صخرة الجوع تعاود الظهور.. كيف حولت موجة الجفاف في أوروبا نهر الدانوب إلى رمز لأزمة المناخ؟

آخر تحديث: الأربعاء 19 أغسطس 2026 - 3:50 م بتوقيت القاهرة

رنا عادل

لم يعد انخفاض منسوب نهر الدانوب في أوروبا مجرد أزمة مائية عابرة؛ بعدما كشفت موجة الجفاف الشديدة عن مشاهد غير معتادة امتدت على طول النهر، من ظهور أجزاء واسعة من قاعه إلى تضرر المحاصيل وتهديد إمدادات المياه والطاقة.

ورصد تقرير لصحيفة "الجارديان" تداعيات هذه الأزمة من خلال جولة امتدت لأكثر من 160 كيلومترا على طول نهر الدانوب في المجر، وشملت عددا من المدن والقرى، والتي بينت آثار الجفاف على السكان والزراعة والطاقة والطبيعة، ليصبح النهر أحد أبرز الرموز التي تجسد تداعيات أزمة المناخ المتفاقمة في أوروبا.

صخرة الجوع تظهر من جديد

في بودابست، أعاد انحسار مياه الدانوب إلى الواجهة صخرة عُرفت تاريخيا باسم "صخرة الجوع"، والتي كان ظهورها في الماضي ينظر إليه باعتباره علامة على انخفاض مستوى النهر لمستوى يصل إلى تهديد المحاصيل وينذر بأوقات من نقص الغذاء.

ومع وصول منسوب المياه إلى مستويات قياسية الانخفاض، ظهرت الصخرة تقريبا بكاملها، إلى جانب مساحات واسعة من القاع الرملي للنهر، في مشهد أعاد هذه الأسطورة القديمة إلى الواقع.

نهر الدانوب يكشف ما أخفته مياهه

وبحسب التقرير، ظهرت جزر ومساحات شاسعة من القاع الذي كان مغمورا بالمياه، وتشققت التربة الطينية بسبب الحرارة والجفاف، لدرجة أنه في بعض المناطق بالقرب من مدينة سانتاندري، أصبح من الممكن السير داخل مجرى النهر والمياه لا تتجاوز الكاحلين.

ولهذا السبب، قطع جابور كورتي، رئيس نادي الدراجات المجري، نحو 30 كيلومترا فوق أجزاء مكشوفة من قاع الدانوب، في رحلة أراد من خلالها لفت الانتباه إلى حجم التغير الذي طرأ على النهر نتيجة الجفاف.

كما كشف انحسار المياه عن آثار وأشياء ظلت مختبئة تحت سطح النهر لسنوات، ومن بينها بقايا جسر دمر بعد الحرب العالمية الثانية في بودابست، وسفينة حربية نازية، وقنبلة بريطانية غير منفجرة، بالإضافة إلى بقايا ماموث صوفي.

نقص مياه الشرب وجفاف المحاصيل

وانعكست الأزمة على حياة السكان والقطاعات التي تعتمد على مياه الدانوب بشكل أساسي، فقد عانت بعض المدن من نقص في مياه الشرب، وانقطعت المياه عن حوالي 5 آلاف أسرة في سانتاندري، واضطرت السلطات إلى تخزين وتوزيع كميات كبيرة من المياه، خصوصا على كبار السن والفئات الأكثر احتياجا.

وفي المناطق الزراعية، كانت الخسائر أكثر وضوحا، وذلك بعدما تسببت الحرارة والجفاف في تدمير أجزاء كبيرة من المحاصيل، حيث ذكر أحد المزارعين بقرية بوتشميجير في تصريحات لـ"الجارديان"، أنه فقد نحو نصف محصوله، مع احتمال ارتفاع الخسائر إلى 70%، وأنه لم يشهد كارثة مماثلة منذ بدء عمله في الزراعة.

وحذر رئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار الأسبوع الماضي من أن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن موجة الجفاف الحالية يتوقع أن تتجاوز الخسائر التي خلفتها موجة الجفاف التاريخية التي ضربت الأراضي الزراعية في المجر عام 2022.

انخفاض المياه لا يعني تراجع خطر الغرق

ومن المخاطر التي كشفها التقرير وتسببت بها انخفاض منسوب النهر، اعتقاد البعض أن تراجع المياه يعني أن النهر أصبح أكثر أمانا، وأوضح لازلو بالاز، رئيس خدمة الإنقاذ النهري في سانتاندري، لـ"الجارديان"، أن السباحة والملاحة ممنوعتان في المنطقة، لكن بعض الأشخاص ما زالوا يدخلون المياه هربا من الحر، دون إدراك أن قاع النهر قد ينحدر فجأة إلى برك عميقة، وهو ما يعرضهم لخطر الغرق.

وظهرت خطورة ذلك في نهاية يونيو، عندما أعلنت شرطة بودابست فقدان ثلاثة أشخاص في نهر الدانوب خلال أسبوع واحد، وتم انتشال جثة أحدهم، بينما استمرت عمليات البحث عن الشخصين الآخرين باتجاه مجرى النهر.

الجفاف يهدد المحميات الطبيعية

وفي ناجيتيتيني، تضررت المحميات الطبيعية الواقعة ضمن السهول الفيضية لنهر الدانوب بشكل كبير، ومع اشتداد الجفاف بدأت السلطات المجرية ضخ المياه إلى مساحات واسعة من المحميات للحفاظ على الأراضي الرطبة ومنعها من الجفاف، حيث تضم هذه المحميات نباتات متسلقة وعددا من الحيوانات الأوروبية.

أزمة طاقة تتزامن مع انخفاض المياه

وامتدت الأزمة إلى قطاع الطاقة، فعلى سبيل المثال، أدى انخفاض منسوب الدانوب وارتفاع حرارة المياه في المجر إلى اضطرابات مرتبطة بتبريد المفاعلات النووية، وهو ما دفع البلاد إلى إغلاق معظم مفاعلات محطة باكس النووية المبردة بمياه النهر، وهي سابقة لم تحدث منذ 44 عاما.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved