أسامة علام: أعترف دون مواربة بأننى شهاب منير بطل رواية «حامل مفتاح المدينة».. واسم البطل كان أسامة علام حتى المراجعة الأخيرة

آخر تحديث: الثلاثاء 27 يناير 2026 - 10:25 م بتوقيت القاهرة

حوار - شيماء شناوى

- أبطال رواياتى لا يعيشون على الورق فقط بل يمشون تحت جلدى أراهم فى وجوه روّاد عيادتى ويجلسون جوارى على موائد المطاعم
- لا أحب القصص العادية التى أعيش تفاصيلها كشخص عادى لذلك أكتب ما يجعلنى لا أشعر بالملل
- «حامل مفتاح المدينة» ليست رواية عن نيويورك لكن عن أفعال المدينة بالبشر
- محمد المخزنجى أبى الروحى وداعمى الأول الذى قدمنى بنبل لا يخفى على أحد فى كل الأوساط الثقافية

 

فى مشروع أسامة علام، لا تُكتب الرواية بوصفها صناعة، بل بوصفها علاقة إنسانية ممتدة بين الكاتب وعالمه. هو لا يدخل النص ليُثبت مهارة أو ليُحكم حبكة، بل ليصغى، ليُؤانس، وليترك الشخصيات تقول ما لديها دون وصاية. لذلك يبدو سرده حرا، دافئًا، ومفاجئًا فى آن واحد؛ سحره لا يأتى من غرائبية الأحداث، بل من صدق النظرة إلى البشر، ومن تلك القدرة النادرة على التقاط هشاشتهم وهم يحاولون النجاة داخل عالم قاسٍ ومتسارع.

رؤيته للكتابة تنطلق من إيمان عميق بأن القصص ليست اختراعًا بقدر ما هى اكتشاف. البشر، فى نظره، يحملون داخلهم روايات تفوق كل ما كُتب، والكاتب الحقيقى هو من يمتلك العين التى تراها، والمخيلة التى تمنحها شكلًا يستحق الحكى. من هنا تتشكل أعماله بوصفها مساحة مفتوحة للتعاطف، حيث لا أبطال نمطيين ولا مصائر محسومة، بل شخصيات تمشى على حافة الخوف والوحدة والحلم، وتبحث عن معنى داخل مدن كبرى لا ترحم.

أما صدقه الأدبى»، فهو قلب هذا المشروع وروحه. يكتب أسامة علام من موقع الإنسان لا من برج الكاتب، ويضع ذاته – بضعفها وقلقها وأسئلتها – داخل النص بلا أقنعة. لذلك يشعر القارئ أن ما يقرأه ليس حكاية فحسب، بل اعتراف، ومشاركة وجدانية، ومحاولة حقيقية لبناء جسر بين كاتب يعيش فى عزلة عالمية وقرّاء يبحثون عن صوت يشبههم. فى هذا الصدق تحديدًا يتكوّن سحر سرده، وتولد تلك المؤانسة النادرة التى تجعل رواياته تُقرأ لا باعتبارها عوالم متخيلة فقط، بل باعتبارها أماكن يمكن للقلب أن يقيم فيها.

فى هذا الحوار يتوقف أسامة علام عند مفهوم «الحلم الأمريكى» بوصفه وعدًا لامعًا بثمن قاسٍ، ويطرح رؤيته للسعادة بوصفها تجربة ذاتية لا يصنعها الثراء وحده. ويتحدث عن الصدق بوصفه سر «السحر السردى» الذى يصل بين الكاتب والقارئ، وعن كسر التوقعات والمتعة بوصفهما جوهر فعل الحكى.

يكشف أيضًا عن العلاقة الحميمة بينه وبين بطله «شهاب منير»، الذى يعترف بأنه صورته الأخرى، وعن أثر دعم محمد المخزنجى فى مسيرته الأدبية، ورؤيته للأدب العالمى بوصفه أدبًا إنسانيًا قبل أى شىء آخر. وفى قلب الحوار كله، تظل فكرة واحدة تتكرر: أن الكتابة محاولة لبناء عالم أحنّ، وعائلة من القراء، وونسٍ يقى الكاتب من قسوة الوحدة فى هذا العالم.



• ذكرت أن أحداث الرواية، الصادرة عن دار الشروق، مستوحاة من وقائع حقيقية ومصادفات عشتها شخصيًا، كيف تحولت تجربة شخصية بسيطة إلى شرارة فكرة رواية كاملة؟


ــــ يجب على الكاتب أن يكتب عما يعرفه. هذا ما يعطى للكتابة صدقها ويعطى للكاتب صوته الخاص. حرفية الكاتب تنبع من قدرته الخاصة على التخيل وإعطاء القصة العادية متسعا من الحكى. لكل البشر قصص خاصة ربما أروع من كل التاريخ السردى المكتوب. القصص المدهشة تحدث كل يوم وفى كل زمان وللجميع. هنا تبدأ لعبتك ككاتب. أن تصنع بمخيلتك قصة تستحق الحكى والاستماع. الكتابة فعل تخيل لعبى وشيق. يجعلك تحكى الحكاية كما تريد لها أن تكون لا كما هى بالفعل. هذا ما فعلته فى حامل مفتاح المدينة. وهذا ما يجعل كتابة الروايات والفن بشكل عام متعة.

• كيف انعكست تجربتك الشخصية أو المعرفية فى أمريكا على بناء عالم الرواية وشخصياتها؟


ــــ أعيش فى أمريكا من سبع سنوات وقبلها عشت ثلاث عشرة سنة فى كندا وفرنسا. وكمهاجر لسنوات طويلة تصبغك شمس البلاد البعيدة بألوانها. تتعلم أن تتنقل بين اللغات ومدلولاتها. أن تقابل الغرباء من أمثالك وأن تتعاطف معهم. تؤمن بمرور الوقت بضرورة الانفتاح على الآخر وتقبله. لذلك لم تكن شخصيات روايتى عن غرباء يكتب عنهم غريب لا يفهمهم. أبطال روايتى يمشون تحت جلدى. أقابلهم كل يوم كزبائن فى عيادتى أو جيران فى طاولة بمطعم أعتاد زيارته. أعيش فى نيويورك التى كتبت عنها الرواية. التجمع الأكبر للمهاجرين فى العالم. بشر من أعراق وجنسيات وديانات واهتمامات يصادفوننى كل يوم. لكننا جميعا نعيش بأمريكا ويسكنا كل الضجيج الذى تصنعه هذه الدولة المحيرة المشتهاة.

• شخصيات الرواية تبدو مكتملة وحية ما منهجك فى بناء الشخصيات وجعلها قريبة من القارئ؟


ــــ منهجى فى بناء شخصياتى بسيط للغاية وواضح تماما فى ذهنى. أنا كاتب هاو سيكتب عما يريح قلبه. أنا لم أتورط فى هم الاحتراف فى الكتابة ولا أرغب فى ذلك. أنا أكتب عن شخصياتى ما يريدون إخبارى به. أنا ناقل للحكاية ولست خالقا لشخصيات على الورق. أعطى لكل شخصية البراح والحرية التى يجب أن تتمتع بها. لا أدخل أى رواية بمسودة سابقة التحضير عن عدد محدد من الشخصيات ومصائرها ونهاية معلومة كما يفعل الكثير من الكتاب المحترفين. أنا فقط أبحث عن فعل المؤانسة مع أبطال روايتى الذى أعيش معهم لشهور. أنا صديقهم الذى ينقل الحكاية. وليس من الإنصاف أن تكون صديقا لأشخاص يأتمنونك على حكايتهم، فتملى عليهم تصرفاتهم.

• يتسلل «وجع خفى» عبر الرواية مرتبط بتسارع الزمن.. كيف اشتغلت على فكرة الزمن بوصفه عنصرًا ضاغطًا فى السرد؟


ــــ أنا شخص يخاف من الزمن. تربكنى فكرة أنى لا أستطيع التوقف عن التقدم فى العمر والعجز. ربما يبدو ذلك هاجسا شخصيا جدا. «فى حامل مفتاح المدينة» أنا أحد شخصيات الرواية. معظم أبطال هذه الرواية سيناريوهات متخيلة ومخيفة لى عن احتمالات من الممكن الحدوث لى شخصيا. فنان مشهور يموت غريبا فى بلد ليست بلاده. مشرد تغدر به الدنيا بعد غنى واستقرار. عجوز تائهة فى الذاكرة فى عالم أحبته ولم يحبها. طبيب بيطرى لا يمتلك سوى قلبه ويحاول أن يصلح عالم لا يفهمه. كل هذا مرتبط بما وصفتِه فى السؤال بالوجع الخفى ومرور الزمن الذى يسرق الأجساد الشابة والعقل القادر على الفهم والتقبل.

• فى رأيك، كيف يبدو «الحلم الأمريكى» من زاوية المهاجر العربى.. وهل ما زال يحتفظ بجاذبيته؟


ــــ الحلم دائما هو المضاد الصريح لعالم لا نعيشه. عالم خيالى نصنعه بأمنيات رومانسية وغير محددة المعالم. يمكننا أن نطبق ذلك بوضوح عن الحلم الأمريكى الأكثر اشتهاء فى العالم. بالتأكيد يلمع مصطلح «الحلم الأمريكى» كمرادف للثروة والنجاح والتحقق. قد يحدث ذلك فعلا ولكن لن يخبرك أحد من المهووسين بالحلم الأمريكى عن الثمن الذى سيدفعه فى مقابل النجاح فى أرض لن تحبك بلا مقابل. وسواء أكنت مهاجرا عربيا أو من أى جنسية أخرى فسيتوجب عليك دفعه.

• كيف توازن بين الغرائبية والواقعية بحيث يظل القارئ مشدودًا إلى عالم يبدو ملموسًا رغم غرابته؟


ــــ العالم الحقيقى أشد غرابة من الواقع. أتعجب كثيرا عندما يتحدث البعض عن الغرائبية فى حامل مفتاح المدينة. ببساطة لأن الكثير من وقائعها حقيقى وحدث بالفعل. ربما لأن عالمى مختلف عن عالم القارئ العربى الذى يقرأ الرواية يعطى لبعض التفصيل غرائبيتها. هناك أمر آخر يمكن أن يكون إجابة للسؤال. أنا القارئ الأول للرواية وكاتبها. لذلك أكتب ما يجعلنى مشدودا لمواصلة الكتابة والتقدم فى العمل. لا يهم أن يكون ذلك غرائبيا أم واقعيا. المهم هو أن يكون على ذائقة أسامة. أنا شخص ملول بطبعى ولا أحب القصص العادية التى أعيش تفاصيلها كشخص عادى يعيش فى هذا العالم. لذلك أكتب ما يجعلنى لا أشعر بالملل.

• قلتَ ضمنيًا إنك لا تذهب إلى العالم الذى يتوقعه القارئ. إلى أى مدى تراهن على كسر توقعاته أثناء الكتابة؟


ـــــ أنا لا أنشغل كثيرا بفكرة كيف سيستقبل القارئ ما أكتب. رغم تقديرى الكامل للقارئ. فهو الشخص الذى سيعطى مشكورا لروايتى من وقته واهتمامه. لكن لا يمكن إرضاء كل القراء من كل الاهتمامات. أثناء الكتابة أنا ألعب كطفل عليه أن يجعل لعبته مثيرة للاهتمام. المتعة والتشويق مهمان جدا لإنجاز أى أمر فى الحياة. وهذا ما يجعلنا نجلس لساعات لمتابعة فيلم ما على سبيل المثال.

• ما سر هذا «السحر السردى» الذى يجعل القارئ منجذبًا تلقائيًا إلى عالم الرواية دون مقاومة؟


ـــــ ربما الصدق هو حلقة الوصل الأهم بين الكاتب والقارئ. أشكرك بشدة لوصفك روايتى بأنها ذات سحر سردى. أكتب لكى أخرج ما أشعر به من مشاعر تشعرنى بالتوتر والحيرة بصدق وبدون خجل من هذه المشاعر. كلنا نعيش أزماتنا الخاصة كبشر. وعندما تتقاطع مصائر الكاتب والقارئ يرى كلاهما ذاته فى العمل الروائى. على الأدب أن يكون ساحرا ومختلفا كى يهب المتعة ويستطيع الحياة. نحن نحب الكتابة التى تشبهنا. ونشعر كقراء بالمؤانسة لأننا لسنا وحدنا فى هذا العالم القاسى وغير المفهوم.

• بطل الرواية مواطن مصرى يعيش فى نيويورك ويصنع كثيرًا من أزماته بفضوله ورغبته فى ألا يكون وحيدًا، كيف تشكلت هذه الشخصية؟


ــــ دعينى أعترف دون مواربة بأننى شهاب منير بطل الرواية. كان بطل الرواية اسمه أسامة علام حتى المراجعة الأخيرة قبل النشر. بالتأكيد لم أكتب الرواية كى أتحدث عن يوميات عادية. كتبتها كما أردت لأسامة أو شهاب أن يعيش حياته بطريقة أكثر إثارة ومتعة. أنا هو المواطن المصرى الذى يعيش فى نيويورك ويصنع الأزمات بفضوله ورغبته فى أن لا يكون وحيدا. لم يكن الأمر يحتاج للكثير من الشجاعة. كنت فقد أحاول المؤانسة بالكتابة والحياة بشكل ألطف وأكثر متعة على الورق.

• الدكتور المخزنجى يرى أن العمل يندرج ضمن السياق العالمى إذا نال الترجمة… هل كانت لديك رؤية للتأثير العالمى للرواية أثناء كتابتها؟


ـــــ الدكتور محمد المخزنجى هو من التفت إلى قدرتى على الكتابة. إنه أبى الروحى وداعمى الأول الذى قدمنى فى روايتى الأولى عام 2007 دون معرفة شخصية مسبقة لمجرد أن روايتى أعجبته بنبل لا يخفى على أحد فى كل الأوساط الثقافية. ولولا دعمه لكنت توقف عن الكتابة. فشهادته تعنى لى الكثير. أما تأثرى بالأدب العالمى فهو أمر لا أنكره تماما. تصبح الرواية العالمية أكثر تأثيرا بإنسانيتها المفرطة. وإلا ما تفسير تجاوبنا الشديد مع شخصيات تعيش فى بلاد لم نزرها ونتعاطف مع مشاكل لا تنتمى إلى عالمنا الثقافى. أنا كاتب يعيش فى الغرب ولا يحكم على الأشخاص ومعتقداتهم. أنا فقط أتعاطف وأحاول رؤية البشر من خلال إنسانيتهم ولا شىء آخر.

• أي مدى تمثل نيويورك «شخصية» قائمة بحد ذاتها في الرواية، تؤثر في مجريات الأحداث؟

نيويورك مدينة مدهشة فعلا. بالتأكيد لكل مدينة شخصتها الخاصة. لقد كنت محظوظا بالحياة في عشرات المدن. المدن الكبيرة كالقاهرة وباريس ومونتريال ونيويورك مدن مبنية من عشرات الطبقات ومئات الوجوه المختلفة. لكن أهم ما يميز نيويورك أنها مدينة مشتهاة ووقحة في اظهار حقيقتها. أمورها واضحة كسيدة لعوب تعلم أنك ترغبها لكنها صريحة في طلب ما عليك فعله لترضى عنك. نيويورك أيقونة الثقافة الأمريكية بكل تناقضاتها الطيبة والشريرة. حامل مفتاح المدينة ليست رواية عن نيويورك. لكنها بوضوح رواية عن أفعالها بالبشر.

تتقاطع في الرواية الهشاشة مع الإنسانية بعمق مؤثر… هل كان هذا محور اهتمامك منذ البداية أم ظهر أثناء الكتابة؟

الهشاشة هي الحقيقة الأهم التي توصلت لها بعد رحلتى الطويلة في السفر ومقابلة البشر. كلنا لدينا هذه الهشاشة التي نحاول دائما اخفائها عن العيون، كى نتمتع بالمظهر القوى الزائف. الحياة تجربة قاسية أحيانا والبشر أغبياء في التأكيد على تميزهم بالقوة والصلابة. الهشاشة الإنسانية تظهر البشر فى ألطف وأنبل خصائصهم. تجعلهم قابلين على التعاطف والتعبير بصدق. نبكى بدموع حقيقية أو نحتضن من نحب بقوة بفعل هشاشتنا الإنسانية التي نمارسها بعيدا عن العيون. ظهر ذلك أثناء الكتابة لأننى كنت أحاول أن أكون صادقا مع أبطال روايتى. وكما أخبرتك سابقا، أنا كنت أريد لهم أن يتحدثوا بحرية. فظهرت هشاشتهم لأنهم حاولوا حكى قصتهم كما حدثت.

قول إنك تكتب لسببين: لتوازن حياتك ولبناء «عائلة» من القراء… كيف تؤثر الكتابة على حياتك الشخصية والنفسية؟

وهل يجب الكتابة لأسباب أخرى؟. الحياة تجربة قصيرة مهما طالت. أعيش في بلد غريب وأفتقد دفئ الوطن في عالم أصبح الاكتئاب هو مرض ومعضلة العصر. تجعلنى الكتابة أكثر اتزانا. فأنا شخص أحب الونس والأصدقاء. وكلا الأمرين صعب الحصول عليه حيث أعيش هنا بنيويورك. فالكل هنا يجرى خلف وهم لا أستطيع تفسيره. وكأن العالم أصابه هوس الجرى خلف هدف متحرك. في الكتابة أصنع عالمى كما أتمناه. أتوقف عن الجرى كالأخرين وأتحدث لأسامة عن ما يجب أن يظل مؤمنا به. أقول له عليك أن تكون صادقا ومتعاطفا وحنونا. وهو يسمعنى فيكتب. الكتابة تهبنى أيضا عائلة كبيرة من الأصدقاء. أشعر بودهم في كل حفل توقيع أو مقابلة على المقهى. أجد معهم من يسمعنى ويتقبل اختلافى. ببساطة أنا مستمر في الكتابة كى لا أظل وحيدا.

• أشرت إلى أن الرواية تدور حول الإنسان أكثر من المكان، وأن الشخصيات «كاركترز» فريدة… كيف تضمن لكل شخصية عمقًا إنسانيًا يجعلها حاضرة في ذهن القارئ؟

ومن منا لا يحمل داخله هذا "الكاركتر" الذى يجعله هو نفسه ولا أحد سواه. يجعلنى ذلك أعاود الحديث عن فكرة الشخص يصبح حقيقيا فقط بما هو انسانى بداخله. والإنسانية في جوهرها مرتبطة بشكل عميق مع كل ماهو جميل وطيب ولطيف. حصر الإنسانية في البشر فقط تحليل قاصر. فالكلاب مثلا إنسانية في وفائها. والتعاطف انسانى في الشعور به. "الكاراكتر" هو أوضح ما يميز الشخصيات التي أكتب عنها. ولأنى أكتب عن بشر أحب أن أعاشرهم في الحياة لذلك أظهر أجمل ما فيهم من إنسانية. كى أحتملهم ويحتملونى أثناء الكتابة.

• ذكرت أن مسيرتك مليئة بالمصادفات التي شكلت حياتك وكتاباتك… هل تعتبر أن الحظ والصدفة جزء لا يتجزأ من العملية الإبداعية؟

بالتأكيد تلعب الصدفة دورها في أن تجعلك كاتبا لو امتلكت الموهبة. تضعك الصدفة في طرق متقاطعة مع أشخاص وأماكن ستحتفظ بهم في الذاكرة لتستدعيهم على الورق للكتابة. المهم هو أن تمتلك تلك العين التي ترى بها ما لا يراه الشخص العادى. القصص و"الكاركترز" حولنا في كل مكان ووقت. عليك فقط أن تنتبه لوجودها.

 الرواية تتحدث عن تجربة إنسانية يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم… كيف ترى دور البيئة أو المكان في تشكيل التجربة الإبداعية؟

للمكان والبيئة سطوتهما على التجربة الإبداعية بالتأكيد. هذا يفسر مثلا ظهور تيار الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية وليس في مكان أخر. أن تصبح الروايات الكورية واليابانية أكثر إنسانية وتحدثا عن ازمة الفرد في مجتمع لا يعرف الفقر المادى بل الفقر العاطفى. وأن تظهر عشرات الروايات التاريخية وروايات الجريمة والرعب في مصر تحديدا. وكأننا لا نملك في مصر ما يمكننا التحدث عنه ويصبح مقبولا من العرف والدين وهامش الحرية. المناخ العام هو ابن البيئة والمكان. أنا كاتب مصري يعيش في براح مختلف. لذلك أكتب عن ما يمكن أن يحدث في أي مكان في العالم ككاتب هاو وحر ولا ينتظر سوى المؤانسة وود من يقرأ له.

 تقول إن المهرج يمتص الضحكات فيسعد بينما الطبيب يمتص هموم المرضى ويمتلئ بالتعاسة… هل هذه المقارنة تلخص فلسفتك عن دور الفن مقابل المهنة التقليدية؟

عندما كنت صغيرا كان والدى رحمة الله عليه يصفنى بأننى مهرج عندما أقوم بأعمال لا توافق رؤيته الواضحة عن الالتزام. كان رحمة الله عليه شخصية عظيمة بالنسبة لى. وعندما كبرت ظلت الفكرة عالقة في رأسى. لكنى مع التقدم في السن والخبرة والتجربة وجدت أن مهنة المهرج مهنة عبقرية. أنها مهنة التعامل مع العالم بالسخرية التي يستحقها. والسخرية هي جوهر الفن الحقيقى حيث تكسر القوالب الجامدة لتخرج روح الابداع الحقيقية. صدقينى لو عادت الحياة بى ربما كنت سأعمل مهرجا حقيقيا. سأخرج لسانى لكل الوقار الزائف الذى عشت من أجل أن أثبته للأخرين. كنت سأغضب كما يجب للغضب أن يكون واضحك حتى تدمع عيونى. وأفتخر بالحياة كمهرج سعيد.

 الرواية تتناول الوحدة والفردية في المدن الكبرى وتستكشف طرق البشر للتواصل والتعاطف… هل ترى أن هذه كانت الرسالة الأساسية التي أردت إيصالها؟

بالتأكيد كانت هذه هي رسالتى في هذه الرواية وكل أعمالى طوال مشوارى الأدبى. فالبشر في المدن الكبرى تسحقهم الحياة في مدن تمتص أعمارهم لكى تحافظ المدن على بريقها الدائم. أحاول أن أكون صوتا للآخرين. ليس من المهم أن تكون أغنياتى بصوت يطرب الجميع. على الأقل أحاول أن أخبر أحد ما لا أعرفه ولا يعرفنى بأنه ليس وحيدا. وبأن الأمور ستكون بخير.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved