حوار| معتصم أحمد صالح وزير الموارد البشرية السوداني: الحرب أدت إلى دمار كبير فى سوق العمل السودانية.. والبطالة تجاوزت 75%
آخر تحديث: الأحد 20 سبتمبر 2026 - 6:00 م بتوقيت القاهرة
حوار ــ أحمد كساب:
• نعول على مصر فى إعادة الإعمار وتدريب العمالة.. ونشكرها على موقفها خلال الأزمة
• نستهدف نقل تجربة مراكز التدريب المهنى المتنقلة المصرية إلى السودان
• نسعى للاتفاق على تقنين أوضاع السودانيين فى مصر وتسهيل تراخيص العمل
• الأطباء والمهندسون السودانيون فى مصر يحصلون على مزايا مماثلة لأشقائهم المصريين
• التجربة المصرية فى البنية التحتية وإعادة الإعمار يمكن أن تدعم السودان
قال معتصم أحمد صالح، وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية بجمهورية السودان، إن الحرب أدت إلى دمار كبير فى سوق العمل السودانية، كما تسببت فى هجرة الأيدى العاملة الماهرة والعقول السودانية إلى خارج البلاد، وهو ما شكل ضغطا كبيرا على سوق العمل.
وأوضح صالح، فى حواره لـ«الشروق»، أن من أهم التحديات التى تواجه السودان حاليا كيفية استعادة هذه العقول والأيدى العاملة، وإذا تعذر ذلك ينبغى العمل على تطوير مهارات الموجودين وتدريبهم ليحلوا محل من غادروا البلاد، منوها بأن الحرب رفعت نسبة البطالة فى السودان إلى أكثر من 75%، كما أدت إلى تدمير المصانع والشركات والمحلات التجارية، وهو ما ساهم فى فقدان أعداد كبيرة من العمال لوظائفهم.
وإلى نص الحوار:
< بداية.. كيف تنظرون إلى مشاركتكم فى مؤتمر العمل العربى وما أبرز الملفات التى تحرصون على مناقشتها؟
ــ نشكر مصر قيادة وحكومة وشعبا على حسن الاستقبال والضيافة، وكذلك على التنظيم الجيد لهذا المؤتمر، وتأتى هذه الدورة فى وقت تشهد فيه سوق العمل تحديات كبيرة، خاصة مع التدهور الكبير فى مستوى فرص العمل المتاحة للمواطنين، ولذلك يهتم المؤتمر بشكل أساسى بالعمل على إيجاد فرص عمل مميزة، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الذكاء الاصطناعى، فى دعم سوق العمل.
كما يهتم المؤتمر بملفات السلامة والصحة المهنية والتشغيل والعمل اللائق، إلى جانب إجازة الموازنة للفترة 2027-2028، والاستفادة من تجارب الدول العربية فى المجالات المرتبطة بالأمن والسلامة والصحة المهنية والتشغيل والتدريب والتدريب المهنى، وكذلك تنمية المهارات بين الدول العربية.
< ما أبرز التطلعات التى تحملونها تجاه نتائج هذه الدورة؟
ــ نتوقع لهذا المؤتمر نجاحا كبيرا، وأن يتم إقرار التصورات التى وضعتها الأمانة العامة، ومن الأمور المهمة التى نأمل الاستفادة منها أيضا توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى فى تطوير مهارات العاملين، خاصة أن سوق العمل تتغير بصورة مستمرة، وأصبح من الضرورى مواكبة هذه التطورات.
كما أن المؤتمر يجمع أصحاب العمل والعمال والحكومات، وهذه المعادلة مهمة جدا، ولابد أن تقوم على التوافق والتناغم والانسجام بين الأطراف الثلاثة، لأن استقرار العلاقة بينها يساعد على معالجة القضايا والتحديات الموجودة فى سوق العمل.
< لماذا تمثل هذه المعادلة بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال أهمية كبيرة بالنسبة لاستقرار السوق؟
ــ لأن أصحاب العمل والعمال والحكومات جميعهم أطراف أساسية فى سوق العمل، ولابد أن يعملوا فى تناغم إذا كانت هناك توافقية وانسجام بين هذه الأطراف، يمكن التعامل مع القضايا المختلفة بصورة أفضل، أما فى حال غياب هذه المعادلة المستقرة فقد تظهر احتجاجات وإشكالات وتحديات يصعب على الحكومات حلها.
< كيف يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى أن يدعما فرص العمل وتطوير العمالة؟
ــ هناك اهتمام كبير بالاستفادة من التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعى، فى إيجاد فرص عمل مميزة، وكذلك فى تطوير مهارات العاملين، كما أن التكنولوجيا أصبحت مرتبطة بمجالات متعددة داخل سوق العمل، ومنها السلامة والصحة المهنية والتشغيل والتدريب، ولذلك فإن الاستفادة منها أصبحت أمرا مهما فى المرحلة المقبلة.
< ننتقل إلى الوضع فى السودان.. كيف أثرت الحرب على سوق العمل والعمالة؟
ــ من الآثار الكارثية للحرب هجرة الأيدى العاملة الماهرة والعقول السودانية إلى خارج البلاد، وهذا الأمر شكل ضغطا كبيرا على سوق العمل السودانية، ولذلك فإن أحد أهم التحديات التى نواجهها حاليا هو كيفية استعادة هذه العقول والأيدى العاملة.
وإذا تعذر استعادة من غادروا البلاد، فعلينا أن نعمل على تطوير مهارات الموجودين وتدريبهم حتى يستطيعوا القيام بالأدوار التى كان يقوم بها هؤلاء الأشخاص الذين غادروا السودان، وهذا الأمر فى غاية الأهمية بالنسبة لنا.
< وما حجم الدمار الذى أصاب سوق العمل السودانية نتيجة الحرب؟
ــ الحرب أدت إلى دمار كبير فى سوق العمل السودانية، كما دمرت المصانع والشركات والمحلات التجارية، وهذا كله ساهم فى فقدان أعداد كبيرة من العمال لوظائفهم، وبالتالى أصبح أمامنا تحد كبير يتمثل فى إعادة هؤلاء الأشخاص إلى سوق العمل مرة أخرى، وتوفير فرص مناسبة لهم.
< إلى أى مدى ارتفعت معدلات البطالة فى السودان؟
ــ الحرب رفعت نسبة البطالة فى السودان إلى أكثر من 75%، وهى نسبة مرتفعة للغاية، خصوصا فى ظل تراجع فرص العمل وتدمير عدد كبير من المنشآت والمصانع والشركات والمحلات التجارية.
< فى ظل هذه النسبة المرتفعة.. ما الأولوية بالنسبة للحكومة السودانية فى المرحلة الحالية؟
ــ همنا الأساسى الآن هو كيفية إعادة المواطنين إلى سوق العمل، وتوفير فرص عمل لهم فى مختلف المجالات، وهناك أسئلة مهمة نواجهها فى هذا الملف، من بينها: هل توجد لدى هؤلاء الأشخاص الخبرات والمعرفة الكافية التى تمكنهم من العودة إلى الفرص المتاحة؟ وإذا كانت المهنة التى كانوا يعملون بها قبل الحرب لم تعد متاحة، فكيف يمكن تدريبهم على مهن جديدة؟
فإذا كان شخص يمتلك بقالة وفقدها بسبب الحرب، فهل نستطيع أن نوفر له بقالة مرة أخرى؟ أم نحتاج إلى تدريبه على مهنة أخرى يستطيع من خلالها أن يبدأ من جديد، مثل السباكة أو الحلاقة أو غيرها من المهن؟ هذه تحديات حقيقية نواجهها فى سوق العمل السودانية.
< وهل الموارد المتاحة حاليا تسمح بالتعامل مع هذه التحديات؟
ــ البطالة مرتفعة بشكل غير عادى، والفرص محدودة، والموارد أيضا محدودة، ولذلك نحتاج إلى تضافر الجهود ودعم الأشقاء، ولا سيما فى مصر، حتى نستطيع استعادة سوق العمل وتوفير فرص عمل لائقة للسودانيين فى مختلف أنحاء البلاد.
< كيف تقيمون الموقف المصرى تجاه السودانيين منذ اندلاع الحرب؟
ــ نشكر مصر مجددا قيادة وحكومة وشعبا على موقفها، فقد مر السودان بظروف استثنائية ومحنة كبيرة، وفتحت مصر أبوابها أمام الشعب السودانى، وهناك مئات الآلاف من السودانيين الموجودين فى مصر.
وبشكل عام، أرى أن مصر من الدول التى تتعامل مع المواطن السودانى بصورة مميزة، وكأنه مواطن مصرى، وأتحدث هنا عن التعامل العام. وكل دولة لديها قوانينها، وإذا كان هناك أى شخص يتصرف بصورة تتعارض مع القوانين المصرية، يتم التعامل معه وفقا للقانون المصرى، لكن هذا لا يغير من طبيعة التعامل العام المميز مع السودانيين.
< تحدثتم عن مذكرة تفاهم وتعاون مع مصر.. ما أبرز المجالات التى تستهدفها؟
ــ جلسنا مع وزير العمل المصرى، واتفقنا على عدد من المحاور المهمة، فى مقدمتها الاستفادة من التجربة المصرية فى مجال التدريب المهنى، خاصة تجربة مراكز التدريب المهنى المتنقلة، وهى تجربة مميزة ورائدة.
كما اتفقنا على التعاون فى مجالات التشغيل والسلامة والصحة المهنية والتدريب المهنى، إلى جانب تنظيم أوضاع العمالة وتقنين أوضاع السودانيين، وتراخيص العمل وتخفيض رسوم هذه التراخيص.
< لماذا تحظى تجربة مراكز التدريب المهنى المتنقلة باهتمام خاص من جانبكم؟
ــ لأن هذه التجربة توفر موارد كبيرة للحكومات، فبدلا من وجود مركز ثابت فى كل منطقة، يستطيع المركز المتنقل الانتقال إلى المكان الذى توجد فيه الحاجة إلى التدريب.
فإذا كانت هناك مجموعة من الأشخاص تحتاج إلى التدريب فى مهنة معينة ولا يوجد مركز قريب، يمكن أن ينتقل المركز إليهم، ويقدم التدريب فى مهن مثل السباكة والحدادة والنجارة والحياكة وغيرها، لمدة ثلاثة أو أربعة أو ستة أشهر، ثم يحصل المتدربون على شهاداتهم، وينتقل المركز بعد ذلك إلى مكان آخر يحتاج إلى خدماته.
نحن نرغب فى نقل هذه التجربة إلى السودان والاستفادة منها، لأنها يمكن أن تساعدنا فى التعامل مع احتياجات التدريب فى مناطق مختلفة، وفى الوقت نفسه توفر موارد كبيرة للحكومة.
< ماذا عن تقنين أوضاع العمالة السودانية فى مصر؟
ــ هذا كان أحد المحاور التى ناقشناها، إلى جانب منح السودانيين بعض المميزات التى يتمتع بها أشقاؤهم فى مصر، وكذلك العمل على تسهيل تراخيص العمل وتخفيض رسوم هذه التراخيص. كما ناقشنا بشكل خاص تقنين أوضاع أصحاب المهن الكبيرة، ومنهم الأطباء والمهندسون، بما يساعدهم على الحصول على فرص عمل فى مصر.
< وما الذى تم الاتفاق عليه بشأن الأطباء والمهندسين السودانيين؟
ــ وزير العمل المصرى وافق على ما طرحناه فى هذا الجانب، وإذا تم تنفيذ التوجيهات التى تم الاتفاق عليها، فسيتمتع الأطباء السودانيون فى مصر بالمميزات نفسها التى يتمتع بها أشقاؤهم فى مصر، وكذلك المهندسون السودانيون وبقية العمالة الماهرة.
وفى المقابل، يحصل المصريون الموجودون فى السودان على المميزات نفسها التى يحصل عليها السودانيون فى مصر، سواء فى مجال الطب أو الهندسة أو غيرهما من المجالات.
< وهل يشمل التعاون أيضا ملف انتقال العمالة بين مصر والسودان؟
ــ نعم، انتقال العمالة كان أحد المحاور التى اتفقنا عليها، إلى جانب تقنين الأوضاع وتسهيل إجراءات تراخيص العمل وتخفيض رسومها، بما يساعد على الاستفادة من العمالة الماهرة فى البلدين.
< السودان ينتقل حاليا من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة التعافى وإعادة الإعمار.. كيف تستعدون لهذه المرحلة؟
ــ نحن الآن نخرج من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة التعافى وإعادة الإعمار، وهذه المرحلة سيكون فيها دور كبير للتعاون، خاصة أن السودان يحتاج إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب واستعادة سوق العمل وتوفير فرص جديدة للمواطنين.
ونحن نرى أن لمصر دورا مهما فى هذه المرحلة، خاصة أن لديها تجربة كبيرة فى مجال إعادة الإعمار، ويمكن الاستفادة من الخبرات والشركات المصرية فى عملية إعادة إعمار السودان.
< ما الذى يجعلكم تراهنون على الخبرة المصرية فى إعادة الإعمار؟
ــ التجربة المصرية كبيرة جدا، وكل من شاهدها يندهش من مستوى الأعمال التى تم تنفيذها، ومن حجم الطرق والبنية التحتية التى أنجزت بأياد عاملة وشركات مصرية خالصة. ونحن نرى أن هذه التجربة والخبرات المصرية فى إعادة الإعمار يمكن أن تسهم بصورة كبيرة فى إعادة إعمار السودان، خاصة فى ظل الروابط التاريخية المشتركة بين البلدين.
< هل تمثل العلاقات التاريخية بين الشعبين عاملا مهما فى تعزيز التعاون خلال المرحلة المقبلة؟
ــ بالتأكيد، هناك روابط وتاريخ مشترك بين مصر والسودان، وهذه العلاقات تمثل أساسا مهما للتعاون بين البلدين. نحن نتحدث عن شعبين تجمعهما علاقات تاريخية قديمة، ولذلك نرى أن التعاون فى مرحلة إعادة الإعمار والعمل والتدريب يمكن أن يستفيد من هذه الروابط.
< فى النهاية.. ما الرسالة التى توجهونها بشأن مستقبل سوق العمل السودانية؟
ــ نحن أمام تحديات كبيرة، خاصة مع ارتفاع البطالة وتراجع الفرص والموارد المحدودة، لكننا نحتاج إلى تضافر الجهود ودعم الأشقاء، ولا سيما مصر، حتى نستطيع استعادة سوق العمل السودانى، وإعادة المواطنين إلى وظائفهم، وتطوير مهارات من يحتاجون إلى التدريب، وتوفير فرص عمل لائقة للسودانيين فى مختلف أنحاء البلاد.