أسماء الجعفري في حوارها لـ الشروق: فيلم الطبقة السابعة محاولة لفهم ألم اكتئاب ما بعد الولادة

آخر تحديث: الجمعة 22 مايو 2026 - 5:58 م بتوقيت القاهرة

الشيماء أحمد فاروق

- الكاميرا ساعدتني على مواجهة اكتئاب ما بعد الولادة.. وأردت كسر الصمت حول ألم الأمهات
- الفيلم هدية لابني ومحاولة لفهم نفسي
- أردت تقديم اكتئاب ما بعد الولادة دون تجميل
- السينما التسجيلية كانت الشكل الأكثر صدقا لحكايتي

تشغل مرحلة اكتئاب ما بعد الولادة كثيرًا من صُنّاع الدراما والسينما حاليًا، إذ طُرحت القضية في أكثر من عمل درامي، وانتقلت أيضًا إلى السينما التسجيلية بحساسيتها تجاه نقل الواقع ومشاعره وارتباكه.

ومن أحدث الأفلام في هذا السياق فيلم "الطبقة السابعة" للمخرجة أسماء الجعفري، الذي عُرض في مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير في أبريل الماضي، وهو فيلمها الثالث بعد "حلمي أطير" و"مصرية".

وتدور أحداث الفيلم حول الأم، أي المخرجة نفسها، وعلاقتها بطفلها خلال مرحلة اكتئاب ما بعد الولادة، ومن خلالها تنطلق إلى سؤال أوسع حول ما تشعر به الأمهات، عبر شخصيات أخرى داخل العائلة، مثل العمة التي اُتهمت بالجنون في فترة كان هناك نقص حاد في إدراك مفهوم الصحة النفسية. وتُسائل أسماء الأرشيف الشخصي وتبحث داخل ذاتها، لتنطلق من هذا البحث إلى الأخريات.

وفي حوارها مع "الشروق"، تحدثت الجعفري عن دوافع صناعة الفيلم، وعلاقتها بالكاميرا، وحدود كشف الذات أمام الجمهور.

* في أي لحظة شعرتِ أن تجربتك مع الولادة يجب أن تتحول إلى فيلم؟

أعتقد أنها اللحظة التي جاءت بعد خروجي من فترة العزلة. خلال تلك الفترة كنت أصوّر طوال الوقت، دون أن أفهم تمامًا لماذا أصوّر، سوى أنني كنت أشعر أنني أتحسن قليلًا عندما أحمل الكاميرا. هناك دائمًا علاقة خاصة بيني وبين الكاميرا، وكأنها تساعدني على التأمل والتعبير عن أشياء لا أستطيع قولها بالكلمات.

وعندما خرجت من تلك المرحلة، وأدركت أن الحالة النفسية التي كنت أمر بها هي اكتئاب ما بعد الولادة، وأنني رغم انتهاء العزلة ما زلت غير قادرة على التعافي، بدأت أنظر إلى المادة المصورة بشكل مختلف. شعرت أن عليّ أن أفتش داخل هذا الجرح، وألا يتوقف الأمر فقط عند فكرة الأمومة، بل أن أواجه أيضًا الصورة النمطية لفترة ما بعد الولادة التي اعتدنا رؤيتها دائمًا في الأفلام؛ الاحتفالات والفرح وفكرة أن كل شيء يعود طبيعيًا بعد أيام قليلة.

بينما في الحقيقة هناك ألم معقد وعميق نحاول دائمًا تجميله أو إخفاءه، رغم أن أثره يبقى داخل كثير من الأمهات لفترة طويلة.

ومن هنا قررت أن أتعامل مع المادة المصورة بصدق أكبر، وأن أعترف أنني لم أكن أصوّر لحظات سعيدة فقط، بل كنت أصوّر لأنني لم أكن بخير، منذ فترة الحمل وحتى ما بعد الولادة.

والدافع الحقيقي بالنسبة لي كان المقاومة. أنا أرى أن الأمهات قويات جدًا، ويقمن بأشياء شديدة الصعوبة بشكل يومي؛ يتحملن ألم الولادة والجراح والإرهاق، ويحملن أبناءهن حتى آخر لحظة، ويستمررن في القيام بدورهن رغم كل شيء. لذلك شعرت أن من الظلم أن تبقى كل المشاعر والألم المرتبط بهذه المرحلة في منطقة الصمت.

كان من الممكن أن تبقى كل هذه المادة المصورة داخل درج مغلق، مجرد ذكرى شخصية لا يراها أحد، لكن فكرة المقاومة هي التي دفعتني إلى كسر هذا الصمت، وأن أتكلم بصدق عما نعيشه كأمهات، دون تجميل أو محاولة لصناعة صورة مثالية.

وأشعر أنه سيأتي وقت يفهم فيه ابني أن هذا الفيلم هو هدية له أيضًا؛ لأنه كان السبب في تفجير كل هذه الأسئلة والمشاعر داخلي، وفي الوقت نفسه كان السبب في أن تصبح أمه قوية بما يكفي لكي تواجه ألمها وتحكي عنه.

* هل كان صنع الفيلم محاولة للفهم أم للمواجهة والتعافي؟

أعتقد أن صناعة الفيلم كانت محاولة للفهم، وللمواجهة أيضًا. ففي رحلات الأفلام التسجيلية نحن دائمًا نحاول أن نفهم شيئًا حقيقيًا يخصنا، أو نبحث عن شيء نهرب منه طوال الوقت لأنه يلمس مناطق شخصية وحساسة جدًا داخلنا، ومن هذه المنطقة تحديدًا تأتي المشاعر الحقيقية.

لذلك كان الفيلم بالنسبة لي محاولة لفهم ما مررت به، وفي الوقت نفسه مواجهة لمشاعر مؤلمة أو لمشاعر نخاف أحيانًا من الاعتراف بها خوفًا من اللوم أو سوء الفهم.

لا أستطيع أن أقول إن الفن يخلق تعافيًا كاملًا، لكنه يجعلنا نشعر أننا أفضل قليلًا. أشعر أن كل مرة نحاول فيها فتح الأشياء التي أُغلقت بمرور الوقت، ونعيد التفكير فيها أو البوح بألمنا، يحدث نوع من التصالح أو الخفة الداخلية، حتى لو لم يختفِ الجرح تمامًا.

كما أشعر أن مشاركة هذه المشاعر قد تساعد أشخاصًا آخرين، ليس بالضرورة صُنّاع أفلام، لكن أشخاصًا يبحثون داخل أنفسهم عن شيء ضائع أو غير مفهوم. وعندما يشاهدون تجربة صادقة، ربما يدركون أنهم ليسوا وحدهم، وأن هذه المشاعر موجودة فعلًا وتمت تجربتها والتعبير عنها من قبل.

* الفيلم يبدو كأنه مواجهة مع الذات والجسد معًا.. هل كشف تجربة ذاتية للجمهور أمر مقلق؟

أمر مقلق جدًا بالنسبة لي، لأنك في النهاية لا تكشف نفسك فقط، بل تكشف أيضًا علاقتك بالأشخاص الذين تحبهم. ودائمًا يكون هناك خوف من اللوم أو من أن يشعر الآخرون أنك تقدمهم بصورة قاسية أو ظالمة، خاصة عندما يكون هؤلاء الأشخاص جزءًا من عائلتك أو عالمك الشخصي.

أحيانًا يصبح الأمر مؤلمًا لأنك تحاول أن تكون صادقًا مع مشاعرك، وفي الوقت نفسه تخاف أن يبدو هذا الصدق وكأنه اتهام للآخرين أو فضح لهم أمام المجتمع والمشاهدين.

لذلك يبقى السؤال حاضرًا طوال الوقت: كيف سيتقبل الجمهور هذا الألم؟ وكيف سيتقبل الأشخاص الذين أحبهم المشاعر التي عبّرت عنها تجاههم، حتى لو كانت مشاعر حقيقية وصادقة؟

كما يدخل الإنسان في صراع آخر، وهو: هل أنا أستغل من حولي لكي أحكي عن ألمي؟ وهل يحق لي أصلًا أن أفتح هذه المساحات الخاصة أمام العالم؟

كل هذه الأسئلة والاتهامات الداخلية تجعل فكرة البوح نفسها مقلقة جدًا، وربما لهذا نهرب أحيانًا من مواجهة الحكي عن تجاربنا الشخصية.

لكن ما بدأت أفهمه مع الوقت هو أن الصدق يمكن أن يكون شكلًا من أشكال التسامح. ربما نحن لا نستطيع أن نشفي كل جروحنا، لكن مجرد الحكي عنها يساعدنا على التصالح مع الجوانب المظلمة داخلنا وداخل العالم الذي نعيش فيه.

أنا تصالحت مع فكرة أنني لست أمًا مثالية، وأن الحياة ليست خيرًا أو شرًا بشكل مطلق، بل مليئة بعدم الفهم والارتباك والألم والمحاولات الإنسانية الناقصة. وربما هذا التصالح هو ما خفف عني الخوف قليلًا، وجعلني أشعر أن مشاركة التجربة قد تكون سببًا في تخفيف ألم أو وحدة أم أخرى في المستقبل، أو في كسر دائرة الصمت التي تعيش فيها كثير من النساء.

* إلى أي مدى واجهتِ مقاومة من المحيط الشخصي لتحويل أمر ذاتي إلى مادة سينمائية؟

وجود الكاميرا خلال فترة اكتئاب ما بعد الولادة كان مرتبطًا جدًا بحالة العزلة التي كنت أعيشها، ومع عدم فهم زوجي وقتها لما أفعله أو لماذا كنت مصرة على التصوير. هذا خلق نوعًا من الإحباط، لأن الكاميرا كانت تُرى أحيانًا كشيء غير مناسب داخل البيت، بدلًا من كونها وسيلة للتعبير أو الفهم.

لكن التجربة اختلفت تمامًا مع ابني. مع الوقت تطورت علاقته بالكاميرا بشكل طبيعي جدًا؛ من طفل تصوره أمه وهو صغير، إلى طفل بدأ يتفاعل مع الكاميرا، لدرجة أن الكاميرا نفسها أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، وكأنها شخص يعيش معنا في البيت، وهو ما انعكس بوضوح في المادة السينمائية.

وبالنسبة لعائلتي، فبسبب ظروف كورونا كان هناك نوع من البُعد، وفي الوقت نفسه تفاوت في الفهم. أحيانًا كنت أظهر أشياء وأخفي أخرى، وكانت هناك حالة من عدم الوضوح في العلاقة بيني وبينهم حول ما الذي أريد قوله فعلًا من خلال الفيلم.

ومع ذلك، لم يكن هذا المشروع أول تجربة لي داخل العائلة، لأن مشروع تخرجي كان عن أمي، وهناك نوع من التقبل لفكرة وجود الكاميرا، رغم أن فريقًا آخر لم يكن مرتاحًا للفكرة نفسها.

واللحظة المهمة بالنسبة لي جاءت عندما شاهدت أختي نسخة الفيلم، وكانت تمر هي الأخرى بتجربة اكتئاب. وقتها قالت لي: "عمتك اتظلمت"، ومن هنا شعرت أن هناك قراءة أعمق داخل العائلة، وأن ما أفعله ليس فقط كشفًا أو مواجهة، بل أيضًا إعادة فهم للتاريخ العائلي من زاوية مختلفة.

في تلك اللحظة شعرت أن هناك سندًا خلفي، وأنني لست وحدي في مقاومة الصمت العائلي.

وبالنسبة لعمتي -رحمها الله- أنا لا أرى أن الفيلم يسيء لها، بل أراه محاولة لاستعادة صوتها في وقت لم يكن فيه أحد يسمعها أو يفهم ما كانت تمر به. واليوم، عندما تُحكى قصتها، فهي لا تُختزل في صورة "مشكلة"، بل تُفهم كإنسانة كانت تمر بتجربة نفسية لم يُنتبه لها بالشكل الكافي.

لهذا أرى أن الحكي عن هذه التجارب ليس مقاومة للعائلة بقدر ما هو محاولة لإعادة فهم الألم داخلها، وفتح مساحة وعي أوسع للأجيال القادمة، حتى نصبح أكثر قدرة على التعامل مع الصحة النفسية.

* لماذا اخترتِ الشكل التسجيلي وليس الروائي للحكي؟

لأنني أؤمن أن قوة الحكي الحقيقية تأتي من أن أكون شاهدة على التجربة، لا مجرد راوٍ لها من الخارج. بالنسبة لي، ما يخص اكتئاب ما بعد الولادة لم يكن مجرد موضوع يمكن تمثيله، بل حالة عشتها بكل تفاصيلها النفسية والجسدية، وبالتالي كان من الطبيعي أن يكون الشكل الأقرب إلى الصدق هو الفيلم التسجيلي.

والـ"Creative Documentary" تحديدًا يتيح مساحة واسعة لإعادة بناء التجربة، ليس فقط كما حدثت، بل كما شعرت بها أيضًا. فهذا الشكل لا يقيدني، بل يفتح الباب أمام استخدام الأرشيف الشخصي والعائلي والذاكرة والمادة المصورة، وكل ما يمكن أن يحمل أثر التجربة بدلًا من تقديمها بشكل مباشر أو تمثيلي فقط.

وأرى أن هذه الطريقة تمنح الفيلم صدقًا مختلفًا، لأنها تنطلق من عين المخرجة نفسها، وتستخدم أدوات متعددة للتعبير عن المشاعر المرتبطة بأحداث حقيقية.

وكان هذا مهمًا جدًا بالنسبة لي، لأنني كنت أبحث عن طريقة أستطيع من خلالها مقاومة فكرة التجميل أو التخفيف من حدة التجربة، وتركها كما هي بكل تعقيدها.

هناك بالفعل الكثير من الأعمال التي تناولت اكتئاب ما بعد الولادة، لكن ما كنت أبحث عنه هو مساحة أستطيع من خلالها أن أروي التجربة بنفسي، وبأدواتي، وبأرشيفي الشخصي، دون أن تُمرر في قالب جاهز أو صورة محسّنة. لهذا شعرت أن السينما التسجيلية الإبداعية هي الشكل الأكثر صدقًا، والأكثر قدرة على حمل هذا النوع من المقاومة والحساسية.

* كيف أثر الاكتئاب عليكِ؟

أثر على علاقتي بنفسي، لأنه جعلني أفهم نفسي بشكل أعمق، حتى لو جاء هذا الفهم عبر فترة صعبة ومربكة.

ومن الأشياء التي اكتشفتها خلال تلك المرحلة أن التصوير يجعلني أشعر أنني أفضل، لذلك أصبحت الآن عندما أشعر أنني لست بخير أعود إلى الكاميرا أو التصوير، لأنني أشعر أنها مساحة أستطيع من خلالها التعبير عن مشاعر لا أملك دائمًا القدرة على قولها بشكل مباشر.

كما جعلتني التجربة أكثر وعيًا بأهمية الصحة النفسية، وبأن اللجوء إلى طبيب نفسي أو طلب المساعدة ليس شيئًا مخجلًا، بل يمكن أن يساعدنا كثيرًا على فهم أنفسنا وما نمر به قبل أن تتفاقم الأمور أو نفهمها بعد فوات الأوان.

وأصبحت أيضًا أكثر تصالحًا مع فكرة اضطراب المشاعر وتقلبها، وأن هذا جزء طبيعي جدًا من التجربة الإنسانية، وتجربة النساء تحديدًا، بسبب كل التغيرات الجسدية والنفسية التي نمر بها.

والأهم بالنسبة لي الآن هو امتلاك وعي أكبر بكيفية التعامل مع هذه المشاعر مستقبلًا، بدلًا من ترك نفسي غارقة فيها دون فهم.

* لو شاهد ابنك هذا الفيلم في المستقبل.. ماذا تتمنين أن يفهم عنك؟

أصنع هذا الفيلم أيضًا لابني سائر، وأراه هدية له قبل أي شيء آخر. أتمنى عندما يكبر ويشاهده أن يشعر بأن أمه لم تكن ضعيفة في أي لحظة، بل كانت تحاول أن تفهم نفسها وتستعيد قوتها من خلال الحكي والصورة والبحث.

أريد أن يفهم أن القوة ليست في الصمت أو التحمل فقط، بل أيضًا في القدرة على مواجهة الألم والتعبير عنه، وتحويل التجربة الصعبة إلى شيء يمكن رؤيته ومشاركته.

وأتمنى أن يساعده هذا الفيلم على فهم معنى أعمق للرجولة؛ ليس باعتبارها سيطرة أو قسوة، بل مسؤولية ورعاية ووعيًا بالآخر، وقدرة على الاحتواء، خصوصًا تجاه المرأة في حياته المستقبلية.

أتخيله رجلًا في المستقبل يشاهد هذا الطفل الموجود في الفيلم، ويدرك أن هذا العمل لم يكن ضده، بل من أجله، ومن أجل وعي أوسع بالعلاقة بين الأم والطفل، وبين الرجل والمرأة، وبين الألم والحب.

أريد أن يعرف أنني لم أستخدم تجربتي كضعف، بل كمساحة للتأمل والمقاومة، وأن وجوده في حياتي كان سببًا في أن أكون أقوى، لا أضعف، وأن هذا الفيلم ليس فقط عن الألم الذي مررت به، بل عن الحب الذي جعلني أستمر وأحكي وأواجه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved