من الحرب إلى الحياة اليومية.. كيف تحاول السينما الإسرائيلية إعادة رسم صورتها أمام الجمهور الأمريكي؟
آخر تحديث: الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 2:12 م بتوقيت القاهرة
الشيماء أحمد فاروق
تتراجع صورة إسرائيل لدى قطاعات من الجمهور الأمريكي، وبالتوازي تحاول السينما الإسرائيلية الحفاظ على حضورها في الولايات المتحدة من خلال طريق مختلف؛ وذلك عبر تقديم قصص عن الناس وحياتهم اليومية، وعن العائلة والهوية والمجتمع اليهودي، بعيدا عن الصورة التي ارتبطت لسنوات بالقتل والجيش وأجهزة الأمن.
وتواجه الصادرات الثقافية الإسرائيلية تدقيقا متزايدا في الخارج منذ 7 أكتوبر الأول 2023، فقد أظهر استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث أجري في مارس 2026 أن 60% من الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقابل 37% فقط لديهم نظرة إيجابية، مقارنة بـ53% مقابل 45% في العام السابق، وشملت الدراسة 3507 بالغين أمريكيين.
وفي هذا المناخ، تحاول إسرائيل تحسين صورتها والتواصل مع الجمهور عبر الفنون، ومن بينها السينما، لذلك تعرض للجمهور الأمريكي أفلام جديدة، هي: "What Is to Come"، و"The Wedding Entertainer (The Tale of Moishe Badhan)"، و"On Thin Ice"، وهي أفلام تختلف موضوعاتها عن أفلام الحرب والتجسس التي شكلت جزءا بارزا من صورة إسرائيل في الخارج.
في فيلم "What Is to Come"، تقدم المخرجة الإسرائيلية روثي بريبار قصة شخصية عن "يهوديت"، امرأة في الستين تفقد زوجها بصورة مفاجئة وتكتشف أنها ورثت ديونه، فتضطر إلى إعادة بناء حياتها من جديد، وبينما تبدأ العمل وتكوين صداقات جديدة، تتحول رحلة الهروب من الحزن إلى رحلة لاكتشاف الذات وإمكانية البدء من جديد.
الفيلم، وهو إنتاج إسرائيلي-بريطاني، عُرض عالميا في مهرجان "تريبيكا" السينمائي في نيويورك، وحاليا يعرض في السينمات للجمهور العام.
ويقدم هذا النوع من الأفلام زاوية مختلفة لإسرائيل: ليس باعتبارها دولة في حالة حرب أو مجتمعا تحكمه الأسئلة الأمنية، وإنما كمجتمع يعيش فيه أشخاص لديهم مشكلات أسرية واقتصادية وعاطفية، وهي موضوعات تمرر لدعم صورة المجتمع الإسرائيلي أمام الأشخاص الذين يتابعون ما تفعله دولة الاحتلال في غزة والضفة.
والأمر أكثر وضوحا في فيلم "The Wedding Entertainer (The Tale of Moishe Badhan)" للمخرج غيدي دار، حيث تدور أحداثه داخل المجتمع اليهودي الحريدي، ويتابع مؤدي حفلات زفاف فقد مكانته بسبب إدمانه ويحاول استعادة مسيرته المهنية حتى يتمكن من توفير المال لزواج ابنته، وعُرض الفيلم في "تريبيكا" أيضا.
ويركز الفيلم على تفاصيل الحياة داخل المجتمع الحريدي، وعلى تقاليد حفلات الزواج والعائلة والطموح والفشل وإعادة بناء الحياة.
أما فيلم "On Thin Ice"، للمخرجين عودي كالينسكي وإيريت هود، فيستخدم قصة شخصية ورياضية لطرح سؤال الهوية، يتابع الفيلم "آيا"، لاعبة هوكي درزية تبلغ 19 عاما من هضبة الجولان (المحتلة) تحلم بتمثيل إسرائيل، في وقت يرى عمها أن اختيارها يمثل ابتعادا عن جذورها السورية، والفيلم، الذي عُرض في سوق برلين السينمائي، موجود ضمن إصدارات الموزع الأمريكي المتخصص في الأفلام الإسرائيلية "Ruth Films".
ونلاحظ أن في هذا الفيلم يتم التعامل مع الجولان كجزء من إسرائيل، حتى عندما تتقاطع هذه الأفلام مع قضايا سياسية فإنها تصل إليها من خلال أفراد وعائلات ومجتمعات، وليس من خلال الخطاب العسكري.
إسرائيل لا تستطيع الهروب من ظل الحرب
وتكشف تجربة فيلم "Checkout" للمخرج والكاتب والمنتج جوناثان ديكل، مدى صعوبة فصل الإنتاج الثقافي الإسرائيلي عن الأحداث السياسية الراهنة.
الفيلم كوميديا سوداء عن عميل موساد إسرائيلي أمريكي الأصل يقترب من التقاعد، ويدخل في مواجهة مع هدف للموساد داخل فندق، لكن توقيت وصول الفيلم إلى الجمهور تغير جذريا بعد 7 أكتوبر.
وبحسب تقرير حديث لـ"Times of Israel"، كان فريق الفيلم قد أنهى تقريبا مرحلة المونتاج عندما وقعت أحداث 7 أكتوبر 2023، ثم استدعي ديكل للخدمة العسكرية.
ويقول ديكل إن طرح فيلم ساخر عن القوات الخاصة الإسرائيلية في ظل الوقت الحالي أصبح مسألة شديدة الحساسية.
كما تحدث عن صعوبة العثور على موزع أمريكي أو منصة بث كبرى، معتبرا أن المشكلة لا تقتصر على فيلمه وحده، وإنما تطال، بحسب تقديره، عددا من زملائه وصانعي الأفلام الإسرائيليين، حيث قال: "من الصعب على الأفلام الإسرائيلية في الوقت الحالي أن تجد جمهورا لأن كل شيء يترجم إلى فلسطين".
ومع ذلك، وصل "Checkout" بالفعل إلى الجمهور الأمريكي؛ إذ افتتح في 17 سبتمبر في "Quad Cinema" في مانهاتن أمام عرض مكتمل المقاعد، بحسب التقرير نفسه، حيث لا تكف الجهود الإسرائيلية عن فرض وجودها بأي طريقة.
ومع تزايد المسافة بين صورة إسرائيل الرسمية وبين مواقف قطاعات من الجمهور الأمريكي، قد تصبح هذه الأفلام الاجتماعية والإنسانية إحدى الطرق التي تحاول بها السينما الإسرائيلية إعادة تقديم المجتمع الذي تنتمي إليه، ليس عبر إنكار الحرب، وإنما عبر إظهار ما يوجد خلفها من حياة وأشخاص وقصص لا تختزل في السياسة، هو جزء من كل لدعم الصورة الإسرائيلية ككل.
لكن كل هذه المحاولات لا تنفي عناوين الأخبار اليومية التي تبرز العنف الإسرائيلي المرتكب في الضفة الغربية من المستوطنين أو الجنود، وفي قطاع غزة؛ ففي الشهر الجاري فقط، أفادت "رويترز" باستشهاد خمسة فلسطينيين في ضربات إسرائيلية، بينهم طفلان، وقالت المصادر الطبية إن طفلة تبلغ 8 سنوات استشهدت في ضربة بخان يونس، كما استشهد طفل آخر في ضربة مزدوجة في حي الشيخ رضوان، وفي 19 سبتمبر، أفادت الجزيرة باستشهاد أربعة فلسطينيين من بينهم في هجمات إسرائيلية.