في أولى ندواتها بمعرض القاهرة الدولي للكتاب.. دار الإفتاء تناقش قضايا الإرشاد الأسري
آخر تحديث: الخميس 22 يناير 2026 - 7:31 م بتوقيت القاهرة
آلاء يوسف
- عويضة عثمان: التفكك الأسري نتاج غياب الحوار وهيمنة العالم الرقمي على البيوت
- أستاذ طب نفسي: الصمت داخل البيوت أخطر من الخلافات الصاخبة
افتتحت دار الإفتاء المصرية، برنامجها الثقافي بجناحها الخاص في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، بعقد أولى ندواتها لهذا العام تحت عنوان "الإرشاد الأسري.. أهم المشكلات والحلول"، في إطار تأكيد حضور الدار في ساحات الفكر والثقافة، وتعزيز دورها المجتمعي في دعم استقرار الأسرة المصرية، في ظل تصاعد التحديات النفسية والاجتماعية والرقمية التي تواجه كيان الأسرة في العصر الحديث والذكاء الاصطناعي.
وشهدت الندوة مشاركة الشيخ عويضة عثمان مدير إدارة الإرشاد الأسري وأمين الفتوى بدار الإفتاء، والدكتور محمد محمود حمودة أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر واستشاري علاج الإدمان والعلاج الأسري، فيما أدار اللقاء محمد حبيب الأخصائي النفسي بمركز الإرشاد الزواجي بدار الإفتاء، بحضور عدد من المثقفين والمهتمين بقضايا الأسرة من رواد المعرض.
وأكد المتحدثون، أن اختيار موضوع الندوة يعكس إدراك دار الإفتاء لخطورة المرحلة التي تمر بها الأسرة المصرية، في ظل ارتفاع معدلات الطلاق، وتراجع لغة الحوار داخل البيوت، وتأثير البيئة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل العلاقات الأسرية، بما يستدعي الانتقال من الاكتفاء بمعالجة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء وعي وقائي شامل.
وقال الشيخ عويضة عثمان، إن الأسرة اليوم تواجه واقعًا جديدًا تتداخل فيه الضغوط النفسية والاجتماعية مع التأثيرات الرقمية المتسارعة، وأن كثيرًا من المشكلات لم تعد تنشأ داخل جدران المنازل فقط، بل تصنع في فضاءات افتراضية مفتوحة تفرض نماذج استهلاكية وصورًا مثالية زائفة تؤدي إلى حالة عامة من عدم الرضا والتوتر داخل الأسرة.
وأوضح أن الإسلام قدم نموذجًا مبكرًا ومتكاملًا للإرشاد الأسري، يقوم على السكن والمودة والرحمة، ويؤسس للعلاقة الزوجية باعتبارها ميثاقًا غليظًا، يبدأ من حسن الاختيار، ويمتد إلى تنظيم تفاصيل الحياة الزوجية، وينتهي بإدارة الخلاف أو الانفصال عند الضرورة بإحسان، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ولا يهدر الفضل بين الزوجين.
وأشار إلى أن مفهوم الأسرة في اللغة والشرع قائم على الترابط والتماسك، ومحذرًا من أن غياب التجمع الأسري، وتراجع الحوار بين أفراد الأسرة، وانشغال كل فرد بعالمه الرقمي الخاص، حوَّل الأسرة من مصدر أمان نفسي إلى بيئة صراع أو صمت قاتل.
واستشهد بأن كثيرًا من الحالات المعروضة التي تحضر إلى إدارة الإرشاد الأسري بدار الإفتاء تكشف أن الخلافات الزوجية، إذا أُديرت بالإهانة أو العنف أو الإهمال العاطفي، تنعكس بصورة خطيرة على الأبناء، في شكل اضطرابات نفسية، وكراهية للزواج، وإدمان، وانسحاب اجتماعي، وقد تصل في بعض الحالات إلى التفكير في الانتحار.
وأضاف أن دار الإفتاء المصرية استشعرت منذ سنوات خطورة الأمر وقصدت إلى سد الحاجة المجتمعية إلى الإرشاد والتأهيل المناسب لشباب المجتمع المقبل على الزواج تحقيقًا لمقصد مهم من مقاصد الشرع الشريف وهو بناء الأسرة التي هي أساس المجتمع على قدر من الوعي الصحيح، والعلم الرصين.
وتابع: "إن مئات الشباب والشابات قد استفادوا من هذه البرامج التأهيلية على مدار السنوات الماضية حيث تلقَّوا تدريبًا على مهارات الحياة الزوجية وكيفية التعامل مع المشكلات والضغوط الحياتية التي يواجهها الزوجان، ليس من الناحية الشرعية فحسب، بل النفسية والمجتمعية وغيرها على أيدي متخصصين".
وفي النهاية، دعا الشيخ عويضة عثمان إلى تعميم برامج تأهيل المقبلين على الزواج من خلال المؤسسات المتخصصة، مؤكدًا أن مركز الإرشاد الزواجي بدار الإفتاء يمثل نقلة نوعية في التعامل مع قضايا الأسرة، حيث لا يكتفي بالفتوى السريعة، بل يعمل على تفكيك جذور المشكلة عبر جلسات إرشادية متخصصة تهدف إلى الاستقرار ومنع تكرار الأزمات.
من جهته، قال الدكتور محمد محمود حمودة، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، إن الأسرة السوية تبدأ من فرد ناضج نفسيًّا، موضحًا أن كثيرًا من الأزمات الزوجية تعود إلى أزمة الهوية، حيث لا يعرف الزوج ذاته ولا أهدافه، فينعكس ذلك على علاقته بالزوجة والأبناء، مشيرًا إلى أن الزواج لا يرتبط بسن محددة، بل بقدرة الشخص على تحمل المسئولية، وفهم الآخر، وتوفير الإحساس بالأمان النفسي داخل الأسرة، وأن غياب هذا الأمان يحول الضغوط المادية والاجتماعية إلى صراعات داخل البيت.
وذكر أن الأسرة القائمة على الحوار والتفاهم هي النموذج الأكثر نجاحًا، بينما تؤدي الأسر الصاخبة أو الصامتة إلى إنتاج أجيال تعيد إنتاج الصراع أو العزلة ذاتها، وأن التربية في جوهرها تقوم على القدوة والممارسة اليومية أكثر من التوجيه النظري. وفيما يخص البيئة الرقمية.
وبين أن صراع الأجيال ظاهرة قديمة، لكنها تفاقمت مع التسارع التكنولوجي، داعيًا الآباء إلى الاقتراب من عالم أبنائهم الرقمي، ومشاركتهم اهتماماتهم، بدل الاكتفاء بالمنع، لأن الحرمان غير الواعي يزيد الفجوة ويعمق الخلافات داخل الأسرة، ولكن يجب أن نجذب الأبناء إلى ممارسة الهوايات والأنشطة المفيدة.
وحذر من الاعتماد غير المنضبط على الذكاء الاصطناعي في التشخيص النفسي أو الاستشارات الأسرية، إذ إن هذه الأدوات تفتقر للفهم الإكلينيكي العميق، وقد تؤدي إلى تشخيصات خاطئة، أو زيادة القلق، أو تعميق العزلة الاجتماعية، فضلًا عن خطورة التطبيقات التي تحاكي العلاقات الإنسانية وتضعف الروابط الأسرية الحقيقية.
وفي ختام الندوة، ذكر محمد حبيب الأخصائي النفسي بمركز الإرشاد الزواجي بدار الإفتاء، أن انعقاد هذه الندوة يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل تداخل التحديات النفسية والاجتماعية والرقمية التي تواجه الأسرة المصرية، وارتفاع معدلات الطلاق بوتيرة مقلقة.