وئام أبو شادى تكتب: سيكولوجية التاريخ فى «الوصول المقطوع» ورجال تليق بهم الحقيقة
آخر تحديث: الجمعة 21 أغسطس 2026 - 7:29 م بتوقيت القاهرة
الحرب تقتل الإنسان مرة والنسيان يقتله آلاف المرات.. بهذا الوجع الإنسانى الممتد والأقرب إلى العوار.. قدمت لنا الروائية رشا عدلى روايتها «الوصول المقطوع»، الصادرة عن دار الشروق، كفعل مقاومة لمحو الذات.. فهى لم تقدم الوثيقه بقدر ما أزاحت الستار عما خلفه الانتقال من الحدث لكيفية الشعور به وإلى أبطال هذا الحدث.. فتفتح ذراعى الزمن بين اتجاهين متوازيين ومشتعلين بين الكاشف والمكشوف عنه وبين التاريخ وأثره.. تلك ليست المسافة بين المؤرخ والروائى وحسب.. بل هى شرعية كاملة تمنح للإنسان حكايته الأصيلة وأثرها الخاص الذى تَكَسَّر فى مروية عامة لتتلاشى فى السجلات والوثائق فتضيع معها آلاف الحكايات.. حكايات لأبناء وزوجات وأمهات وأوطان وهويات.. فتأتى فرقة العمال المصرية الذين اجتثوا من موطنهم إلى جبهات الجيش البريطانى فى الحرب العالمية الأولى لِيُدفع بهم إلى معركة لم يختاروها ولا يدركون غايتها.. معركة مع الفقر والخوف والغياب تدفع إلى ملحمة أكبر وأشد قسوة وضراوة مع الانتظار والاستعباد والاستغلال والظلم ثم إلى جريمة أوقح وهى النسيان.. الثمن قبل والثمن بعد.. لتصبح ليلى وفريقها جزءًا من هذا النسيج الإنسانى الذى يدفع بهؤلاء الرجال مرة أخرى إلى الذاكرة فينضموا جميعهم إلى قلم رشا عدلى لتسافر الأسماء من الأرشيفات ومن التشويش إلى المعنى ورد الاعتبار.. كيف يمكن طمس نصف مليون مصرى من مستندات ووثائق الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس وابتلاع ظلالهم وحقوقهم الآدمية والمادية كفئران تجارب واستعمالهم كأنهم محض أداة لانتصار مزيف.. فتتحول الجغرافيا إلى بناء سردى شديد البلورية والتجذر فى ضمير المتلقى ليشارك فى عملية البحث بين مصر ودنكريك وفرنسا ومقابر الكومنولث العسكرية لضحايا الحروب وبين عائلتى سند وعمد وهارون ثابت وغيرهم وصولا إلى النصب التذكارى.. آلاف الدوائر المتشابكة تعانى نفس المصير مهما تبدل الزمن أو تبدل مسرح الحكاية.. ووصولا إلى ليلى واستحضار مرثية النوبة والتهجير والإجحاف التاريخى لأهلها وانتمائهم.. هذا الحيز الذى ملأته الكاتبة بالتفكيك والتركيب والإحلال والإزاحة بين تحولات الأبطال والخروج بالجرح إلى الواجهة وتصفية الحسابات مع المجهول لينال الوجع المصرى كرامته أجادت عدلى الوصول إلى الاستثناء فى تشريح السلطة والقمع من خلال سرد أخاذ رغم كابوسيته ومن خلال تفاصيله اليومية وفك شفرة الصمت بخيال روائى متقد وراهنت على لغة الكاتب كمرآة وكجزء من الوثيقة التاريخية، إذ إنها المونولوج الداخلى والفلسفى للأحداث.. وتحضرنى هنا مقولة لا أنساها أبدا «لجاك دريد»: لا توجد حقيقة خارج اللغة.
هذا الجهد التاريخى المضنى الذى بذلته الكاتبة مع ضآلة المطروح والموجود بالفعل لم ينته إلى فوضى بين المجهول والمعلوم والخيال والواقع بل نقل الرواية من التاريخ إلى سيكولوجية التاريخ.. وأعتقد أن هذا هو ذكاء الراوى فى تجسيد حق الإنسان فى ماضيه وفى إثبات موته بحياته وأن تتحول فرقة العمال المصرية من معلومة لغضب وطنى وجماهيرى لذلك ما زلت على يقينى بأن المرأة أفضل من يحكى التاريخ لأنه لن يموت عبر عاطفتهن وتفاصيلهن الحية بالقفز إلى بؤرة الشعور.. العاطفة هنا شاهد لا يموت وإضافة برحلة جديدة وبعد جديد كما فى الوصول المقطوع حيث صار الغياب وحده جبهة.. كيف تجعل من الحدث العظيم أدبًا عظيما؟ إذا أردت أن تعرف الإجابة فعليك بقراءة هذا النص.. كيف تحولت لوحة الوصول المقطوع لدليل ضاحض للهيمنة وإخضاع هويه المواطن المصرى عبر الإذلال والاستحقاق والسكوت والمحو.
هنا استطاعت عدلى أن تستخدم الفن الروائى كسياسة كما أشارت «تونى موريسون» الروائيه الإفرو ـــ أمريكية الحاصلة على جائزة نوبل للآداب سنة 1993 حيث أضافت «إن تحويل أى شىء لا سياسيا هو فعلا سياسى فى حد ذاته» هذا الترويض القابل للانقضاض على المرويات المزورة يجعل لحظة الكشف عن الظلم إبداعًا له مسئوليته الخاصة فى إيصال الحقيقة.
فإذا تناولنا الإيقاع السردى لهذه الدرامية السيسيولوجية لأدركنا أن النص لم يتورط فى الماضى بقدر ما هو متورط فى الحاضر فلا حاضر لمن سُلِبَ ماضيه.
* كاتبة وشاعرة