السينما سلاح «كان السينمائى» فى مواجهة لا إنسانية الظلاميين

آخر تحديث: الإثنين 20 مايو 2019 - 12:30 م بتوقيت القاهرة

*«البؤساء» يعيد نبوءة «هوجو» بأن الصدام المجتمعى ما زال مستمرا.. ومشهد إبداعى يحذر الجميع ويضع الفيلم فى منافسة حقيقية للفوز بالسعفة الذهبية
* فيلم «يبتلع كابول» يبرز فعلا إنسانيا خطيرا فى وقت قاتم لرواية «ياسمينة خضرا» الرائعة

لا يزال العنوان الكبير لرواية فيكتور هوجو «البؤساء» مصدر إلهام كبيرا لصناع السينما، بما تحمله من معنى ومن دراما حياتية تستمر فصولها على مر الزمان، وصراع لم تهدئه متغيرات عصر وسياسات، وقد شهد مهرجان كان السينمائى الدولى عرض فيلم فرنسى جديد بعنوان «البؤساء» ينافس على السعفة الذهبية للمخرج لادج لى، والذى أبهر الجمهور بلغة إبداعية كبيرة توحى برهان تيرى فريمو مدير المهرجان على خروج دورة استثنائية فى عروض الدورة ال72، فالفيلم يصور بواقعية كبيرة قصته التى تبدأ أحداثها من أحداث الشغب العنيفة التى شهدتها باريس لمدة ثلاثة أسابيع عام 2005، وحملات عنيفة بين الشرطة وفئات من المجتمع وشارك بها أطفال.
فى بداية الفيلم يرصد المخرج فى كادر على اتساعه مشاعر وحدة وطنية للقطة منتصف يوليو 2018، وقد خرج كل شخص حى فى باريس تقريبا إلى الشوارع للاحتفال ببطولة كأس العالم فى فرنسا تم تركز الكاميرا على صبى مسلم يدعى عيسى، وقد تلون بألوان علم فرنسا ويسير مع الجميع نحو قوس النصر فى مشهد يحل مؤقتا جميع أنواع الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية على طول الطريق. إنه مشهد جميل، لكن عيسى يفطن بما يكفى ليعرف أن كل هذا الفرح سوف يصل إلى العداء عندما تشرق الشمس فى صباح اليوم التالى.
ويطوف المحرض على بعض نماذج المجتمع، وخاصة التى تنتمى إلى جذور إفريقية بملامحها المجهدة فى صراعها من أجل البقاء والحياة، وأطفال يعبثون بالشارع، بينما نرى انضمام، الشرطى
«داميان بونارد» إلى فرقة شرطة مكافحة الجريمة فى منطقة مونتفيرميل بباريس، مع زميليه، كريس «اليكسيز مونينتى» وجوادا «جبريل جوندو» لتستكشف عبر مشاهد متتالية التوترات الموجودة بين تلك الشرطة والسكان المسلمين الفقراء الذين يواجهون متاعب كثيرة، وتتطور الخلافات والصراع إلى لحظات أكثر عنفا، من الصغار الذى يحمون كل شىء، حتى فى مواجهة الاشرار، لم يعدوا يسمعون لأحد وقد وضع المخرج وحشية الشرطة فى مواجهة عنف فئة مدنية، ويقف الطرفان فى مواجهة صادمة، كل منهما على أهبة الاستعداد للقضاء على الآخر، ولكن عبقرية الفيلم فى أنه وقف عند ذلك المشهد، فى صورة مدهشة ومبهرة، حتى لا تعرف ماذا يمكن أن يحدث، وأن الصراع ما زال مستمرا، والواقع أنها من أجمل اللحظات سحرا على شاشة السينما، وأكثرها عمقا وفكرا، فهى تعكس الالم والمعاناة والحلم الغاضب لمجتمع بمحاولاتها الطموحة لإثارة مخاوف العنف والرعب على جانبى الحياة البشر والقانون أو فى معركة السلاح والوصايا.
الحوار فى لحظات المواجهة كان واعيا وذا دلالات، ولا يتظاهر بأنه صورة فريدة من أشكال الظلم الاجتماعى، فرجل الشرطة العصبى يصرخ دائما «إنه أنا القانون»، بينما أفراد المجتمع العشوائى يتحاورون بلغتهم التى تحمل المخاطرة والعناد، بنظرات موحية ومشية مشوهة، وان قانونهم صامد أمام قانون الشرطة الذى بات لا حول له ولا قوة، سيناريو الفيلم الذى قدمه ادج لى وشارك فى كتابته جيوردانو جيدرلينى وأليكسيس ماننتيا ربما أراد أن يلفت نظرنا عن نية الجيل الجديد، باستعادة رمزية نص وطنى ملحمى، ليعكس الواقع الأكثر تنوعا فى فرنسا المعاصرة، وعبرت المشاهد عن خلاصة فكرة هوجو «لا توجد نباتات سيئة أو رجال سيئون، لا يوجد سوى مزارعين سيئين »، حيث تأثر المراهقون بما يحدث من توترات، بينما نرى طفلا يصور بكاميرته الطائرة العنف بين أفراد الشرطة الذين يرتدون ملابس مدنية والصغار، لحظة إطلاق نار، ليتحول الصراع كيف تأتى الشرطة بشريط التصوير خوفا من انتشاره.
صور المخرج شخصياته المختار ة بإحساس قوى وحميم وصادق وهو ما يمنحها بريقا خاصا، ربما ستمنح العمل مؤشرات كبرى للمنافسة على السعفة الذهبية.
الاداء التمثيلى لضباط الشرطة الثلاثة الذين ينتمون لثقافات فكرية وجغرافية مختلفة كان رائعا، وكذلك الاطفال فى اشتباكاتهم، وهم يؤدون بإصرار ووعى.
«كشف طالبان» بـ«نظرة ما»
تبقى السينما هى السلاح الاهم للوقوف على لا إنسانية الافكار الظلامية والظلاميين، تكشف زيفهم وخداعهم، وسطوتهم تحت رداء الدين، وقد عرض مهرجان كان فى «قسم نظرة ما» فيلما مهما بعنوان «ويبتلع كابول» للمخرجتين زابو بيريتمان ايليا جوبى ميفيليك التى عملت كمصممة فى Lastman ورسامة فى فيلم النبى، حيث تغوصان فى كابول طالبان التى تقهر حياة الجميع ويحققان عبر عملهما بالرسوم المتحركة ثنائية الابعاد بألوانها المدهشة رؤية جميلة لرواية ياسمينة خضرا وتكييف خيالها الأدبى الأنيق عن الحياة الخاضعة لسيطرة طالبان فى العاصمة الأفغانية.
العمل تدور احداثه فى كابول، عاصمة أفغانستان، فى أواخر التسعينيات، حيث أغرق عهد طالبان المجتمع المحلى فى ظل الظلامية، تحت الحكم الصارم للشريعة والمتعصبين المسلحين. تم تدمير الجامعة، والموسيقى محظورة، وتجرى أعمال الرجم فى منتصف الشارع لسيدات والإعدام العلنى للرجال فى ملعب لمباريات كرة القدم المفتوحة فى الاستاد الوطنى والحضور يشاهدون المشهد إجباريا فى المدرجات، ونشاهد كيف استولى الخوف على وعى المواطنين وحياتهم اليومية، ولكل النساء اللواتى أجبرن على مرافقتهن للسير فى شوارع المدينة وإدانتهن بالبقاء مختبئات تحت الحجاب والبرقع التقليدى على مستوى العين، تلك الحياة كانت مرادفة للعدم، وقد اتخذت هيمنة الذكور أبعادا ساحقة باسم الدين (وباسم السيطرة الجماعية) . إنها فى قلب هذه الفترة المظلمة للغاية، اختارت ياسمينة خضرا أن تغمر نفسها فى روايتها الرائعة الأكثر مبيعا The Swallows of Kabul (نشرت فى عام 2002) عن الحياة الخاضعة لسيطرة طالبان فى العاصمة الأفغانية، وأبرزالعمل فعلا إنسانيا خطيرا فى وقت قاتم وعنيف من خلال قصص اثنين من الأزواج اللذين يتشابك مصيرهما من خلال الموت والسجن والتضحيات الذاتية الرائعة، فنحن امام ثنائيين مختلفين. الجانب المحافظ ــ عتيق وزوجته مسرات متزوجان منذ 20 عاما ومحافظان على تقاليد الحياة الأفغانية، يعمل عتيق كحارس فى سجن للنساء بينما مسرات مريضة وتحاول جاهدة بأن تبقى قوية حتى النهاية. الجانب الحديث ــ (الشباب والحب) زوناريا ومحسن يقفان ضد كل التقاليد الموجودة فى ظل حكم طالبان، فقد الاثنان وظائفهما كمحامية ومعلم فى الجامعة ويعانيان من صعوبة فى تلبية حاجياتهما اضطرتهما إلى بيع ممتلكاتهما من أجل لقمة العيش، إلا أنهما عازمان على الحفاظ على قيمهما الحديثة. ذات يوم.. رجم، إهانة، ثم قتال… تأخذ الحياة منعطفا بسبب غلطة محسن لتتاشبك فيه حياة هؤلاء الأزواج المتعارضة تماما، وهو السرد الدى يوفر الحبكة الأساسية للفيلم، وإن كان تكثيفه فى 81 دقيقة غير كاف للسياق الدرامى للشخصيات وأحداثها المفعمة، وان كان قد نجح فى طرح سياقه بشكل كبير وشاعرى.
وأجمل ما فى الفيلم، هو التمسك بالامل ومحاولة التصدى لارهاب تلك الجماعة التى تحاول السيطرة حتى على أحلام الناس، حيث نجد الزوجة العاشقة لزوجها تلقى فى السجن بعد موت زوجها، وتقوم زوجة الحارث التى تقطن بزنزانة مجاورة بارتداء ملابسها بدلا منها عندما تعرف بأن طالبان يريد قتلها، ويتم بالفعل قتل زوجة الحارس العجوز، وتنقذ الاخرى، وتصبح التضحية هى الثمن الذى يتم دفعه من أجل الحب، وعندما يكتشف الامر، يقوم الحارس فى مشهد انسانى رائع بتهريب الشابة ودموع التحدى تملأ عينيه، وتذهب الشابة إلى عالم التاريخ والفن الذى كان زوجها ينوى الرحيل إليه، ويفتح العالم بابه لها، وينتهى الفيلم وسط تصفيق طويل من المشاهدين منتزعا أهات الإعجاب.
قيمة الفيلم تكمن فى إرادة تحدى الموت على يدى الظلاميين، وفى تلك الروح والاصرار على البقاء، وكانت الرسوم المتحركة نابضة بحياة شخوصها وكأنها من لحم ودم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved