الست لما.. من الاتحاد النسائي إلى الفيتو الجنسي

آخر تحديث: الجمعة 21 أغسطس 2026 - 5:29 م بتوقيت القاهرة

الشيماء أحمد فاروق

أثار فيلم «الست لما» الجدل بالتوازي مع بداية عرضه في السينمات، حيث تصدر التريند بعد غياب جميع أبطال الفيلم عن العرض الخاص، عقب اعتذار يسرا ودرة وياسمين رئيس، وغياب دينا سامي وماجد المصري، وكافة المشاركين تقريبًا، ما تسبب في غضب الحضور من النقاد والصحفيين الذين تمت دعوتهم إلى العرض.

وخرجت كثير من الأقلام منتقدة مستوى الفيلم الفني، على مستوى الكتابة والإخراج، والتناول السطحي لقضية مهمة مثل التحرش، حيث كتب الناقد ضياء مصطفى: «معالجة مباشرة وسيناريو مهلل وحوار ساذج ومباشر».

تدور أحداث الفيلم في إطار كوميدي اجتماعي، حيث تقود مجموعة من النساء حالة من الرفض الجماعي تحت شعار «فيتو» لتصرفات الرجال في المجتمع المصري، مثل التحرش والعنف والاغتصاب. والفيلم من قصة مصطفى بدوي، وسيناريو كيرلس أيمن فوزي، وإخراج خالد أبو غريب، في أول تجربة إخراجية سينمائية له.

تقود يسرا، التي تجسد شخصية دينا الكردي، الفيلم بصفتها صاحبة مركز داعم للنساء، ويعمل معها فريق من السيدات اللاتي خضن تجارب سيئة دفعتهن إلى العمل في المؤسسة لحماية النساء الأخريات وتوعيتهن. فقد تعرضت إحداهن للخداع والاغتصاب من حبيبها، بينما تعرضت أخرى للعنف الزوجي، ما تسبب في فقدان حملها وحرمانها من الإنجاب.

تبدو القضايا التي يطرحها الفيلم براقة وقوية عند النظر إليها من بعيد، لكن القضايا وحدها لا تبني عملًا فنيًا؛ لأن الخطابية والمباشرة التي تُناقش بها القضايا مكانها الأصلي المقالات والكتب والأبحاث، بينما يُصنع الفن لتحقيق المتعة من خلال عناصره المختلفة، سواء على مستوى الحوار أو اللغة السينمائية البصرية، وهو ما لم يتحقق في فيلم «الست لما».

سعى الفيلم إلى تكديس عدد كبير من القضايا النسوية، لكنه لم يمنحها السياق الدرامي الكافي لخلق متعة فنية، ما جعله يخرج في صورة أشبه بإرشادات الكتب المدرسية التي كانت تُكتب قديمًا، حيث تحول الحوار إلى عبارات مباشرة، وتحولات الشخصيات إلى ردود أفعال انفعالية وغير مبررة، بينما بدت الدراما مفككة، مع حشد غير مفهوم لضيوف الشرف، ومشاهد تنتقص من النساء أنفسهن، اللاتي من المفترض أن الفيلم يدافع عنهن.

يذكر الفيلم أن دينا الكردي تساعد النساء، لكننا لا نعرف سبل هذه المساعدة. فهل عندما تعرضت شخصية حنان، التي تجسدها دنيا سامي، للاغتصاب، سعى مركز دينا إلى رفع قضية ضد المغتصب وحبسه بالقانون؟ لم يحدث ذلك، بل ظهر في أحد المشاهد مع إحدى الفتيات، وقامت حنان بتكسير سيارته بعصا لإخراج طاقة الغضب لديها. فهل هذا ما يشجع عليه العمل: ترك المسار القانوني والتوجه نحو البلطجة؟

وعندما تعرضت دينا نفسها إلى نشر محتوى شخصي لها، وتسبب ذلك في حالة هجوم عارمة عليها، لم تتخذ أي إجراء قانوني تجاه مرتكب هذا الفعل. وحتى عندما قررت شخصية وفاء اللجوء إلى الشرطة، كان ذلك آخر ما فعلته، على الرغم من أنها تعمل في مركز حقوقي، ومن المفترض أن لديها علمًا بحقها في التبليغ، ثم بُتر هذا الخط الدرامي تمامًا، ولم يعد إليه الكاتب مرة أخرى.

كما أن الفيلم لا يطور بصورة مقنعة العلاقة بين العمل الحقوقي الذي يفترض أن يقوم به المركز والطريقة التي تتعامل بها الشخصيات مع الأزمات. فإذا كان المركز يقدم نفسه باعتباره مساحة لحماية النساء وتوعيتهن بحقوقهن، نجد أن الشخصيات تلجأ إلى القوة والعنف في مواجهة الرجال، بهدف خلق الكوميديا على حساب القضية نفسها التي يفترض أن الفيلم يطرحها.

فإن غياب الإجراءات القانونية عن عدد من الوقائع الأساسية يصبح أكثر من مجرد ثغرة في الحبكة؛ إذ يضعف الفكرة التي يقوم عليها المركز نفسه. كان يمكن للفيلم أن يناقش، مثلًا، صعوبة اللجوء إلى القانون، أو خوف الضحايا من الوصمة، أو بطء إجراءات التقاضي، أو عدم الثقة في المؤسسات، وهي كلها صراعات درامية حقيقية تمنح القضية عمقًا أكبر. لكنه، بدلًا من ذلك، يقفز فوق هذه الأسئلة، ويقدم ردود أفعال انفعالية لا تترتب عليها نتائج درامية حقيقية.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية في «الست لما»: الفيلم لا يخطئ لأنه اختار تناول قضايا التحرش والعنف والاغتصاب، وإنما لأنه يتعامل معها باعتبارها، في حد ذاتها، ضمانة لقيمة العمل. فاختيار قضية مهمة لا يعني بالضرورة إنتاج فيلم مهم عنها. القضية تحتاج إلى شخصيات حية، وصراع متماسك، ودراما قادرة على تحويل الأفكار إلى مواقف إنسانية يمكن للمشاهد أن يتفاعل معها، لا إلى قائمة من المظالم التي تُعرض واحدة تلو الأخرى، مع موسيقى مصاحبة لاستجداء التعاطف.

حتى حضور ضيوف الشرف، الذي كان يمكن أن يمنح الفيلم مساحة للسخرية من الصور النمطية أو يضيف طبقات مختلفة إلى عالمه، يبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى الحشد منه إلى الاختيار الدرامي، فتظهر الشخصيات وتختفي دون أن يكون لوجودها تأثير حقيقي في مسار الأحداث، وكأن الفيلم يريد التأكيد على كثرة الأسماء أكثر من حاجته إليها داخل البناء الدرامي.

والكوميديا نفسها لا تنجح في تخفيف ثقل الموضوع أو إعادة صياغته فنيًا؛ لأنها لا تنبع، في معظم الأحيان، من المفارقة أو من بناء الشخصيات، وإنما تأتي كتعليق مباشر على الموقف. وبذلك يفقد الفيلم إحدى أهم إمكانات الكوميديا، وهي قدرتها على كشف التناقضات الاجتماعية دون أن تضطر إلى شرحها. فالسخرية، حين تكون جزءًا من البناء الدرامي، يمكنها أن تجعل قضية شديدة القسوة قابلة للتأمل، أما حين تتحول إلى مجرد وسيلة لتقديم الرسالة، فإنها لا تضيف إليها بقدر ما تزيد من مباشرتها.

ومن ثم، فإن أزمة «الست لما» لا تكمن فقط في ضعف بعض عناصر السيناريو أو تفكك خطوطه الدرامية، وإنما في الفجوة بين ما يريد الفيلم أن يقوله والطريقة التي اختار أن يقوله بها. هناك رغبة واضحة في إنتاج فيلم نسوي يتناول قضايا شديدة الأهمية، لكن الرغبة في قول الكثير دفعت العمل إلى التضحية بالتفاصيل التي تجعل الفن قادرًا على حمل هذه القضايا.

فبدلًا من أن يجعلنا الفيلم نرى أثر العنف والتحرش في حياة النساء، يخبرنا مرارًا بأن هذه الأفعال خاطئة، وبدلًا من أن يجعلنا نكتشف الشخصيات، يشرح لنا ما تعرضن له، وبدلًا من أن يضع المشاهد أمام أسئلة أخلاقية وقانونية معقدة، يقدم له إجابات جاهزة.

من «الاتحاد النسائي» إلى «الفيتو» الجنسي

ويتقاطع الفيلم، بفكرته، بشكل أساسي مع فيلم من إنتاج التلفزيون بعنوان «الاتحاد النسائي»، بطولة مديحة كامل، وتأليف سلوى الرفاعي ورؤوف حلمي، وإخراج ناجي أنجلو. وتتركز فكرته الأساسية على مقاطعة النساء جميع الأنشطة المشتركة مع الرجل، والبقاء في المنزل لتجنب العنف والتحرش والرفض في الشارع.

لكن الفيلم الذي أُنتج عام 1984 كان أكثر نضجًا من الفيلم الحديث؛ لأن المقاطعة تقوم فيه على إبراز إشكالية غياب المرأة من سوق العمل نتيجة مقاطعتها الأعمال التي تقوم بها، بينما يتركز فيلم «الست لما» على «الفيتو» الجنسي، إذ تتمثل المقاطعة المقصودة فيه في حرمان الرجل من ممارسة العلاقة الجنسية، وكأن الجنس أداة في يد المرأة لتحقيق أهدافها.

والفارق بين العملين لا يتعلق فقط بتطور الزمن أو اختلاف أدوات صناعة السينما، وإنما بطريقة التفكير في القضية نفسها. ففي «الاتحاد النسائي»، لا تظل مقاطعة النساء فعلًا احتجاجيًا معزولًا عن المجتمع، وإنما تتحول إلى تجربة تكشف تدريجيًا مدى اعتماد الحياة اليومية على وجود المرأة ومشاركتها. فحين تنسحب النساء من الأعمال والوظائف والأنشطة المختلفة، يبدأ المجتمع في مواجهة نتائج غيابهن، لتصبح المقاطعة وسيلة لكشف اختلال قائم بالفعل في توزيع الأدوار بين الرجال والنساء.

أما في «الست لما»، فتبدو فكرة «الفيتو» أكثر اختزالًا، إذ يتحول الامتناع عن العلاقة الجنسية إلى الأداة الأساسية التي تستخدمها النساء للضغط على الرجال. وهنا تصبح العلاقة الجنسية أقرب إلى ورقة تفاوض، وكأن الفيلم يعيد، من دون أن ينتبه، إنتاج تصور تقليدي يرى جسد المرأة وجنسها باعتبارهما مصدر قوتها الوحيد في مواجهة الرجل.

وهي مفارقة لافتة في فيلم يرفع شعارات تمكين النساء؛ إذ إن التمكين هنا لا يأتي من الاستقلال الاقتصادي، أو المعرفة بالحقوق، أو القدرة على اتخاذ القرار، وإنما من امتلاك المرأة ما يمكنها من حرمان الرجل منه.

وتزداد المفارقة وضوحًا حين نقارن بين نتائج المقاطعة في العملين. ففي «الاتحاد النسائي»، يؤدي غياب النساء إلى أزمة اجتماعية واقتصادية يمكن رؤيتها في تفاصيل الحياة اليومية؛ لأن النساء لسن مجرد شريكات في العلاقات العاطفية، وإنما جزء أساسي من بنية المجتمع وسوق العمل. وبذلك تصبح الفكرة النسوية جزءًا من الصراع الدرامي نفسه، لا مجرد شعار تردده الشخصيات.

بينما لا يترتب على «الفيتو» في «الست لما» القدر نفسه من النتائج الاجتماعية التي تسمح بتطوير الفكرة، فالفيلم لا يتوقف طويلًا أمام سؤال: ماذا يحدث إذا امتنعت النساء فعلًا عن العلاقة الجنسية؟ وكيف ستتغير العلاقات داخل الأسرة؟ وهل يؤدي ذلك إلى مراجعة الرجال لسلوكياتهم أم إلى مزيد من الصراع؟ وهل يمكن أصلًا أن يكون الامتناع الجنسي حلًا لمشكلات مثل التحرش أو العنف أو الاغتصاب؟

هذه الأسئلة كان يمكن أن تمنح الفكرة عمقًا كوميديًا واجتماعيًا، لكنها تظل في الفيلم أقرب إلى نقطة انطلاق للمواقف منها إلى قضية يجري اختبارها دراميًا.

والأهم أن «الاتحاد النسائي» كان أكثر وعيًا بالعلاقة بين القضية النسوية والبنية الاجتماعية المحيطة بها. فالفيلم القديم، رغم انتمائه إلى مرحلة مختلفة في تناول قضايا المرأة، يربط بين وجود المرأة في المجال العام واستمرار المجتمع نفسه، ويجعل غيابها أزمة لا يمكن تجاوزها.

أما «الست لما»، فينقل الصراع بدرجة أكبر إلى المجال الخاص، ويجعل العلاقة بين الرجل والمرأة الساحة الرئيسية للمواجهة، بما يجعل القضية النسوية تبدو أحيانًا وكأنها صراع بين الجنسين، أكثر من كونها نقدًا لبنية اجتماعية تنتج العنف والتمييز.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن الفيلم الحديث، رغم امتلاكه فرصة أكبر لطرح قضايا معاصرة مثل التحرش الإلكتروني، والابتزاز، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وآليات الحماية القانونية، عاد إلى معالجة أكثر تبسيطًا من معالجة فيلم تلفزيوني سبقه بأكثر من أربعة عقود.

فالمشكلة ليست في أن «الست لما» يطرح فكرة قديمة، وإنما في أنه لم يجد لها معالجة جديدة تتناسب مع التحولات التي طرأت على حياة النساء والمجتمع منذ إنتاج «الاتحاد النسائي».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved