بين التبلد وانخفاض الاستجابة.. كيف تتحول المشاهد العنيفة إلى أمر مقبول لدى البعض؟
آخر تحديث: الخميس 20 أغسطس 2026 - 1:58 م بتوقيت القاهرة
رنا عادل
يلاحظ البعض أن صورا ومشاهد كانت تثير لديهم الخوف أو الصدمة أصبحت أقل تأثيرا بمرور الوقت مع تكرار التعرض لها ومشاهدتها بشكل مستمر، وهو ما يطرح تساؤلات حول فكرة التعود على مشاهد العنف وما إذا كان يمكن أن تتحول هذه الحالة إلى تقبل أو حتى جعل البعض أكثر ميلا للنظر إلى العنف باعتباره وسيلة أو حلا في بعض المواقف.
وفي هذا السياق، يوضح عمرو مجاهد، الأخصائي النفسي الإكلينيكي، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، أنه من الناحية العلمية هناك فرق بين التعرض المتكرر للمحتوى العنيف والتبلد أو انخفاض الاستجابة الانفعالية تجاهه، والتطبيع المعرفي أو الاجتماعي معه.
هل تكرار مشاهد العنف يقلل التأثر بها؟
يؤكد عمرو مجاهد أن التكرار من أكثر العوامل التي تؤدي إلى انخفاض الاستجابة الانفعالية والفسيولوجية تجاه مشاهد العنف، موضحا أن ذلك قد يظهر في انخفاض مشاعر الخوف والقلق أو الشعور بالصدمة، إلى جانب انخفاض بعض الاستجابات الجسدية مثل التوتر والارتعاش.
وأشار إلى أن الأمر يكون أكثر وضوحا عندما يكون التعرض متكررا ومتشابها، لكنه شدد على ضرورة التفريق بين أن المشهد لم يعد يثير الخوف أو الصدمة كما كان من قبل، وبين التطبيع مع العنف.
الفرق بين التعود على العنف والتطبيع معه
وقال عمرو مجاهد إن التعرض المتكرر للعنف قد يجعل المشاهد أقل غرابة أو إثارة للصدمة بالنسبة للشخص مع الوقت، وقد تتغير طريقة تقديره لبعض المواقف التي تتضمن عنفا، وأن انخفاض الحساسية تجاه المثير يعني أن الجهاز العصبي أصبح أقل استجابة للمثير نتيجة تكراره، وهو أمر طبيعي؛ فالشخص الذي يشاهد للمرة الأولى مشهدا عنيفا يتضمن دما وإصابات قد يشعر بتوتر شديد أو خوف، لكن مع تكرار المشاهدة يمكن أن تصبح استجابته أكثر هدوءا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تطبيع مع العنف، كون التطبيع أعمق من مجرد انخفاض التأثر بالمشهد ويتطلب أن يبدأ الشخص في اعتبار العنف أكثر قبولا، أو أصبح قادرا على تبريره بسهولة، أو انخفض تعاطفه مع الضحايا واعتبرهم يستحقون ذلك، أو أصبح يرى أن العنف هو الحل الأنسب لهذه المشكلات بشكل عام.
الأطفال والمراهقون أكثر تأثرا
وعن اختلاف تأثير التعرض المتكرر للعنف بين الأطفال والمراهقين والبالغين، يوضح مجاهد أن الأطفال لديهم حساسية أكبر تجاه هذه الأحداث؛ كون مهاراتهم المعرفية والانفعالية لا تزال في طور النمو، وقد يجدون صعوبة أكبر في الفصل بين ما يشاهدونه وبين ما هو طبيعي في الحياة، مؤكدا أن السياق الذي يتعرض فيه الطفل للعنف مهم للغاية ويجب أخذه في الاعتبار عند تقييم تأثير هذه المشاهد عليه.
أما المراهقون، فأوضح أنهم يمرون بمرحلة يرتبط فيها التأثير ببناء الهوية والاستكشاف واختبار الحدود، ولذلك يمكن للسياق الاجتماعي الذي يقدم فيه العنف أن يحمل معاني وتفسيرات مختلفة بالنسبة لهم إذا لم يتم توعيتهم بشكل صحيح، خاصة وأن تقديم العنف بصورة مرتبطة بالهوية أو الثقافة أو الرجولة قد يجعل بعض المراهقين يتعاملون معه باعتباره أمرا عاديا أو محبذا.
وبالنسبة للبالغين، فمن المفترض أنهم يمتلكون أطرا معرفية وخبرات سابقة تساعدهم على تفسير المواقف العنيفة التي تظهر أمامهم ووضعها في سياقها، لكن في الوقت نفسه يؤكد مجاهد أن عامل السن ليس العامل الوحيد الذي يحدد درجة التأثير.
كيف نتابع الأخبار بأمان؟
وأكد عمرو مجاهد أن الهدف ليس منع الشخص من متابعة أخبار الجرائم والعنف تماما، وإنما التحكم في نمط التعرض لها، موضحا أن الخطوة الأولى هي متابعة الخبر بهدف الحصول على المعلومة، وليس البحث عن التفاصيل الصادمة، مثل مشاهدة صور الدماء أو معرفة تفاصيل المشهد العنيف التي لا تضيف إلى فهم ما حدث.
وأشار إلى ضرورة تقليل التكرار غير الضروري، فإذا عرف الشخص تفاصيل جريمة من مصدر معين فلا داعي للبحث عنها في جميع القنوات والمصادر والصحف ومتابعة القصة نفسها بشكل متكرر، أو الاعتماد على الصور ومقاطع الفيديو الصادمة لفهم الخبر، مع استثناء الحالات التي تتطلب طبيعة العمل فيها التأكد من المعلومات من أكثر من مصدر.
وشدد مجاهد على أهمية مراقبة الشخص لنفسه بعد التعرض المتكرر لأخبار العنف، والتساؤل عما إذا كان أصبح أكثر قلقا، أو يفكر في المشاهد بشكل متكرر، أو يشعر بأن العالم المحيط به أصبح عنيفا ومؤذيا، أو أصبح لديه رغبة في البحث عن محتوى أكثر عنفا ومتابعة من يروجون لذلك، بالإضافة إلى أهمية مراجعة الأفكار التي يتعرض لها بشكل مستمر، والحفاظ على تنوع المحتوى الذي يتعرض له الشخص، وألا يصبح معظم ما يدخل إلى ذهنه من النوع نفسه المرتبط بالعنف والقتل.