سارة حامد حواس: الترجمة عملية إبداعية مكتملة الأركان وهي طريقنا نحو الجوائز العالمية
آخر تحديث: الأربعاء 20 مايو 2026 - 4:07 م بتوقيت القاهرة
حوار - محمود عماد
- أسرار الكتابة بلورت حبي وشغفي بالكتابة
- التحولات في القصيدة الجديدة جعلت الفضاء مفتوحا للتجريب والبحث عن هوية جمالية مغايرة للأشكال الشعرية الكلاسيكية
تشكل مسيرتها مزيجا بين الشعر والترجمة، لكنها لا تنقل الكلمة فقط، بل تعيد بشكل ما صياغتها؛ لأنها تعرف أدوات المترجم الأدبي، الذي كما تقول ليس مجرد ناقل للغة، ولكنه شريك في صنع النص ذاته.. هذا ما تؤمن به الكاتبة والمترجمة والشاعرة سارة حامد حواس، ويظهر جليا في كتابها "أسرار الكتابة.. كما يرويها كتاب العالم"، الذي أعدته وقدمته، وقام بتحريره وتقديمه الكاتب والشاعر أحمد الشهاوي، وصادر حديثا عن الدار المصرية اللبنانية.
في هذا الكتاب تحديدا تضعنا سارة حامد حواس أمام ورشة كتابة عالمية أسستها بفعل الترجمة، ولكن ليس بمعنى النقل، بل بالاشتراك في الإعداد والاختيار، بجانب صنع الكلمة، ففي الشعر تتألق كونها تؤلف وتترجم وتحرص على خروج الكلمة الشعرية بروحها، لا بمجرد نقلها، وهذا ما نجده في كتابها "في قلبي قارة"، الصادر عن بيت الحكمة للثقافة، حيث تترجم فيه الشعر الأفرو-أمريكي، لكنها لا تكتفي بالترجمة فقط، إنما تصنع سيرة للشعراء الذين تتناول أعمالهم.
ومن أجل محاولة الاقتراب من مشروعها في الترجمة والشعر، وخاصة في كتابيها "أسرار الكتابة" و"في قلبي قارة"، حاورتها "الشروق"؛ للتعرف على أسرار الكتابين.
• حدثينا عن كتابك "أسرار الكتابة كما يرويها كُتاب العالم"، وكيف جاءت فكرة هذا المشروع؟
- أتت الفكرة من فرط حبي وشغفي واهتمامي بعملية الكتابة نفسها؛ فأنا منذ طفولتي شغوفة بالكتابة كفعل حب ونجاة، أحب كل ما له علاقة بالكتابة، أسلوبا ومنهجا وطقوسا وعادات، فأثناء قراءتي لأي عمل أدبي، لا أهتم فقط بالأفكار والموضوعات والأحداث، بل أهتم أيضا بمراقبة تدفق كلمات الكاتب في نصه، وأدون بصمة روحه فيما يكتب، وأتابع كيف صاغ أسلوبه وصوره وأفكاره.
ولا أكتفي بتلك التفاصيل فقط، بل أطلع على ما وراء كواليس الكتابة، كيف بدأ الكاتب رحلة الكتابة، وما مصادر إلهامه، وكيف وأين يكتب، وما الصعوبات التي واجهته في بداية رحلته الإبداعية، كما أهتم بتفاصيل العمل الأدبي نفسه، ومن هنا بدأت فكرة ترجمتي لنصوص تتناول "عملية الكتابة" لعدد من كبار كُتاب العالم؛ فأنا أترجم ما يسر روحي ويثري عقلي ويشبع شغفي واهتمامي، فالترجمة فعل حب كما الكتابة.
• يضم الكتاب أصواتا لكُتاب من ثقافات ولغات مختلفة.. كيف تعاملتِ مع هذا التنوع أثناء الترجمة؟
- في هذا الكتاب تناولت عملية الكتابة عند عدد من كبار الكُتاب العالميين المؤثرين في العالم العربي، فبعضهم نال جائزة نوبل في الآداب، والبعض الآخر نال جائزة البوكر البريطانية، ومنهم من نال جوائز أخرى كثيرة؛ فكان معياري في الاختيار ليس الجوائز فقط، بل قوة تأثير هؤلاء الكاتبات والكُتاب على التكوين الثقافي للمتلقي العربي.
عندما كنت أقدم على ترجمة نصوص الكتابة لأي كاتب، كنت أبحث في مواقع التواصل الاجتماعي عن اهتمامات القراء في قراءة أعمال ذلك الكاتب أو تلك الكاتبة، وذلك عبر نشر أغلفة كتبهم المترجمة أو نشر اقتباسات منها على صفحاتهم الخاصة.
كما كنت أتابع المقالات المكتوبة باللغة العربية عن هؤلاء الكاتبات والكُتاب المنشورة في مختلف المواقع والمجلات والجرائد العربية المهتمة بالشأن الأدبي الثقافي؛ فهدفي الأول من هذا الكتاب إفادة المتلقي العربي وإمداده بما يفيده ويهمه ويحب أن يقرأه عن كُتابه وكاتباته العالميين المفضلين.
وقبل أن أبدأ في ترجمة تلك النصوص، آثرت أن أضع نفسي في موقع القارئ وليس موقع الكاتب أو المترجم، لكي أستطيع أن أشعر شعوره وأعرف مواطن اهتمامه لأشبع عند المتلقي رغبته في حب المعرفة بهذا الشأن.
كما اهتممت أن أتنوع في اختياراتي، فترجمت نصوصا عن الكتابة لكاتبات وكُتاب من قارات أمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا وإفريقيا وآسيا، لأقدم خلفيات ومدارس أدبية وثقافية واجتماعية متعددة للقارئ العربي تثري معرفته وتحيطه بما يجري في عالم الكتابة بمختلف أنحاء العالم.
• هل هناك فصل شعرتِ أنه الأقرب إليك ككاتبة ومترجمة؟.. ولماذا؟
- كل كاتبة أو كاتب في هذا الكتاب استفدت منه بطريقتي الخاصة، أي إن كل تجربة أصقلتني وأجابتني عن أسئلة كانت محيرة بالنسبة إلي، ومن تلك الأسئلة مسألة "حبسة الكتابة" التي تصيب الكاتبات والكُتاب أحيانا، فهذا الكتاب بمنزلة إجابات لأسئلة كانت تشغلني منذ فترة بعيدة.
وعند ترجمة هذا الكتاب كنت أتعامل معه كقارئة في المقام الأول، ولست كمترجمة أو كاتبة، ووضعت نفسي مكان القارئ لأعرف متطلباته في معرفة كل ما يخص عملية الكتابة عند كُتابه المفضلين، لكن هذا لا يمنع أنني استمتعت أيما استمتاع عند قراءة وترجمة فصول الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي، والكاتبة الأمريكية توني موريسون، والكاتبة الفرنسية آني إرنو، والكاتب الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز.
• أنتِ أيضا شاعرة.. كيف ترين المشهد الشعري الحالي؟
- شهد المشهد الشعري المصري تحولات عميقة خلال العقود الماضية، سواء على مستوى الشكل أو المضمون، وقد جعلت هذه التحولات في القصيدة الجديدة فضاء مفتوحا للتجريب والبحث عن هوية جمالية مغايرة للأشكال الشعرية الكلاسيكية، بل وحتى لتجارب رواد الحداثة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
في مطلع الثمانينيات برز في مصر جيل جديد من الشعراء تمرد على قيود القصيدة العربية التقليدية، سواء في صورتها العمودية أو في شكلها الحر؛ حيث اتجه هؤلاء إلى لغة أكثر قربا من اليومي، وإلى خيال أكثر انفتاحا، كما تبنوا مواقف أكثر حدة تجاه القضايا السياسية والاجتماعية، وسعت كتاباتهم إلى تجاوز ما رأوه تكرارا أو خطابا تصالحيا في شعر الأجيال السابقة، ومنذ ذلك الحين ترسخت قصيدة النثر بوصفها الشكل الأكثر تحررا، والأقدر على التعبير عن التجارب الفردية الهشة والمعقدة.
وعلى امتداد الأربعين عاما الماضية، برزت أصوات شعرية أصبحت علامات أساسية في مشهد القصيدة المصرية الجديدة، وهؤلاء الشعراء، الذين ترجمت أعمالهم إلى الإنجليزية، يُعدون من بين من أسسوا لما يمكن تسميته بـ"الكتابة من الهامش".
وقد أسهموا، إلى جانب أصوات أخرى، في بناء مشهد شعري متنوع ولا مركزي، يعمل خارج سلطة النقاد أو المؤسسات الثقافية الرسمية، وازدهر هذا المشهد عبر المجلات المستقلة ودور النشر الخاصة، ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي لاحقا.
ومن أبرز سمات الشعر المصري المعاصر الاحتفاء بلغة الحياة اليومية، بعيدا عن البلاغة العالية والنبرة الخطابية التي ميزت الشعر التقليدي؛ فهي لغة تنبع من تفاصيل العيش العادي بكل هشاشته وصدقه، كما تركز هذه القصائد على الخبرة الفردية، مبتعدة عن الشعارات الجماعية أو الخطابات القومية، وتسعى إلى تفكيك السرديات الكبرى في سياق عام من الإخفاقات السياسية والاقتصادية التي حوّلت القصيدة إلى مساحة للشك بدلا من اليقين.
كما ينفتح هذا الشعر الجديد على الفنون البصرية ووسائط الإعلام المختلفة، فكثير من القصائد تتأثر بالسينما والتصوير الفوتوغرافي والفنون التشكيلية، ويستمد إلهامه من العابر واليومي، مبتعدا عن مجالات الفخر والملحمة التقليدية، ليمنح لحظات التأمل الهادئ مكانتها؛ ففنجان شاي، أو نظرة خاطفة في مترو الأنفاق، أو خيبة عاطفية عابرة تصبح موضوعا مركزيا للتأمل الشعري.
ولا يدعي شعراء القصيدة المصرية الجديدة النبوءة أو التحدث باسم أمة، بل يكتبون من داخل قلقهم وأسئلتهم وتوتراتهم اليومية؛ يفككون الأشكال المألوفة، ويكسرون التوقعات الإيقاعية والبلاغية، ويجعلون الصورة الشعرية لحظة دهشة حقيقية لا مجرد زينة أسلوبية، لهذا يبدو الشعر المصري المعاصر غريبا في بعض وجوهه، لكنه عميق إلى حد بعيد، وقد يبدو متشظيا أحيانا، غير أنه صادق بلا مواربة في صوته الفردي.
ويظل المشهد الشعري المصري ثريا ومتعددا ومنفتحا على احتمالات لا تنتهي، تحركه أصوات جريئة ومثابرة صنعت هويتها الخاصة رغم إهمال مؤسسي متقطع وتراجع اهتمام الصحافة الثقافية، ومع ذلك، تواصل القصيدة المصرية الجديدة إثبات أنها ما تزال مرآة حقيقية وأمينة لزمنها.
• كتابك "في قلبي قارة" سلط الضوء على الشعر الأفروأمريكي.. كيف تنظرين إلى ترجمة الشعر؟ وهل تنقل الروح الأصلية للنص أم تعيد خلقه من جديد؟
- الترجمة ليست عملية نقل، بل عملية إبداعية متكاملة الأركان، وبخاصة ترجمة الشعر لأن له قوانينه الخاصة في ترجمة خواصه الجمالية من صور بلاغية وأبنية لغوية مختلفة عن أي نص إبداعي آخر، ومن هنا تظهر تحديات كثيرة تواجه المترجم في كيفية التعامل مع كل هذه التقنيات والصور وتحويلها إلى نص إبداعي آخر في لغة أخرى مختلفة تماما عن اللغة الأصل.
ومهما بلغ المترجم من خبرة وحِنكة ومعرفة بالثقافتين المنقول منها وإليها، فقد يقع منه بعض الأشياء أثناء الترجمة، ولكن تظهر إمكانيات المترجم اللغوية والثقافية في القدرة على الوصول إلى مقاربات تقترب كثيرا من النص الأصلي.
ولكل مترجم رؤيته الخاصة وتأويله الخاص، فلو عرضت نصا على خمسة مترجمين مثلا ستحصل على خمس ترجمات للنص نفسه، فالنص لا يخلو أبدا من تأويل المترجم ووجهة نظره تجاه النص الذي يترجمه.
ويتطلب من المترجم أن يكون قارئا ومطلعا على الثقافات والفنون الأخرى حتى يتسنى له إيجاد المقاربات الصحيحة والدقيقة بين اللغتين، حتى لا يقع في فخ النقل الحرفي للنص، كما أن الترجمة موهبة مثلها مثل موهبة الكتابة، فليس كل من يتقن اللغة يتقن الترجمة، لكنها موهبة تُصقل بالمعرفة والممارسة والقراءات الكثيرة المتنوعة.
• كيف تقيمين حركة الترجمة الأدبية اليوم؟ وكيف تبدو صورة الأدب العربي في الخارج من وجهة نظرك؟
- تقدمت حركة الترجمة في السنوات الأخيرة في مصر والعالم العربي وتنوعت مدارسها ومناهجها، بداية من إقامة ندوات وورش عمل كثيرة في الترجمة الأدبية بشتى البلدان العربية، ولكن هذه الحركة الترجمية المتوسعة تخص أكثر الترجمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية، لكن ما ينقصنا بالفعل الإقبال على ترجمة الأدب المصري والعربي إلى اللغات الأخرى، وهنا يأتي دور المؤسسات الحكومية حيث يجب أن تهتم بمسألة الترجمة العكسية، أي الترجمة من اللغة العربية إلى مختلف لغات العالم.
كما يجب أن تعمل على توفير دور نشر مناسبة ولائقة في الخارج لنشر الأعمال الأدبية التي تُترجم من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى، لأن هناك صعوبة بالغة في نشر الترجمات خارج مصر، والمتوفر منها على الأغلب يكون بتكاليف باهظة لا يقدر عليها المترجم أو المترجمة؛ فكيف يقدِم المترجم على ترجمة عمل وهو يعرف أنه لن يُنشر مثلا؟، فالمؤسسات الحكومية والدولة يجب أن تهتم بذلك الأمر، لأن الترجمة هي الجسر الذي يوصل الثقافات المختلفة ببعضها البعض، وطريقنا أيضا نحو الجوائز العالمية.
وهناك العديد من الأدباء المصريين يستحقون الاحتفاء وجائزة نوبل في الآداب، ولكن لعدم توفر دور نشر مناسبة في الخارج لم يقبل المترجمون على ترجمة الأعمال الأدبية المصرية والعربية لشعورهم بالخوف من عدم نشرها في الخارج، والنتيجة تكون عزوف المترجمين عن ترجمة الأعمال الأدبية المصرية، وذلك لن يكون في مصلحة الوسط الثقافي المصري؛ لذلك، فوجود الأدب المصري والعربي ضعيف في الآداب والثقافات الأخرى بسبب قلة الترجمات.
ولكن من ناحيتي، عندما وجدت فرصة للنشر خارج البلدان العربية، انتهزتها وقدمت الشاعر والكاتب المصري الكبير أحمد الشهاوي باللغة الإنجليزية في كتاب "قبلة روحي"، وهو ترجمة لمئة قصيدة للشاعر ونُشر في دار نشر معروفة بمدينة كلكتا بالهند في نوفمبر 2024، وهي عاصمة الثقافة والأدب في الهند، وقد لقي صدى كبيرا في الهند بين الشعراء والأدباء والأكاديميين هناك، كما ترجمت ديواني الجديد "جبل على كتفي" إلى اللغة الإنجليزية ونُشر في دار نشر مرموقة بالهند اسمها "بين برينتس" (Penprints) في فبراير 2026.
كما قدمت عددا من الشعراء المصريين في ملف خاص بالشعر في مصر للنشر في مجلة عالمية شهيرة في الهند، وستُنشر هذه القصائد مع قصائد أخرى في كتاب بإحدى دور النشر الأجنبية لاحقا.. إنني أقوم بدوري، وأطمح أن يقوم زملائي بهذه المبادرة؛ لكي تنتشر الثقافة العربية في البلدان الأجنبية المختلفة.
• ما المشروعات القادمة التي تعملين عليها؟
- نُشر لي هذه الأيام ترجمتي لديوان "أثر يقود إليكِ" للشاعر الإسباني الأمريكي فرناندو بالبيردي، وصدر عن دار ديوان للنشر، وهذا الكتاب الشعري الذي ترجمته كان الأكثر مبيعا في العام الذي نُشر فيه، وسينشر لي قريبا ترجمتي لديوان آخر لشاعر شهير سأعلن عنه قريبا، وأعمل حاليا على ترجمة عملين سيكونان مفاجأة للقارئ المصري والعربي، وسأعلن عنهما فيما بعد.