«الشروق» في بروفة حفل وليد توفيق بالأوبرا.. قراءة الفاتحة لـ هاني شاكر وحنين متجدد إلى مصر
آخر تحديث: الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 6:10 ص بتوقيت القاهرة
مصطفى الجداوي
قبل أن يُتمّ بروفته على «كيف بتنسى»، طلب وليد توفيق من الموسيقيين قراءة الفاتحة على روح هاني شاكر. كان للأغنية في تلك اللحظة عمر أطول من دقائقها؛ لحن أعدّه وليد لنفسه، ثم تركه لصديقه حين أحبّه، وها هو يستعيده الآن وفاءً لذكراه. أهداه الأغنية في حياته، ويغنيها له بعد رحيله.
في البروفة التي حضرتها «الشروق» بدار الأوبرا المصرية، مساء أمس الاثنين، امتد العمل ثلاث ساعات مع الفرقة بقيادة المايسترو حازم القصبجي. وبين الأغنيات والذكريات، حضرت صداقة بدأت في بيروت، ومشوار احتضنته مصر؛ وكلما استعاد وليد فصلًا من الحكاية، ظهر اسم يعرفه الجمهور، وموقف احتفظت به ذاكرته منذ البدايات.
تمشية قبل الموعد
وصل وليد إلى الأوبرا في السابعة وخمس وأربعين دقيقة مساءً، قادمًا من الفندق سيرًا على الأقدام. كان يتجول في القاهرة قبل البروفة؛ مدينة يعرفها منذ شبابه، وتستدعي زيارته لها وجوهًا وأماكن ارتبطت برحلته في الغناء والسينما.
داخل البروفة، ظهرت الألفة بينه وبين حازم القصبجي والفرقة؛ معرفة قديمة وتجارب عمل مشتركة منحت الاستعداد للأغنيات روحًا من التفاهم. وأجرى بروفاته على «كيف بتنسى» و«مبسوط مبسوط»، إلى جانب مقدمة «حبيبة يا مصر»، ضمن برنامج حفله المقرر في الثامنة مساء غد الأربعاء، 21 أكتوبر، على المسرح الكبير، في الليلة الثانية من الدورة الرابعة والثلاثين لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، المهداة إلى روح هاني شاكر.
وخلال البروفة، التقى الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، الذي رحّب بمشاركته ودعمه للمهرجان. وفي حديث إلى «الشروق»، ضمن حوار تنشره الجريدة لاحقًا، يكشف وليد أن إدارة المهرجان تواصلت معه قبل نحو أسبوع، ويقول: «رحبنا بالمشاركة بكل ترحاب، فمصر بلدنا، ودار الأوبرا المصرية مسرح عظيم يشرف أي فنان بالوقوف عليه».
الأغنية التي اختارها هاني
«هاني شاكر صديق عمري وحبيبي، رحمه الله». بهذه الكلمات يستعيد وليد حكاية «كيف بتنسى»، ويضيف: «كنت أنوي غناء الأغنية بصوتي، لكن هاني جاء إلى الاستوديو وقال لي إنه يريد غناءها، فوافقت، وقدمها بصوته الجميل، وأحبها الجمهور كثيرًا». ويؤكد أنه سيغنيها خلال الحفل وفاءً لذكراه.
وكان وراء طلب هاني شغف قديم بالغناء باللهجة اللبنانية. ففي حوار مع مجلة «لها»، نُشر في مارس 2020 أثناء إعداد العمل، روى أنه أخبر وليد بهذه الرغبة خلال لقاء جمعهما في الأردن، وأنهما ظلا يؤجلان تنفيذها، بينما يرسل إليه صديقه كلمات لبنانية، حتى استقرّا على الأغنية. وروى وليد في الحوار نفسه أن هاني فكّر أولًا في عمل شعبي لبناني، بينما فضّل هو الطابع العاطفي الدرامي.
وجاء وليد خصيصًا إلى القاهرة لمتابعة التسجيل ومساعدة صديقه على نطق الكلمات اللبنانية. ومن كلمات الشاعرة نادين الأسعد، وألحانه، وتوزيع باسم منير، قدّم هاني تجربته الأولى بهذه اللهجة، قبل طرح كليب الأغنية مع بداية عام 2021.
ثم انتقلت الأغنية من صحبة الاستوديو إلى لقاء المسرح؛ ففي يوليو 2022، صعد وليد إلى جوار هاني في حفل ببيروت ليغنياها معًا. والآن يحملها إلى جمهور الأوبرا، ومعها ذكرى تلك الوقفة المشتركة، والصوت الذي عرفها الناس به.
بيروت.. قبل رحلة القاهرة
قبل «كيف بتنسى» بعقود، كان وليد مستمعًا يحب هاني شاكر. يقول لـ«الشروق» إنه أُعجب بأغنياته، ومنها «سيبوني أحب»، وإن هاني سبقه إلى الشهرة والنجاح رغم تقاربهما في السن. ثم قرّبت اللقاءات بينهما، وصار صاحب الصوت الذي يتابعه صديقًا يجمعه به مشوار طويل.
ويعيد بداية التعارف إلى بيروت، خلال فترة عمله مع المخرج حسن الإمام. هناك شاهده المخرج المصري يغني، وقال له إن مكانه في مصر، ثم أخذ بيده إلى القاهرة، لتبدأ رحلة امتدت بين الأغنيات والأفلام ولقاءات كبار الفنانين.
ومن محطاته المبكرة مع حسن الإمام مشاركته في «الكروان له شفايف» عام 1976، إلى جوار نبيلة عبيد وسهير رمزي وسمير صبري. صار الشاب القادم من لبنان جزءًا من عالم شاهده وأحبّه، وأخذت الشاشة تحمل صوته وصورته إلى جمهور أوسع.

مصر التي سمعها قبل أن يراها
كانت مصر قد وصلت إلى وليد قبل أن يصل إليها؛ عرفها في الأغنية والفيلم والمسرحية، وألف لغتها الفنية وهو يعيش في لبنان. وفي حديث إلى برنامج «8 الصبح» على شاشة dmc، في سبتمبر 2023، قال: «هوايا مصري وغنايا مصري وحبي مصري»، وأعاد علاقته بمصر إلى عام 1974، مستذكرًا نشأة أبناء طرابلس وبيروت على الأعمال المصرية.
وتحمل «عيون بهية» شاهدًا مبكرًا على هذه الصلة؛ فقد غنّى وليد أغنية محمد العزبي في برنامج المواهب «ستوديو الفن»، فكانت من مفاتيح التعرف إلى صوته. أحبّها وأدّاها، ثم عرف أنها من ألحان بليغ حمدي؛ تعارف بدأه اللحن، قبل أن تجمعه السنوات بصاحبه.
وروى هذه التفصيلة في برنامج «العاشرة مساء» على شاشة «دريم»، في ديسمبر 2016، مستعيدًا بداياته وتأثره ببليغ. كان يغني أعمال الموسيقار المصري في البرنامج الذي قدّمه للجمهور، ثم تحولت صلته بالألحان إلى صداقة مع الرجل نفسه.
مقعد بجوار عبدالحليم
ومن بين وجوه مصر التي عرفها، يحتفظ وليد بصورة لقائه بعبدالحليم حافظ: دعوة إلى منزل المنتج صبحي فرحات، وجمع من الفنانين بينهم بليغ حمدي ووردة وفايزة أحمد، وانتظار لوصول مطربه المفضل.
وخلال ندوة تكريمه بـ«اليوم السابع» في سبتمبر 2023، استعاد تلك الأمسية، وروى كيف وقف الحاضرون لاستقبال العندليب، ثم اقترب منه عبدالحليم وأخبره بأنه شاهده في التلفزيون وأُعجب بغنائه. جلس إلى جواره، وبدأ الحاضرون يتداولون العود والغناء، حتى وصل الدور إلى الشاب اللبناني.
أمسك وليد العود وعزف ويداه ترتعشان، ولخّص المشهد بقوله: «كنت برتعش لأن عبدالحليم قاعد جنبي». بقيت رهبة اللقاء حاضرة في روايته بعد كل هذه السنوات؛ لحظة وجد فيها نفسه يغني إلى جوار الصوت الذي أحبّه طويلًا.
بليغ.. أثر يسمعه الآخرون
ومع بليغ حمدي، تركت الصداقة أثرها في تكوين وليد الموسيقي. ومن شدة تأثره به، روى في «العاشرة مساء» أن لجنة استماع في الإذاعة السورية ظنّت أن لحنه «لفيت المداين» من ألحان بليغ؛ سمع الآخرون أثر الموسيقار المصري في محاولته أن يصنع لحنه الخاص.
ومن بليغ حمل أغنيات منها «يا حبيبي في المدينة» و«إحنا الطيبين» و«هوى المشاوير»، وبقيت الصداقة حاضرة كلما استعاد هذه الأعمال؛ ألحان في رصيده، وذكريات تصلها بأيام عاشها مع صاحبها.

القاهرة على الشاشة.. بداية أخرى للحلم
وفي السينما، اتخذت العلاقة بمصر صورًا وحكايات. ففي «من يطفئ النار» عام 1982، يؤدي وليد دور شاب لبناني يفقد حبيبته في الحرب، ثم يصل إلى القاهرة، ويلتقي موسيقيًا يساعده على مواصلة طريق الغناء. تصبح المدينة، داخل الفيلم، مكانًا يستأنف فيه القادم حياته، ويبحث عن فرصة يحمل إليها صوته.
وبعد عامين، يظهر في «قمر الليل» مطربًا يبحث عن فرصة بين متعهدي الحفلات وأماكن الغناء، وتتقاطع رحلته مع الفتاة التي تجسّدها ليلى علوي. وفي الفيلمين، تحتضن القاهرة أحلام الشخصيات ومحاولاتها، بينما يحمل وليد إلى الشاشة خبرته كمطرب يعرف معنى انتظار الفرصة والعمل من أجلها.
ومن زمن الأفلام، تعود بعض الأغنيات إلى الحفل الجديد. يقول لـ«الشروق» إنه سيقدم أعمالًا أحبّها الجمهور، بينها أغانٍ غنّاها في السينما، ويذكر «يا حبيبي في المدينة» و«بعد ما كنا أحباب»؛ أغنيات بقيت مع الناس بعد انتهاء الحكايات التي حملتها الشاشة.

الأوبرا.. مواعيد مع الذكريات
وللأوبرا فصل سابق في هذه الصلة. ففي الدورة الحادية والعشرين من مهرجان الموسيقى العربية عام 2012، غنّى وليد بمصاحبة فرقة أوبرا الإسكندرية بقيادة عبدالحميد عبدالغفار، وقدّم «بهية» و«يا حبيبي في المدينة»، واستعاد وردة بمقطع من «العيون السود»، إلى جانب مختارات من أغنياته.
وغدًا، يعود إلى المسرح الكبير، وفي برنامجه أغنية تحمل اسم صداقة أخرى. سيغني «كيف بتنسى» بصوته، وتصحبه ذكرى صوت هاني؛ تلك المحبة التي بدأت بإعجاب مستمع، وكبرت حتى صارت عِشرة عمر.
في البروفة، قرأ له الفاتحة مع الموسيقيين. وفي الحفل، يحمل إليه التحية التي يعرفها الاثنان جيدًا: أغنيتهما.