الدراسة والرياضة والأنشطة.. كيف نحمي جدول الطفل من أن يتحول إلى مصدر ضغط؟
آخر تحديث: الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 12:13 م بتوقيت القاهرة
رنا عادل
تحاول العديد من الأسر الاستفادة من وقت الطفل بشتى الطرق وأن يحتوي جدوله اليومي على العديد من الأنشطة المفيدة المختلفة، ولكن مع بداية العام الدراسي وضغوط الدراسة قد يتحول الجدول المزدحم أحيانًا إلى مصدر ضغط يفوق قدرة الطفل على التحمل.
ويقول عمرو مجاهد، الأخصائي النفسي الإكلينيكي في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، إن هناك مجموعة من العلامات التي يمكن أن تكشف تعرض الطفل لضغط بسبب الدراسة أو كثرة الأنشطة، موضحا أن هذه العلامات تظهر على 4 مستويات، هي: الانفعالية والسلوكية والجسدية والمعرفية.
- العصبية ليست مجرد مشكلة سلوكية
أوضح مجاهد أن الجانب الانفعالي قد يظهر في صورة عصبية أكثر من المعتاد وسرعة الاستثارة ونوبات غضب لأسباب بسيطة، أو البكاء بشكل متكرر، إلى جانب الحساسية الشديدة تجاه بعض المواقف. كما قد يظهر لدى الطفل خوف مبالغ فيه من الفشل أو ارتكاب الأخطاء، أو شعور مستمر بأنه مطالب بالنجاح وإرضاء والديه.
وأشار إلى أن الأطفال لا يمتلكون دائمًا القدرة الكافية على التعبير بالكلمات عن شعورهم بالضغط، لذلك قد تظهر مشاعرهم في صورة سلوكيات مثل العصبية والرفض والعناد والشجار. أما العلامات السلوكية، فقد يلاحظها الأهل بصورة أوضح مثل أن يعود الطفل من المدرسة ويرمي حقيبته ويرفض أداء أي نشاط أو واجب، أو يبدأ في رفض الذهاب إلى الدروس والتمارين، ويتعامل بعصبية مع طلبات والديه، رغم أنه لم يكن يتصرف بهذه الطريقة من قبل.
وفسر مجاهد ذلك بما يعرف بموارد التنظيم الذاتي، موضحًا أن الطفل يقضي ساعات طويلة في المدرسة وهو مطالب بالانتباه واتباع التعليمات وضبط سلوكه والتعامل اجتماعيًا مع الآخرين والتعلم وهو ما يستهلك جزءًا كبيرًا من هذه الموارد، فالطفل قد يبدو منضبطًا وهادئًا داخل المدرسة، ثم يعود إلى المنزل وقد استنفذ قدرته على التنظيم الذاتي، فيظهر هناك بصورة مختلفة، لكن هذا التغير لا يعني بالضرورة أن الطفل مدلل أو يعاني مشكلة سلوكية.
-كيف نميز بين التعب الطبيعي والضغط الزائد؟
وأكد أن التمييز بين التعب الطبيعي والضغط الزائد من الأمور المهمة، مشيرًا إلى أن التعب الطبيعي يكون مؤقتًا، ويستطيع الطفل التعافي منه بعد الحصول على النوم والراحة الكافيين.
في المقابل، قد يشير استمرار التغيرات لفترة أطول إلى وجود ضغط زائد، مثل أن يرفض الطفل الذهاب إلى التمرين أو المذاكرة لمدة أسبوع، ويصبح عصبيًا بصورة مستمرة ويتغير نومه وتتراجع درجاته، ولا يعود راغبًا في اللعب مع أصدقائه، وهناك مجموعة من الأسئلة التي يمكن أن تساعد الأهل في ملاحظة الفارق، من بينها: هل الأعراض مؤقتة أم مستمرة؟ وهل يعود الطفل إلى طبيعته بعد الراحة؟ وهل طرأ تغير على شخصيته المعتادة؟ وهل بدأت هذه التغيرات تؤثر في نومه أو أكله أو دراسته أو علاقاته؟، فاجتماع هذه التغيرات واستمرارها يستدعي الانتباه إلى أن الأمر قد لا يكون مجرد تعب طبيعي.
-الإرهاق وتراجع مستوى الطفل
ولفت مجاهد إلى أن بعض الأسر قد تفسر تراجع مستوى الطفل الدراسي باعتباره دليلًا على حاجته إلى مزيد من المذاكرة أو الدروس، بينما قد يكون السبب في بعض الحالات هو الإرهاق والضغط وقلة النوم، لأن تعرض الطفل للإجهاد وقلة النوم يمكن أن يؤثر في الانتباه والذاكرة، والقدرة على التحكم في الانفعالات والاستمرار في أداء المهام فضلًا عن الدافعية بشكل عام.
كما يمكن أن يظهر الضغط في صورة فقدان الطفل حماسه تجاه أنشطة كان يستمتع بها في السابق فقد يتوقف عن الرسم رغم حبه له، أو يفقد رغبته في الذهاب إلى تمرين رياضي كان ينتظره بشغف، أو يتوقف عن القراءة واللعب مع أصدقائه ويفضل الجلوس بمفرده.
وأكد أن من المهم هنا التمييز بين فقدان الطفل اهتمامه بالنشاط نفسه، وبين عدم امتلاكه الطاقة الكافية للاستمتاع به، فالنشاط الذي كان مصدرًا للمتعة قد يتحول مع زيادة الالتزامات، إلى عبء إضافي على الطفل. وأن زيادة الأنشطة المفيدة ليست بالضرورة مفيدة بلا حدود، إذ قد تتحول إلى عامل ضغط إذا زادت عن قدرة الطفل وطاقته.
-النوم والوقت الحر جزء من توازن الطفل
وأوضح عمرو مجاهد مجاهد أن تغير النوم أو الشهية يمكن أن يكون من المؤشرات التي تستدعي الانتباه، لكنه لا يمثل دليلًا منفردًا على تعرض الطفل للضغط، لأن تغيرات النوم والشهية قد تكون لها أسباب طبية ونفسية متعددة.
وأشار إلى أن قلة النوم قد تدخل الطفل في دائرة من الضغط إذ تؤدي إلى ضعف التركيز، ما قد ينعكس على الأداء ويجعل الطفل يحتاج إلى وقت أطول لإنجاز واجباته، وبالتالي يتأخر موعد نومه ويقل عدد ساعات نومه، لتتكرر الدائرة من جديد.
وفي هذا السياق، أكد أهمية وجود وقت حر في يوم الطفل، موضحًا أن المقصود ليس تركه أمام الهاتف لساعات طويلة، وإنما منحه مساحة زمنية لا يكون مطالبًا خلالها بتحقيق هدف محدد يضعه أحد البالغين. ويمكن للطفل خلال هذا الوقت أن يلعب أو يتخيل أو يتحدث مع أشقائه أو يقرأ أو يغني، دون أن يكون مطالبًا بأداء مهمة محددة.
وشدد على أن هذا الوقت لا ينبغي اعتباره وقتًا ضائعًا، وإنما جزءًا أساسيًا من نمو الطفل وتطوره، بالإضافة إلى أهمية الوعي بأنه لا توجد مدة زمنية موحدة للوقت الحر تناسب جميع الأطفال، لأن احتياجات الطفل تختلف بحسب عمره وقدراته وطاقته، مؤكدًا أن الأفضل هو تنظيم يوم الطفل بحيث يحصل على مساحة مناسبة للنوم والدراسة والحركة والنشاط البدني واللعب الحر، بدلًا من فرض جدول صارم عليه دون مراعاة قدرته على التحمل واحتياجاته.