قناوي وعبد الملك زرزور وغيرهم.. كيف نفهم سلوكيات العنف بدافع الحب؟

آخر تحديث: الأربعاء 22 يونيو 2022 - 6:24 م بتوقيت القاهرة

هزت جريمة قتل الطالبة نيرة أشرف، الرأي العام المصري بعد مقتلها "ذبحها" أمام بوابة جامعتها في مدينة المنصورة، وأكدت التحقيقات الأولية الأقاويل المتداولة حول حُب الجاني للمجني عليها، ومحاولته الحصول على موافقتها للزواج منه بطرق مختلفة، كما ظهرت تصريحات لوالدها حول ترصد الجاني لابنته أكثر من مرة وإرساله رسائل تهديد لها، وبعد انتشار هذه القصة كتب العديد منشورات تحت عنوان "من الحب ما قتل" مُشيرين إلى أعمال فنية ظهرت فيها نماذج لجرائم قتل بدافع الرغبة/ الحب.

إلى جانب القصص الرومانسية التي قدمتها الدراما المصرية، كان هناك الكثير من الأعمال التي عالجت فكرة "جنون المحبين" أو الحالات الشاذة التي تعتبر الحب امتلاكا يؤدي إلى أذى المحبوب في حالة الرفض بوسائل مختلفة، وفي هذا السياق نتعرض لبعض هذه الأعمال الفنية وتفسيرها بصورة نفسية توضح دوافع الشخصيات فيها.

في فيلم سعاد حسني "الثلاثة يحبونها"، من تأليف أمين يوسف غراب وإخراج محمود ذوالفقار عام 1965، يحكي العمل قصة فتاة لديها أفكار متحررة وتعادي الأفكار المتحفظة المسيطرة على المجتمع، تجمعها صداقات مختلفة برجال في العمل والنادي والسهرات الليلية؛ ما يتسبب لها في مشاكل نتيجة ادعاء البعض أكاذيب عنها، وفي نفس الوقت يحبها أكثر من شخص، ولكنها تفضل أحدهم وتوافق على الزواج منه، ولكن قبل إتمام زواجها يقرر أحدهم التعدي عليها جنسيا، نتيجة للسياق الاجتماعي الذي حكم عليها كفتاة سيئة السمعة ولديها علاقات متعددة، ولكنه يكتشف الحقيقة بعد مواقعتها جنسيا.

ويعتبر سلوك الاعتداء الجنسي نوعا من إذلال الآخر، ويفسرهُ دكتور كوستي بندلي، المتخصص في علم النفس التطبيقي، في كتابه "الجنس ومعناه الإنساني"، حيث قال: "الراشد رغم كونه قادرا أكثر بكثير من الرضيع على تمييز شخص الآخر ككيان قائم بذاته، لا يزال يحتفظ بشكل لا شعوري إلى حد بعيد بتلك النزعة التي رأيناها تدفع الرضيع إلى استهلاك الآخر، هذا ما يطبع العلاقة الجنسية بطابع استهلاكي يعبر عنه في المواقف وتترجمهُ عبارات اللغة فكثيرا ما تعتبر المرأة نوعا من الفاكهة ويشبه أعضاء جسمها بفواكه متنوعة مما يظهر موضوع هذا الميل إلى الآخر على أنها فريسة تؤخذ وتؤكل، وهذا ما يتحقق على أكمل وجه في عملية الاغتصاب الذي يتنكر لحرية المرأة كشخص ويستهلكها كأنها شيء، والموقف الاستهلاكي في العلاقة الجنسية هو دائما هدام للآخر لأنه يزيل كيانه الشخصي ويعتبره مجرد شيء، ويؤدي إلى حالة من التلذذ بتهديم الآخر معنويا وماديا وقد يصل هذا التهديم إلى إزالة الآخر من الوجود".

ونرى أن هذه الحالة تكررت في أعمال سينمائية أخرى على سبيل المثال فيلم هي فوضى، بطولة منة شلبي وخالد صالح، وتأليف ناصر عبدالرحمن وإخراج يوسف شاهين، حيث يؤدي هوس أمين الشرطة حاتم، بجارته نور إلى اغتصابها في نهاية الأحداث عندما يتأكد أنها سوف تتزوج من رجل آخر، ويمهد المخرج من خلال الصورة إلى هذا الهوس المغلف بكلمات الحب التي يعبر عنها حاتم من خلال صور نور التي تملأ غرفته وهي عارية، حيث يستعين بأحد العاملين في الجرافيك ويضع وجهها على أجساد نساء عاريات، بالإضافة إلى تجسسه عليها أثناء تواجدها في المرحاض، لذلك يقوده هذه الهوس إلى الاعتداء عليها جنسيا حتى لا تكون لرجلِ غيره.

وكما ذكر بندلي، إن هذا العداء القائم على تحويل إنسان آخر إلى مجرد شيء يمكن أن يصل إلى إزالة هذا الآخر من الوجود، ونرى ذلك متحققا في فيلم "إبراهيم الأبيض"، بطولة محمود عبدالعزيز وأحمد السقا وهند صبري، وتأليف عباس أبو الحسن وإخراج مروان حامد، يقتل عبد الملك زرزور، حورية في نهاية الفيلم عندما يتأكد تماما أنها لا تحبه وإنما تحب ابراهيم، ويقول لها نصا في سياق الحوار "أهون عليكي تهوني عليا"، ويطلق عليها النار، رغم أن قصة العمل ترسخ كليا لمدى حب زرور لحورية ولكن هذا الحب لا يمنعه من قتلها فورا عند تأكدهِ من مجاهرتها بحبها لآخر.

ليس عبدالملك زرزور، الوحيد الذي حاول قتل حبه، بالعودة إلى يوسف شاهين مرة أخرى في فيلم باب الحديد، والذي جسد فيه دور قناوي، الشخص العاجز عن كل شيء حبيس جسده ورجله العرجاء التي تمنعه من أن يكون إنسانًا يحظى بالاحترام، وحبيس رغبته الجنسية التي تدفعه دفعًا نحو محاولة لمس أو رؤية أي جزء من جسد امرأة، وحبيس رغبته الشديدة للحصول على الحب بأي شكل وتحديدا حبه لـ هنومة التي تحب أبو سريع، لذلك يقرر طعنها بالسكين في النهاية رغم غرامه الشديد بها.

ولكن هذا التملك الذي يصيب من يصفون نفسهم أنهم محبين، يتنافى تماما مع مقومات الحب ذاته التي تحدث عنها بندلي في كتابه، حيث ذكر في حديثه عن الحب أنه يجعل الأطراف تحترم ذاتية وفردية الآخر، وأنه شخص مستقل بذاته لديه الحرية في التصرف وليس "شيء للاستهلاك"، وقد قال فرويد بأن ما يميز الطفل عن الراشد هو أن الأول يسير بمبدأ اللذة فقط بينما الثاني يقوم مبدأ اللذة هذا بإخضاعهِ "لمبدأ الواقع" ولكن مبدأ الواقع يقتضي أن يقيم الإنسان حسابا للآخرين، وأن الحب الأصيل الذي يقيم للآخر وزنا كأحد المقاييس الهامة لنضجه العاطفي، ويؤكد هذه المعاني عالم النفس سيجموند فرويد، الذي أشار إلى أن الطفل يعيش في وضع لا تمييز فيه بين نفسه والعالم الخارجي وأحاسيسه الذاتية، وكأنه المحيط كله، وينتج عن هذا الشعور إحساس وهمي عند الطفل بأن رغبته كلية الاقتدار وأن كل شيء في متناوله ويكفيه أن يرغب لكي تتحقق له رغباته ولا ينتقل الشخص من مرحلة الطفولة إلى النضج والوعي "الانتقال من الاستيلاء إلى العطاء" إلا عندما يكتشف تدريجيا الآخر كذات مستقلة غير خاضعة لسيطرته.

لذلك نستطيع فهم تصرفات الأشخاص الذين يحاولون السيطرة على محبيهم أو التخلص منهم بأشكال مختلفة أو إيذائهم في هذا السياق على أنهم شخصيات لم يستطيعوا فهم الآخر كذات مستقلة بل كتابع له وجب عليهم الانسياق لهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved