إبراهيم المعلم: «أدب وفكر وإنسانية محفوظ» لها مكانة فريدة فى الثقافة المعاصرة

آخر تحديث: الجمعة 18 سبتمبر 2026 - 6:03 م بتوقيت القاهرة

- نجيب محفوظ لرجاء النقاش: أغرب رأى سمعته عن «الثلاثية» ما ذكره الأديب الفرنسى الذى ترجمها إلى اللغة الفرنسية من أن الرواية بأجزائها الثلاثة عبارة عن عمل موسيقى متكامل

- أساتذة تاريخ: ثلاثية محفوظ تقدم نموذجًا لافتًا فى تحويل التاريخ من مادة «ثقيلة وجافة» إلى سرد حى قادر على جذب القارئ


نشرت منذ أيام صحيفة «التليجراف» البريطانية مقالًا نقديًا للناقد جيك كيريدج عن اختياره لـ «أعظم 50 كتابًا على مر العصور»، ومن بينها ثلاثية الأديب العالمى نجيب محفوظ الذى وصفه الناقد بالأقرب ما يكون لـ «تولستوى القرن العشرين»، أكثر من أى كاتب آخر.

وقال كيريدج إن «الثلاثية» تتبعت مصائر ثلاثة أجيال من أسرة قاهرية، على خلفية مرحلة حاسمة من تاريخ مصر، بدأت من الثورة على الاحتلال البريطانى عام 1919 وامتدت إلى تقدم القوات الألمانية فى مصر خلال الحرب العالمية الثانية.

وفى قلب هذه الحكاية وقف السيد أحمد عبد الجواد، رب الأسرة المتسلط، الذى وصفه الناقد بأنه «واحد من أعظم الشخصيات الهزلية الآسرة فى تاريخ الأدب»؛ فهو يفرض سلطة صارمة على أسرته، ويحاول فى الوقت نفسه منع أبنائه من الانخراط فى الاضطرابات السياسية والاجتماعية التى تحيط بهم.

وأضاف أن السيد أحمد عبد الجواد أراد لأبنائه أن يعيشوا بعيدًا عن صراعات عصرهم، وكأنهم سلالة منفصلة، خارج إطار التاريخ، لكن المفارقة الأساسية التى كشفتها الثلاثية هى أن التاريخ لا يسمح لأحد بأن يظل بعيدًا عنه، مهما حاول، وبفضل هذا المزج بين التفاصيل الإنسانية والرؤية التاريخية الواسعة، اقترب «محفوظ»، فى نظر الناقد، من المكانة التى يحتلها ليو تولستوى فى الأدب.

مقال الناقد الإنجليزى نشط الذهن والسوشيال ميديا للحديث عن ثلاثية محفوظ، فالمهندس إبراهيم المعلم رئيس مجموعة «الشروق» فى صفحته على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» قال: «لا شك أن أديبنا الفذ نجيب محفوظ له مكانته الفريدة بين أعظم الأدباء.. وإذا كان محرر التليجراف قد اختار «الثلاثية» ضمن اختياراته لأعظم ٥٠ كتابا على مر العصور، تستحق - من وجهة نظره - أن تقرأ.. فإن أدب وفكر وإنسانية محفوظ لها مكانة فريدة فى الثقافة المعاصرة.. لقد سمعت بنفسى عددا من كبار الناشرين يعبرون عن عميق تقديرهم لأفكار محفوظ الآثرة التى عبر عنها ببلاغته الساحرة - وقرأها محمد سلماوى نيابة عنه - لتكون كلمة «الثقافة والمثقفين العرب» فى الحفل الرسمى لتدشين احتفاء معرض فرانكفورت للكتاب - جوهرة وعمدة معارض الكتاب فى العالم دون منافس - وكيف أنهم لم يعجبوا بما جاء فيها من معان وأهداف فقط بل إن بعضهم سيعتبرونها من مصادر إلهامهم ومحددات تفكيرهم… وكيف رأيت الروائى الشهير پاولو كويلو عندما اصطحبته ليزور محفوظ فى بيته يفاجئنا فور أن دخلنا من الباب بإقدامه بسرعة خاطفة لينحنى على يد محفوظ مقبلا، وهو يقول إننى أقبّل اليد التى ساعدت فى تعليمى الأدب والإنسانية».

غلاف الترجمة الإنجليزية لثلاثية القاهرة


وعن الثلاثية نفسها قال نجيب محفوظ فى حديثه مع الناقد الكبير رجاء النقاش ضمن كتابه الصادر عن دار الشروق «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»: «أغرب رأى سمعته عن «الثلاثية» هو الذى ذكره لى الأديب الفرنسى الذى ترجمها إلى اللغة الفرنسية.

فقد أكد أن الرواية بأجزائها الثلاثة عبارة عن عمل موسيقى متكامل، وشبهها بالأوبرات الموسيقية الكبيرة، وقال إن كل جزء من الرواية يقابل جزءًا فى الأوبرا. وشرح لى كيف أن الجزء الأول فى الرواية يقابل الجزء الأول فى الأوبرا وهو التمهيد، والثانى يقابل الجزء العاطفى، والجزء الثالث هو الختام. وقام هذا الأديب الفرنسى بإصدار كتاب موضوعه الأغانى الموجودة فى «الثلاثية».

غلاف كتاب صفحات من مذكرات نجيب محفوظ


وقوله أيضا: «لم يكن جلوسى اليومى للكتابة بالأمر السهل، لأنه يقتضى أولا أن يكون موضوع الكتابة قد تخمر فى ذهنى، وكان هذا الأمر يجعلنى فى حالة تفكير مستمر، أثناء وجودى فى الوظيفة، وفى أوقات العمل، وفى أثناء المشى، وحتى فى وقت تناول الطعام، وفى كل مرة تأتينى تفصيلة من جسم الرواية، وما الرواية إلا مجموعة تفاصيل صغيرة تتجمع وتكوّن العمل الروائى فى النهاية.

الجلوس للكتابة يقتضى كذلك أن يكون لديك الاستعداد النفسى لها، وفى البداية كنت أجد صعوبة فى تهيئة نفسى للكتابة، وأظل ممسكا بالقلم لمدة ساعة كاملة بدون أن أكتب كلمة واحدة، ومن خلال التعود، وممارسة هذا النظام الصارم، أصبح الاستعداد للكتابة يأتينى بمجرد الجلوس على المكتب، خاصة عندما يكون الموضوع قد اختمر فى ذهنى واستوى ولم يبقَ إلا تفريغه على الورق».

وعن الثلاثية أيضا قال الدكتور محمد عفيفى، أستاذ التاريخ فى مقال له إن: «والحق أننا يجب علينا أن نتعامل مع العمل الأدبى ــ والمثال الواقع لدينا هنا هو ثلاثية محفوظ ــ على أنه يقدم للمؤرخ رؤى وشواهد مختلفة مهمة ولا يقدم وقائع تاريخية، وعلى المؤرخ أن يستفيد من ذلك ويُحسِن هضمه مع مصادره التاريخية الأخرى؛ ليقدم لنا صورة أكثر «واقعية» و«مصداقية».

ويقدم لنا الجزء الأول من الثلاثية إجابات شافية وشواهد حول موقف قطاعات عريضة من الشعب المصرى من الحرب العالمية الأولى، أو حقيقة الأمر من القوى المتناحرة فيها. فقد وقف المثقفون المصريون الليبراليون إلى جانب الحلفاء ضد الوسط.

وربما يرجع ذلك إلى العديد من الأسباب لعل أولها الرغبة فى انتظار الديمقراطية أو الميل للحضارة الفرنسية أو سيادة مفهوم حزب «الأمة» القديم بأن إنجلترا رغم أنها الدولة المستعمرة فإنها تقوم بشكلٍ أو بآخر بدور حضارى فى مصر، وعلينا أن نتعامل مع إنجلترا ونكتسب منها الحضارة الغربية، حتى نستطيع أن نطلب منها الاستقلال عند وقوف مصر على أعتاب الحضارة الغربية، وتعبر عن ذلك بوضوح جريدة «السفور» لسان حال الليبراليين المصريين آنذاك».

ويقدم محفوظ صورة أخرى واقعية لتعاطف القطاعات الشعبية والطلاب والطبقة الوسطى الصغيرة مع دول الوسط ضد الحلفاء بزعامة إنجلترا. ولِما لا أليست بريطانيا هى المحتلة للبلاد منذ عام 1882؟ أليست هى التى تحول بين مصر وعودتها إلى دولة الخلافة العثمانية؟ إنها ليست وجهة نظر الحزب الوطنى – حزب مصطفى كامل – فقط وإنما هى وجهة نظر أغلبية الشعب المصرى آنذاك. من هنا مالت مشاعر أغلبية الشعب المصرى مع ألمانيا حليفة الدولة العثمانية، وعدوة إنجلترا المحتلة. وكان هذا تعبيرا عن المثل القائل «صاحب صاحبى هو صاحبى وعدو عدوى هو صاحبى».

لكن هذه المشاعر انهارت بشدة مع هزيمة ألمانيا – ومعها الدولة العثمانية – وانتصار بريطانيا، وتبخرت الآمال فى جلاء الانجليز، ويأتى خير تعبير عن ذلك على لسان فهمى عبدالجواد الشاب المثقف، طالب الحقوق الذى سيصبح بعد ذلك أحد شهداء ثورة 1919: ومن هنا يعطى محفوظ عبر ثلاثيته وصفا لتطور المكان وتطور هذه الأحياء «بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية» وما لحق بها من تطورات وتغييرات سواء على دورها كأحياءٍ سكنية أو أسواقٍ تجارية رئيسية، وانتقال أدوارها التاريخية إلى الطرف الآخر من القاهرة، تتنازل هذه الأحياء عن طابعها التقليدى الذى عاشت فى إطاره سنين عديدة تحت وطأة التحديث والتغيرات الحضرية التى عرفتها القاهرة آنذاك.

وفى واحدة من ندوات معرض القاهرة للكتاب قال الدكتور أحمد زكريا الشلق أستاذ التاريخ إن ثلاثية نجيب محفوظ تقدم نموذجًا لافتًا فى تحويل التاريخ من مادة «ثقيلة وجافة» إلى سرد حى قادر على جذب القارئ، معتبرًا أن الرواية تمنح الحدث التاريخى ما يفتقده التاريخ التقليدى من حيوية وقرب من الناس.

وأوضح الشلق أن الدراسات الأكاديمية غالبًا ما تعتمد على الوثائق وتحليل النصوص للوصول إلى النتائج، بينما يضيف الأدب بعدًا إنسانيًا يجعل القارئ «يعيش الزمن» بدلًا من الاكتفاء بمعرفة وقائعه.

وأضاف الشلق أن الثلاثية يمكن النظر إليها باعتبارها «كتاب تاريخ» يعالج تأثير الأحداث الكبرى على عامة الناس، مشيرًا إلى أنه يصعب فهم التحولات الاجتماعية فى مصر بين ثورة 1919 وما بعدها دون المرور بهذا العمل.

ولفت إلى أن التاريخ الرسمى ينشغل غالبًا بالحكام والصفوة والصراع العسكرى والحركات السياسية، بينما تذهب روايات محفوظ إلى «تاريخ الناس» وتلتقط انعكاس الوقائع على تفاصيل الحياة اليومية فى البيوت والشارع والمقاهى، كأنها تنزل بالتاريخ من يد النخب إلى قلب المجتمع.

وقال الشلق إن هذا النوع من الكتابة لا ينافس المؤرخ بقدر ما يكمل رؤيته، لأنه يفتح بابًا آخر لفهم الماضى عبر اليومى والهامشى والمنسى، ويعيد وضع الحدث التاريخى «وسط الناس» لا خارجهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved