حوار| مخرجة فيلم American Doctor: صور غزة وحدها لا تكفي.. علينا أن نجعل العالم يتواصل إنسانيا مع الفلسطينيين
آخر تحديث: الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 2:39 م بتوقيت القاهرة
الشيماء أحمد فاروق
عرض ضمن مهرجان الجونة فيلم american doctor، بعد جولة له بعدد من المهرجانات العالمية أهمها مهرجان صاندانس، ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية الأمريكية، وهو فيلم تسجيلي تدور أحداثه حول ثلاث أطباء يحملون الجنسية الأمريكية لكنهم يتخذوا قرار السفر إلى غزة للمشاركة في إنقاذ أرواح من يتعرضون للقصف الإسرائيلي، يمنع أحدهم لأنه فلسطيني الأصل، ويذهب اثنان إلى مستشفى ناصر في خان يونس، ثم يعودا إلى الولايات المتحدة ويقودا حملة حول تواطئ ودعم بلدهم لقتل المدنيين ورفع التوعية والمعرفة تجاه القضية الفلسطينية، والفيلم من إخراج بوه سي تينج.
اختارت بوه أن تنحاز للقضية الفلسطينية والاستقالة من عملها بشبكة ABC نيوز الأمريكية، وجمعت مدخراتها وقررت صناعة فيلم حول غزة، وعلى هامش فاعليات مهرجان الجونة، أجرت "الشروق" حوارا مع المخرجة بوه سي تينج للحديث حول كواليس صناعة الفيلم وأهدافها منه.
1- ما الدوافع التي حركتكِ لصناعة هذا الفيلم؟
كنت أعمل في قناة الجزيرة الإنجليزية، وكان أكثر ما حطمني هو رؤية زملاء أحترمهم يتعرضون للاستهداف والقتل، في مقابل صمت مطبق من كثيرين من أقراني في الوسط الصحفي، شعرت بإحباط شديد، كان ذلك في عام 2024، وبدأت أفكر في ضرورة وجود طريقة أخرى للحديث عما يحدث.
أصبحت شديدة التشاؤم تجاه الصحفيين الأمريكيين، مع أن بعضهم اتخذ مواقف واضحة، لكن المؤسسات الصحفية وغرف الأخبار لم تفعل ذلك بالقدر الكافي. بدا الأمر كما لو أن هناك معايير مختلفة تُطبَّق على الصحفيين الفلسطينيين في غزة.
عندها فكرت في الأطباء، يصعب على أي شخص عاقل أن يقبل اختطاف الأطباء أو استهدافهم أو قتلهم، شعرت بأن هذا هو المدخل الذي يمكنني من خلاله رواية القصة.
2- هل واجهتِ معوقات خلال صناعة الفيلم؟
كان التحدي الأكبر الذي واجهناه هو السلامة والأمن، كيف يمكن لفريق أن يصنع فيلمًا يوثق الإبادة الجماعية، بينما يعيش أفراده هذه التجربة بأنفسهم؟ لقد كانت تلك مسؤولية صعبة، ولا يزال زملاؤنا في غزة يعيشون هذه الظروف. نواصل البقاء على تواصل وثيق، ونحاول الحفاظ على تركيزنا وتجاوز المواقف الصعبة معًا قدر الإمكان.
3- متى تحوّل ما كنتِ تشاهدينه في غزة من محتوى صحفي إلى واقع لم تعودي قادرة على التوفيق بينه وبين قناعاتكِ المهنية أو الشخصية؟
كانت رؤية زملائي الذين أحترمهم يتعرضون للاستهداف والقتل، ثم مشاهدة الصمت الذي قوبلوا به من كثيرين في الوسط الصحفي، هي اللحظة التي أحدثت هذا التحول بداخلي. شعرت بإحباط شديد من المؤسسات الصحفية وغرف الأخبار، وبأن الصحفيين الفلسطينيين لا يُعاملون بالمعايير نفسها التي يُعامل بها غيرهم.
في عام 2024، وصلت إلى قناعة بأن هناك ضرورة للبحث عن وسيلة أخرى للحديث عما يحدث، فقررت محاولة صناعة فيلم. وشعرت بأن السينما يمكن أن تتيح لي رواية هذه القصة من مدخل مختلف، عبر متابعة ثلاثة أطباء أمريكيين يعملون إلى جانب زملائهم الفلسطينيين في غزة.
4- لماذا قررتِ ترك وظيفتكِ في مؤسسة إعلامية كبرى والتوجه إلى إخراج الفيلم؟
للمرة الأولى خلال أكثر من عقدين في مجال صناعة الأفلام، شعرت بأن كل ما فعلته في مسيرتي المهنية يمكن أن يجتمع أخيرًا في عمل واحد.
عملت في مجالات متعددة؛ صحفية، ومفوضة لاختيار مشروعات الأفلام الوثائقية، ومديرة للمنح المخصصة للسينما المستقلة، ومديرة تنفيذية في استوديو سينمائي. أدركت أن كل هذه الخبرات يمكن أن تخدم فيلمًا واحدًا عن فلسطين.
لذلك، عدت إلى شبكة علاقاتي المهنية التي بنيتها على مدار أكثر من عشرين عامًا، وتواصلت مع أفضل الأشخاص الذين عرفتهم من المحررين والمنتجين ومديري التصوير وأفراد طواقم العمل. يضم فريقنا أشخاصًا من ثماني دول، وكان الجميع يدرك أننا نملك فرصة واحدة لصناعة فيلم يمكنه اختراق الضجيج الإعلامي وإحداث تغيير في الثقافة والسياسة. شعرت بأن ما يحدث في فلسطين يستحق أن يبذل كل فرد في الفريق أقصى ما لديه من أجله.
5- لماذا اخترتِ الأطباء الثلاثة تحديدًا، رغم اختلاف خلفياتهم وشخصياتهم؟ وما الذي أضافه اجتماعهم إلى الفيلم؟
أعيش في نيويورك، وينتمي أصدقائي وزملائي إلى خلفيات دينية وثقافية متنوعة. ومع بداية الإبادة الجماعية، أصبح من الصعب عليّ التعبير عن رأيي بوضوح مع الحفاظ على قدرتي على التأثير.
عندما تعرفت إلى مارك بيرلموتر وثائر أحمد وفيروز سيثوا، لفت انتباهي أنهم ثلاثة أصدقاء مختلفون تمامًا في خلفياتهم وشخصياتهم. تساءلت كيف يمكنهم الاختلاف، ومع ذلك الاستمرار في العمل معًا ومساندة بعضهم بعضًا، شعرت بأنني أستطيع أن أتعلم منهم شيئًا، وربما يتعلم الجمهور أيضًا.
ينظر العالم إلى كل واحد منهم بطريقة مختلفة بسبب هويته وخلفيته. وقد أثرت هذه الاختلافات في الطريقة التي يدافع بها كل منهم عن أصدقائه وزملائه في غزة، لكنها تحولت إلى مصدر قوة لهم وهم يعملون معًا. وهذا تحديدًا ما يدفع الفيلم إلى الأمام.
6- لماذا قررتِ تخصيص جزء من الفيلم لمتابعة رحلة الأطباء بعد عودتهم إلى الولايات المتحدة؟
منذ البداية، أردنا أن يتجاوز الفيلم مجرد إظهار ما يحدث على الأرض في فلسطين، وأن ينقل القصة إلى الولايات المتحدة، بحيث يفهم الجمهور أن الحكومة الأمريكية كان بإمكانها المساهمة في وقف الإبادة الجماعية منذ وقت طويل، لكنها تواصل المشاركة في المجزرة وتدمير شعب بأكمله.
لذلك، كنا نعرف منذ مرحلة تطوير المشروع أن الفيلم يجب أن يتحرك بين مكانين أساسيين: مجمع ناصر الطبي في غزة، وأروقة الكونجرس الأمريكي.
لم نكن نملك رفاهية الوقت، لأن ما يحدث كان ملحًا للغاية، أردت الانتهاء من الفيلم خلال عام، فبنيناه حول رحلة الأطباء: دخولهم غزة، وعودتهم إلى الولايات المتحدة، ثم مواصلة نضالهم داخل أروقة الكونجرس.
7- يُعرض الفيلم للمرة الأولى في العالم العربي من خلال مهرجان الجونة السينمائي. كيف تتوقعين استقبال الجمهور له؟ وهل تختلف استجابة المشاهدين باختلاف بلدانهم؟
يشرفني عرض «American Doctor» في مهرجان الجونة السينمائي. كنا ننتظر اللحظة والمكان المناسبين لمشاركة الفيلم مع جمهور منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعندما تواصل معنا المدير الفني أندرو محسن، شعرنا بأن هذه هي اللحظة المناسبة.
في ظل استمرار الإبادة الجماعية في غزة، فإن عرض الفيلم في مصر، القريبة جدًا من المكان الذي تدور فيه قصتنا، يحمل أهمية كبيرة بالنسبة إلى فريق العمل بأكمله. ونحن متحمسون للجلوس داخل قاعة السينما ومشاهدة الفيلم مع الجمهور.
وبالنسبة إليّ، فإن عرض الفيلم للمرة الأولى في مصر يحمل معنى خاصًا، لأنني وُلدت ونشأت في ماليزيا. هناك تاريخ عميق وروح تضامن تجمع الشعوب المصرية والفلسطينية والماليزية.
في الولايات المتحدة وأوروبا، يأتي كثير من المشاهدين إلى الفيلم وهم يتعرفون على المشاركة الفعلية لحكوماتهم في الإبادة الجماعية. أما هنا، فأعتقد أن الجمهور سيأتي بمعرفته الخاصة وصلته المباشرة بالقضية، وأتطلع إلى معرفة ما الذي سيراه هؤلاء المشاهدون وقد غاب عن آخرين.
بغض النظر عن طبيعة الاستجابة، فإن هذه التجربة ستكون مميزة بالنسبة إليّ.
8- ما فرص توزيع الفيلم وعرضه تجاريًا خارج المهرجانات السينمائية؟
بفضل شركة التوزيع «Watermelon Pictures»، عُرض الفيلم حتى الآن في أكثر من 150 دار سينما في الولايات المتحدة وكندا على مدار أكثر من سبعة أسابيع؛ وذلك نظرا لالتزام المؤسسين المشاركين للشركة، حمزة وبديع علي، وهما أيضًا من المنتجين التنفيذيين للفيلم، بالعمل على ضمان وصوله إلى جمهور واسع.
وهناك تنوع في الجمهور الذي جاء لمشاهدة الفيلم؛ فلم يقتصر على الفلسطينيين والمسلمين والعرب، بل شمل أيضًا مشاهدين يهودًا، وأشخاصًا من خلفيات عرقية وثقافية مختلفة، وعاملين في القطاع الصحي، وقدامى المحاربين، وطلابًا، وأجيالًا متعددة، وأشخاصًا من أطياف سياسية واجتماعية متنوعة.
وبالنسبة لي فإن مشاهدة هذا التنوع داخل قاعات السينما، بما في ذلك أشخاص ربما يتعرفون إلى ما يحدث في غزة للمرة الأولى، أمر مشجع ويعني أن الفيلم يحقق هدفه في الوصول إلى جمهور واسع.
9- يربط الفيلم بين أموال دافعي الضرائب الأمريكيين وما يحدث في غزة. لماذا حرصتِ على إبراز هذه العلاقة؟
منذ مرحلة تطوير الفيلم، أردنا أن يفهم الجمهور الأمريكي أن ما يحدث في فلسطين لا ينفصل عن مسؤولية حكومته، وأن الولايات المتحدة كان بإمكانها المساهمة في وقف الإبادة الجماعية منذ وقت طويل.
وأأمل أن يدرك المشاهدون الذين لم يربطوا من قبل بين ما يحدث في فلسطين وأموال الضرائب التي يدفعونها أن هناك صلة مباشرة تستحق الانتباه، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
كل شخص يأتي إلى الفيلم من مدخل مختلف؛ فهناك من يتعرف إلى القضية من خلال أحد الأطباء، وهناك من يأتي بدافع الفضول أو الشك، لكن ما أأمله هو أن يغادر المشاهدون وهم راغبون في اتخاذ خطوة ما.
10- إلى أي مدى تعتقدين أن السينما قادرة على تعزيز الرواية الفلسطينية، خاصة مع توافر عشرات الفيديوهات التي توثق ما يحدث في غزة على وسائل التواصل الاجتماعي؟
الصور العنيفة والحقائق وحدها لا تكفي لتغيير قناعات الناس، ما يهم هو قدرة الجمهور على التواصل إنسانيًا مع الفلسطينيين، خاصة إذا لم تكن لديه هذه الصلة من قبل.
لذلك، صنعنا «American Doctor» بالاستعانة بإطار سردي وتقنيات مستوحاة من الدراما الطبية، وهي لغة سينمائية يعرفها الجمهور الأمريكي ويثق بها. فالأطباء في غزة لا يختلفون عن الأطباء في الولايات المتحدة، ونحن نثق بأطبائنا، ولا يقبل أي منا استهداف المستشفيات أو اختطاف العاملين في القطاع الصحي وتعذيبهم وقتلهم.
كان هدفنا أن نقدم للجمهور مدخلًا مختلفًا إلى القصة، لا يعتمد على عرض الصور والوقائع فحسب، بل يتيح له الاقتراب من الأشخاص الذين يعيشون هذه التجربة، وفهم ما يفعلونه وما يواجهونه.
11- لماذا اخترتَ افتتاح الفيلم بالتركيز المطوّل على صور الأطفال الذين قُتلوا في غزة؟
المشهد الافتتاحي يُحدد نبرة الفيلم. حقيقةٌ صادمةٌ حول الإبادة لا تشوبها شائبة. لا ينبغي لنا أن نُشيح بنظرنا.
12- لماذا اخترت عنوان "الطبيب الأمريكي" بدلاً من عنوان يضع غزة في المقدمة؟
بدا الأمر وكأنه العنوان المناسب لدمج فلسطين كحصان طروادة في دراما طبية، ولإدخال غزة إلى العقلية الأمريكية والغربية.
13- هل لديكي تفكير في إنتاج فيلم آخر عن غزة أو فلسطين؟
بالتأكيد، سأسعى جاهدة إذا سنحت الفرصة.