الخط الأصفر يزحف غربا.. وفلسطينيون بغزة: إلى أين ننزح؟
آخر تحديث: الأحد 18 أكتوبر 2026 - 5:23 م بتوقيت القاهرة
غزة - الأناضول
• مع استمرار تقدم قوات الاحتلال الإسرائيلية، يخشى سكان الأحياء الشرقية فقدان ما تبقى من أراضيهم، وسط تقديرات محلية باتساع السيطرة الإسرائيلية إلى أكثر من 70 بالمئة من مساحة القطاع
كلما تحركت المكعبات الإسمنتية التي تحدد ما يعرف بـ"الخط الأصفر" في قطاع غزة، يتجدد خوف الفلسطينية أم أيمن سليم من أن تضطر إلى جمع ما تبقى من متاع عائلتها والنزوح مرة أخرى، لكن هذه المرة دون أن تعرف إلى أين يمكنها الذهاب.
فبعد نزوحها المتكرر من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، استقرت سليم مع عائلتها قرب "الخط الأصفر" في حي الزيتون، بمحاذاة شارع صلاح الدين، حيث لم تعد الخيمة التي تؤويهم توفر شعورا بالأمان.
وعلى هامش وقفة احتجاجية نظمها عشرات الفلسطينيين، السبت، أمام سوق "العملة" شرقي مدينة غزة، رفضا لاستمرار التمدد الإسرائيلي، تحدثت سليم لمراسل الأناضول عن معاناة عائلتها وخوفها من نزوح جديد.
وقالت إن عائلتها تعيش في قلق دائم كلما تغيرت مواقع المكعبات الإسمنتية التي تحدد مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي، بعدما اضطرت للنزوح مرات عدة وفقدت الكثير خلال الحرب.
ورغم الظروف القاسية، تؤكد سليم تمسكها بالبقاء على أرضها، معربة عن أملها في أن ينشأ جيل جديد يواصل الدفاع عن حق الفلسطينيين فيها.
لكن مخاوف سليم لا تقتصر على عائلتها، بل تعكس معضلة تواجه آلاف الفلسطينيين في الأحياء الشرقية لمدينة غزة، مع استمرار تمدد "الخط الأصفر" غربا، وتقلص المساحات المتاحة للسكن وإقامة خيام النازحين.
نزوح بلا وجهة
في مدينة أنهكتها الحرب الإسرائيلية ودمرت مساحات واسعة من أحيائها، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من النازحين متى يضطرون إلى الرحيل مجددا، بل أين يمكنهم العثور على مكان يستقبلهم.
ويقول رئيس لجنة حي الشجاعية، محمد عبد العال، إن عائلات فلسطينية باتت تفترش الشوارع والطرقات بعدما ضاقت بها أماكن النزوح.
ويضيف لمراسل الأناضول، على هامش الوقفة ذاتها، أن استمرار تقدم القوات الإسرائيلية في المناطق الواقعة ضمن "الخط الأصفر"، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، يهدد السكان بفقدان المزيد من أراضيهم، دون وجود بدائل للإيواء.
ويتساءل عبد العال عن الوجهة التي يمكن أن يقصدها النازحون إذا اضطرت عائلات جديدة إلى مغادرة مناطقها، في ظل الاكتظاظ الشديد وانعدام المساحات المتاحة.
ويؤكد أن السكان يريدون وقف عمليات قضم الأراضي والتمكن من البقاء في مناطقهم، داعيا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والتحرك لوقف التقدم الإسرائيلي.
ولا تتعلق الأزمة بفقدان المنازل وحدها، إذ يواجه الفلسطينيون الذين نزحوا مرارا صعوبة متزايدة في العثور حتى على مساحة صغيرة لنصب خيمة.
من 54 إلى أكثر من 70 بالمئة
ووسط هذه المخاوف، تكشف تقديرات محلية عن اتساع نطاق الأراضي التي باتت خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
ويقول رئيس رابطة أبناء حي الشجاعية، إبراهيم حبيب، إن المساحة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي ارتفعت، وفق تقديراته، من نحو 54 بالمئة إلى أكثر من 70 بالمئة من إجمالي مساحة قطاع غزة.
ويوضح حبيب، في تصريحات لمراسل الأناضول على هامش الوقفة، أن الأحياء الشرقية لمدينة غزة، ومنها الشجاعية والتفاح والدرج والزيتون، فقدت مساحات واسعة من أراضيها، ما زاد الضغط على السكان والنازحين المتكدسين في المناطق المتبقية.
ويشير إلى أن مدينة غزة لم تعد تضم مساحات كافية لاستيعاب المزيد من النازحين، حتى إن العثور على مكان لإقامة خيمة أصبح بالغ الصعوبة، في ظل الاكتظاظ ومحدودية المساعدات الإنسانية.
و"الخط الأصفر" هو خط الفصل الذي انسحب إليه جيش الاحتلال الإسرائيلي بموجب ترتيبات المرحلة الأولى من الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب على غزة، التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.
لكن الفلسطينيين يتهمون جيش الاحتلال الإسرائيلي بمواصلة تحريك المكعبات الإسمنتية التي تحدد هذا الخط باتجاه الغرب، بما يوسع المناطق الواقعة تحت سيطرته على حساب الأراضي المتاحة للسكان.
ومنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي وأصاب عشرات الفلسطينيين بدعوى محاولتهم اجتياز "الخط الأصفر".
الأرض تتقلص والاحتجاج يتصاعد
وأمام هذا الواقع، خرج عشرات الفلسطينيين، السبت، في وقفة احتجاجية أمام سوق "العملة" شرقي مدينة غزة، رفضا لاستمرار تمدد "الخط الأصفر" وقضم المزيد من الأراضي.
وحذر المشاركون من أن استمرار التوسع الإسرائيلي ينذر بموجات نزوح جديدة، في وقت تكاد فيه المناطق المكتظة بالسكان تعجز عن استقبال عائلات إضافية.
وقال حبيب إن الوقفة جاءت احتجاجا على تقدم "الخط الأصفر" غربا واستمرار السيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية.
وأوضح أن المشاركين يسعون إلى إيصال رسالة للمؤسسات الدولية والجهات المعنية بضرورة وقف التمدد الإسرائيلي وتقديم الدعم والإسناد للنازحين الذين لم تعد تتوفر أماكن بديلة لنقلهم إليها.
أما عبد العال، فشدد على أن السكان لا يريدون سوى وقف التقدم الإسرائيلي وتمكينهم من البقاء في مناطقهم، بدلا من دفعهم إلى نزوح جديد لا يعرفون وجهته.
خيام بلا أمان
وتزداد المخاوف من النزوح الجديد في ظل الأوضاع الإنسانية القاسية التي يعيشها مئات آلاف الفلسطينيين داخل الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة بمختلف أنحاء قطاع غزة.
فقد أجبرت الإبادة الإسرائيلية عائلات واسعة على مغادرة منازلها، بعدما تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة، لتجد نفسها في مخيمات تفتقر إلى أبسط الخدمات ومقومات الحياة.
وخلّفت الإبادة الإسرائيلية منذ 8 أكتوبر 2023، أكثر من 74 ألف شهيد وما يزيد على 175 ألف جريح، إلى جانب دمار هائل طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.
وبينما يطالب المحتجون بوقف التمدد الإسرائيلي والحفاظ على ما تبقى من أراضيهم، تتواصل مخاوف العائلات المقيمة قرب "الخط الأصفر" من أن تجد نفسها أمام رحلة نزوح جديدة.
وبالنسبة إلى أم أيمن سليم، فإن استمرار تحرك المكعبات الإسمنتية يعني أن معاناة النزوح التي عاشتها عائلتها مرات عدة قد تتكرر في أي لحظة.
وبين إصرارها على البقاء وخوفها من الرحيل مجددا، تتجسد معضلة آلاف العائلات الفلسطينية في غزة: أراض تتقلص، وخيام تزدحم، ونزوح جديد لا يعرف أصحابه إلى أين يتجهون.