في 5 دول أوروبية.. ماذا وراء تصاعد الاحتجاجات؟

آخر تحديث: الأحد 18 أكتوبر 2026 - 5:56 م بتوقيت القاهرة

إسطنبول - الأناضول

- مطالب المعيشة والتعليم تتقاطع مع الخلاف على الموازنات وأولويات الإنفاق في فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا

 

- الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية حسام شاكر للأناضول: أزمات متراكمة توسع الاحتجاجات واستجابة الحكومات عامل حاسم في مسارها

 

- أستاذة القانون الدولي بجامعة كنت في المملكة المتحدة شهد الحموري للأناضول: معالجة الاحتجاجات تبدأ بحماية الحقوق الاقتصادية والسياسية

 

تدفع مطالب زيادة الأجور والتعليم والسكن، والخلافات بشأن السياسات المالية وأولويات الإنفاق، فئات اجتماعية متعددة إلى الاحتجاج في 5 دول أوروبية، فيما تزيد المواجهات الأمنية وأعمال التخريب من حدة التوتر.

وبين فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا، تتباين شرارة التحركات وأهدافها، لكن مناقشات الموازنات وأولويات الإنفاق وإدارة الاستثمار تبرز ضمن الملفات التي تغذي الغضب.

ويرى الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية حسام شاكر أن أزمات متراكمة تفسر انتقال الاحتجاجات من مطالب فئوية إلى تحركات أوسع، فيما تعد استجابة الحكومات عاملا حاسما في تحديد مسارها.

أما أستاذة القانون الدولي بجامعة كنت في المملكة المتحدة شهد الحموري، فتربط الاحتجاجات بواجبات الدول في حماية الحقوق الاقتصادية والسياسية، مشددة على أهمية الحلول السلمية.

** فرنسا.. الوقود والتعليم والموازنة

في فرنسا، قدّر الاتحاد العام للعمل "سي جي تي" عدد المشاركين في احتجاجات السبت بنحو 800 ألف شخص، بعدما التقت مطالب طلابية ومعيشية مع الاعتراض على مشروع موازنة 2027.

وبحسب بيان أصدره حزب "فرنسا الأبية" في 15 أكتوبر، بدأت الدعوة إلى التحرك من مواطنين معترضين على أسعار الوقود، ثم دعت اتحادات نقابية ومنظمات طلابية إلى المشاركة.

وكان نقص العاملين واكتظاظ الفصول الدراسية ومشكلات المؤسسات التعليمية في صلب الاحتجاجات الطلابية، وفق بيان سابق لـ"سي جي تي".

وعقب مظاهرات السبت، دعا الاتحاد إلى زيادة الأجور والمعاشات والمساعدات الاجتماعية، والاستجابة لمطالب الشباب، ورفض إجراءات مالية يعتبر أنها ستزيد الضغط على الخدمات العامة.

وفي الجانب الحكومي، يتضمن مشروع موازنة العام المقبل إجراءات لضبط المالية بقيمة 54 مليار يورو، لخفض العجز إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية.

وتدافع الحكومة عن المشروع باعتباره يحافظ على الإنفاق ذي الأولوية في ظل ارتفاع أعباء الدين، بينما يطالب اتحاد العمل بمساهمة أكبر من أصحاب الثروات والشركات.

وبعد أعمال نهب وتخريب من محتجين، قالت بلدية باريس، مساء السبت، إن هذه الأفعال "يجب ألا تُخلط بأي حال بتعبئة الغالبية العظمى من المتظاهرين" الذين خرجوا سلميا.

ووصف رئيس البلدية إيمانويل غريغوار، في بيان، العنف بأنه يصرف الانتباه عن مطالب الشباب، معلنا تعبئة خدمات البلدية لإصلاح الأضرار.

** أزمات متراكمة

خلف المشهد الفرنسي، يضع شاكر، في حديث للأناضول من فيينا، أزمات السكن والتعليم والبنى التحتية وجودة الرعاية الصحية ضمن مقدمات الغضب، إلى جانب ما يعتبره اختلالا في أولويات الإنفاق الحكومي.

فصعود الإنفاق العسكري والدفاعي والأمني يقابله، في تقديره، تضاؤل القدرة على تلبية الاحتياجات الاجتماعية ودعم تكاليف المعيشة.

وعن اتساع المشاركة، رأى شاكر أن خروج فئة للاعتراض على قضية مطلبية محددة قد يحرك فئات أخرى، مستشهدا بتحركات تلاميذ الثانويات في فرنسا واتساع المشاركة بعدها.

وتعدد الملفات المطلبية يتيح، بحسب شاكر، تحولها إلى حركة من التظاهر العام، كما حدث مع اتساع المشاركة في فرنسا.

وفي مقدمة ملفات الاحتجاج يأتي السكن، الذي يصفه شاكر بأنه "معضلة حقيقية" في بعض الدول، بينما قد تشكل تكاليف الطاقة محفزا إضافيا للتحرك، لامتداد أثرها إلى أسعار سلع وخدمات متعددة.

ويمثل المشهد الفرنسي، بالنسبة إلى شاكر، امتدادا لموجات غضب سابقة، بينها تحركات "السترات الصفراء"، التي لم تُعالج بعض جذورها، في وقت تحد فيه صعوبات الموازنة والخيارات التقشفية من قدرة الحكومة على احتوائها.

و"السترات الصفراء" هي حركة احتجاجية شعبية انطلقت في نوفمبر 2018، رفضا لفرض الحكومة زيادة في الضرائب على الوقود (الديزل والبنزين) كجزء من خطة التحول البيئي.

** البرتغال.. الأجور والسكن

وفي البرتغال، تكشف الأرقام المسافة بين العرض الحكومي والمطلب النقابي.
فلدى تقديمها مشروع موازنة 2027 في 8 أكتوبر الجاري، أعلنت الحكومة رفع الحد الأدنى الوطني للأجور إلى 970 يورو العام المقبل، مقابل مطالبة الاتحاد العام للعمال برفعه إلى 1100 يورو.

وتشمل المطالب النقابية أيضا زيادة عامة للأجور بنسبة 15 بالمئة، وبما لا يقل عن 150 يورو.

وبينما تقدم الحكومة التخفيضات الضريبية وزيادات أجور موظفي الإدارة العامة باعتبارها وسائل لتعزيز دخل الأسر وتحسين الخدمات، يطالب الاتحاد باستجابة أوسع للغلاء.

وتُرجمت هذه المطالب إلى مظاهرات، السبت، في مدن لشبونة وبورتو وكويمبرا، شارك فيها آلاف العمال، وفق الاتحاد.

وخلال مظاهرة لشبونة، تساءل الأمين العام للاتحاد تياغو أوليفيرا عن كيفية العيش براتب ألف يورو مع إيجار يبلغ 800 أو 900 يورو، إضافة إلى الوقود والسلع الأساسية، بحسب موقع الاتحاد.

وفي سوق السكن، ارتفعت أسعار شراء المساكن بالبرتغال 16.5 بالمئة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، مقابل متوسط أوروبي بلغ 4.7 بالمئة، بحسب مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات".

** بلجيكا وإيطاليا.. الدخل والإنفاق

وفي بلجيكا، تمثل حماية القدرة الشرائية أحد محاور التعبئة النقابية، إذ حذر الاتحاد العام للعمل "إف جي تي بي" من تحميل العاملين والمتقاعدين أعباء إضافية لسد عجز الموازنة.

وشهدت بروكسل في 9 أكتوبر الجاري مظاهرة شارك فيها نحو 30 ألف شخص، بينهم عمال وموظفون وتلاميذ وطلاب، بدعوة من تحالف النقابات العمالية وأحزاب سياسية.

وفي بيان يوم 11 سبتمبر الماضي، حدد الاتحاد العام للعمل اعتراضاته في المساس بآلية ربط الأجور بالأسعار، واحتمال زيادة ضريبة القيمة المضافة، وتقليص الخدمات الصحية وتغيير تنظيم وقت العمل.

أما البديل الذي يطرحه، فيشمل مساهمة أكبر من الثروات الكبيرة وعائدات رأس المال، مع التلويح بإضراب عام إذا تجاوزت الحكومة ما وصفها بـ"الخطوط الحمراء".

أما في إيطاليا، فجمعت دعوة تحالف "الطريق الرئيسي"، الذي يضم نقابة "سي جي آي إل" وأكثر من مئة جمعية، إلى مسيرة روما يوم 17 أكتوبر بين المطالب الاجتماعية ورفض تحويل الاقتصاد إلى "اقتصاد حرب".

وضمت قائمة المطالب زيادة الأجور ومواجهة عدم استقرار العمل والدفاع عن الخدمات العامة ونظام ضريبي تصاعدي.

والسبت، شهدت عدة مدن إيطالية مسيرات واحتجاجات واسعة النطاق، احتجاجا على ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار، وتراجع الرعاية الصحية العامة.

وعلى صعيد أساليب الاحتجاج، انتقد رئيس إقليم ليغوريا ماركو بوتشي، عبر بيان في 16 أكتوبر، عرض دمى وصور لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ووزير التعليم جوزيبي فالديتارا مقلوبة خلال احتجاج في جنوة.

ومع تأكيده حق التظاهر، اعتبر بوتشي تلك الممارسات تجاوزا للحدود.

** ألبانيا.. الاستثمار والأمن

وفي ألبانيا، شهدت العاصمة تيرانا السبت يوما خامسا من مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، مع مطالبة المحتجين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، الذي تعهد الاستماع لمطالبهم مع تحذيره من تعريض البلاد للخطر.

ويمتد جانب من خلفية التصعيد في ألبانيا إلى الخلاف بشأن مشروعات سياحية في جزيرة سازان ومنطقة زفيرنيتس الساحلية، وما يحيط بها من نزاعات تتعلق بالملكية والبيئة والشفافية.

وردا على الجدل، نفى راما، عبر بيان في 15 يونيو الماضي، أن تكون جزيرة سازان معروضة للبيع، موضحا أن الصيغة المقترحة تقوم على مشاركة الدولة في الاستثمار مع احتفاظها بملكية الجزيرة.

وأقر بوجود مطالبات متنازعة بملكية أراض معروضة على القضاء، مع الدفاع عن الإجراءات الحكومية والبيئية المتبعة.

ثم أعلن راما، في 3 أكتوبر، إطلاق منصة لنشر وثائق الملف، قائلا إن المبادرة جاءت بدفع من احتجاج بدأ مطلع يونيو الماضي.

ومع المواجهات الأخيرة، أدانت وزارة الداخلية الاعتداءات على عناصر الشرطة والممتلكات، مؤكدة أن حق الاحتجاج السلمي لا يبرر العنف.

في المقابل، دفع فيديو لشاب مصاب إلى فتح تحقيق في طريقة تعامل عناصر الشرطة معه قرب البرلمان.

وبحسب بيان الشرطة، يظهر في المقطع شاب (19 عاما) مصابا في ساقه أثناء اقتياده، وقد أُوقف أربعة عناصر ومسؤول للنظام العام عن العمل، مع بدء تحقيق تأديبي وتحقيق بالتعاون مع النيابة.

** الحقوق الاقتصادية والسياسية

ومن واجبات الدولة تجاه السكان تنطلق الحموري في قراءتها للاحتجاجات، معتبرة أن معالجتها تتطلب النظر إلى أسبابها الاقتصادية، إلى جانب إدارة الشارع.

وقالت للأناضول إن "على الدولة واجب حماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين من خلال ضمان الحياة الكريمة والحق في التعليم لمواطنيها".

وتفاوت الحصول على الخدمات، خصوصا لدى الأسر الأقل دخلا وذوي الخلفيات المهاجرة، يعكس، في تقديرها، تقصيرا في الوفاء بهذه الواجبات.

وإلى جانب ذلك، تضع الحموري حق التعبير عن الرأي ومحاسبة السلطات ضمن الحقوق السياسية التي تتيح للمواطنين الاعتراض عندما لا تفي الدولة بالتزاماتها.

وعلى المستوى الأوسع، تربط اتساع التحرك الشبابي في أكثر من دولة أوروبية ببنية اقتصادية تعتبر أنها تهمش الطبقات العاملة.

أما في التعامل الأمني، فتشدد على ضرورة اللجوء إلى وسائل سلمية، من بينها التفاوض مع ممثلي المتظاهرين ومحاولة الوصول إلى حلول.

أما قمع التعبير عن المطالب، فيضيف، وفق تقييمها، مساسا بالحقوق السياسية إلى التقصير الذي تنسبه إلى السلطات في المجال الاقتصادي.

وترى أن عنف الشرطة يتجه عادة بصورة أكبر نحو الفئات ذات الخلفيات المهاجرة وأبناء الطبقات الفقيرة.

وشددت على أهمية "الوصول إلى حلول سلمية لا عنيفة مع المتظاهرين"، بالتوازي مع معالجة المطالب الاقتصادية.

** التواصل واستجابة الحكومات

وتتيح منصات التواصل، بحسب شاكر، تنسيقا أسرع للمجموعات الشبابية، حتى دون وجود أطر نقابية تقود تحركاتها.

وقد يمتد أثر الاحتجاج إلى فئات أخرى داخل البلد نفسه أو خارجه، لكن طغيان مشاهد الصدام والغاز والأدخنة دون سياقات كافية يؤدي، بتعبيره، إلى "تشكيل صور مجتزأة عن الواقع".

ولصور المواجهات أثر متباين في المشاركة؛ إذ قد تدفع بعض الناس إلى الابتعاد، بينما تحفز آخرين أكثر استعدادا للصدام أو التعبير عن الغضب، وفق تحليله.

وفي تحديد المسار المقبل، يمنح شاكر استجابة الحكومات أهمية خاصة، من سلوك الشرطة إلى لغة المسؤولين ومدى الاستعداد للحوار.

غير أن التفاوض يواجه عقبة يختصرها بقوله إن "غياب وجود ممثلين حقيقيين وواضحين للمشهد الجماهيري سيعقد هذه المهمة".

وتخفيف التوتر يتطلب، في تقديره، حماية الاحتجاج السلمي واستجابات عملية للمطالب، إلى جانب مراجعة ما يعتبره اختلالا في أولويات الإنفاق.

وتتجه نقابات إلى مواعيد جديدة للتعبئة؛ ففي فرنسا دعا "سي جي تي" إلى إضراب ومظاهرات في 5 نوفمبر المقبل.

وفي البرتغال، حدد الاتحاد العام للعمال تجمعا أمام البرلمان في 24 من الشهر نفسه، بالتزامن مع الموعد المتوقع للتصويت النهائي على الموازنة.

وفي بلجيكا، أبقى الاتحاد العام للعمل احتمال الإضراب العام في 23 نوفمبر مرتبطا بخيارات الحكومة واستجابتها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved