوبة الحياة اليومية.

ويقول: "حياتنا مليئة بالمعاناة في منطقة المواصي، أضف إلى ذلك الحر الشديد الذي لا نطيقه داخل الخيام".

ويضيف: "الحرب لم تبق لنا متنفسا، فالاستراحات والشاليهات دُمرت بشكل كامل، وبقي لنا البحر".

وتتجاوز أزمة المأوى سكان المخيمات الساحلية، إذ خلص تقييم مشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، صدر في 20 أبريل 2026، إلى أن أكثر من 60 بالمئة من سكان غزة فقدوا منازلهم، فيما تعرض أكثر من 371 ألف وحدة سكنية للدمار أو الضرر.

هواية غيبتها الحرب

وعلى مسافة قريبة من الأسطل، يستعد ماجد أبو الجديان للقفز إلى البحر، مستعيدا هواية السباحة والغطس التي رافقته منذ طفولته وغابت عنه خلال معظم سنوات الحرب.

ويقول أبو الجديان للأناضول، إن عودته إلى البحر تساعده على التخفيف من ضغوط الحرب والنزوح والعيش في الخيام.

ويضيف: "جئنا للترويح عن أنفسنا بسبب الظروف الصعبة التي نعيشها، فالحرارة الشديدة لا تطاق، وقد تعبنا من كل شيء".

ويتابع: "البحر هو متنفسنا الوحيد، لكن الزوارق الحربية الإسرائيلية كثيرا ما تقترب من الشاطئ وتطلق النار والقذائف باتجاه المصطافين والصيادين".

ولا يخلو البحر نفسه من المخاطر؛ ففي 27 يوليو الماضي أصيب 3 صيادين فلسطينيين بنيران زوارق حربية إسرائيلية قبالة ساحل مدينة غزة، ضمن هجمات إسرائيلية متفرقة شهدها القطاع رغم وقف إطلاق النار.

ورغم تلك المخاطر، يواصل الشبان القفز إلى المياه والسباحة وتبادل الضحكات، قبل أن يعودوا إلى خيامهم القريبة حاملين صورا ومقاطع فيديو توثق ساعات قليلة ابتعدوا خلالها عن ضغوط النزوح وذكريات الحرب.

ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني وأصيب ما يزيد عن 174 ألفا آخرين، وفق وزارة الصحة في القطاع.

وإلى جانب الخسائر البشرية، خلفت الحرب دمارا واسعا في المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية، وحولت حياة غالبية سكان القطاع إلى نزوح طويل داخل خيام وملاجئ مؤقتة، بينما تبقى عودتهم إلى منازلهم أو إعادة إعمار ما دُمر مرتبطة باستكمال ترتيبات وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved