خلف شاشة التعليقات.. كيف تتشكل لغة تبرر العنف وتعيد تعريف الرجولة؟
آخر تحديث: الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 1:29 م بتوقيت القاهرة
الشيماء أحمد فاروق ورنا عادل
تكشف مساحة التعليقات على الأخبار المتعلقة بقضايا العنف ضد النساء عن جانب آخر من التعامل مع هذه الوقائع، لا يرتبط فقط بموقف المتابعين من الجريمة نفسها، وإنما يمتد إلى اللغة المستخدمة في تفسيرها، وتحديد المسئولية عنها، والنظر إلى الضحية والأطراف المرتبطة بالواقعة، وفي قضية مقتل الطفلة "آ ر"، ظهر تباين في أنماط التفاعل مع الخبر، بين التعاطف مع الضحية وإدانة قتلها من جهة، وتبرير الفعل أو تأييده وتحميل الضحية أو أطراف أخرى مسئولية ما حدث من جهة أخرى.
وفي محاولة للوقوف على هذه الظاهرة وتفسيرها من قِبل المختصين، حاولنا رصد عينة عشوائية من التعليقات الموجودة على الأخبار الخاصة بالواقعة على صفحات بعض الصحف المصرية، وتم اختيار التعليقات التي تحتوي على تحريض صريح أو تشجيع للعنف بشكل واضح، وفقا لمفهوم الميسوجينيا الإلكترونية، وهي كراهية النساء والتحيز ضدهن عبر الفضاء الرقمي.
ولم يتم اختيار التعليقات وفقا لسن أو نوع اجتماعي أو أي خصائص ديموغرافية أخرى، ولا يعني هذا الرصد أن التعليقات تعكس اتجاهات المجتمع ككل، لكنه يسلط الضوء على أنماط من الخطاب ظهرت داخل مساحة التعليقات، بهدف التعرف إلى أبرز أنماط التفاعل مع الواقعة، وليس بهدف قياس اتجاهات الرأي العام بصورة عامة.
وضم الرصد 417 تعليقا، مجمعة من 5 منصات إعلامية مصرية، ومن بين 292 تعليقا انطبقت عليها الفئات الثلاث الرئيسية محل المقارنة، جاءت التعليقات التي تبرر أو تؤيد فعل القتل في المرتبة الأولى، بواقع 124 تعليقا، أي نحو 43% من هذه المجموعة، بينما بلغ عدد التعليقات التي عبرت عن التعاطف مع الضحية 97 تعليقا، بنسبة 33%، بينما سجلت التعليقات التي تضمنت إدانة صريحة لفعل القتل 71 تعليقا، بنسبة 24%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن تبرير أو تأييد فعل القتل كان حاضرا بقوة داخل التعليقات المرصودة، لكنه لم يكن الاتجاه الوحيد؛ إذ شكل التعاطف مع الضحية وإدانة قتلها معا نحو 57% من التعليقات المصنفة ضمن الفئات الثلاث.
إلى جانب هذه الفئات الرئيسية، أظهر الرصد وجود أنماط أخرى من التعليقات؛ فقد جرى تصنيف 55 تعليقا باعتبارها تحريضا ضد الضحية، بينما تضمنت 7 تعليقات تحريضا ضد الطرف الثالث المرتبط بالقضية، وهو الشاب المتهم بالاعتداء على الطفلة، كما تضمنت العينة 27 تعليقا رفض فيها نشر أو تداول القضية، في حين صُنفت 35 تعليقا ضمن فئة "غير منطبق"، لعدم انطباق معايير التصنيف المحددة عليها، وهي في الأغلب كانت تعليقات غير مرتبطة بالقضية وإنما إعلانات من أفراد لصفحاتهم أو عبارات دينية غير مرتبطة بالتعاطف.

مفردات تستدعي تصورات عن الرجولة وتفتح باب التمييز وتبرير العنف
تعكس النتائج تعدد مسارات التفاعل مع القضية داخل مساحة التعليقات، فإلى جانب التعاطف والإدانة، ظهرت تعليقات تتعامل مع الواقعة من زاوية تبرير فعل القتل، وأخرى تنقل النقاش إلى مسئولية الضحية أو أطراف أخرى، بينما يكشف تكرار مفردات مثل "راجل" و"دكر" عن حضور خطاب يستدعي تصورات مرتبطة بالذكورة والرجولة فيما يتعلق بالتعامل مع النساء عند تناول بعض جوانب الواقعة، حيث تمثل نسبة الكلمة 19.4% وهي نسبة التكرارات إلى إجمالي التعليقات.
وتبرز هنا أهمية الفصل بين رصد مضمون التعليقات وبين اعتبارها تعبيرا مباشرا عن موقف المجتمع ككل؛ فالعينة اقتصرت على تعليقات منشورة على أخبار القضية في منصات إخبارية محددة، ولا تمثل بالضرورة جميع المتابعين أو مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أن ارتفاع نسبة فئة معينة داخل العينة لا يعني بالضرورة أن أصحاب هذا الاتجاه يمثلون النسبة نفسها من الجمهور العام، وإنما يعكس طبيعة الخطاب الذي ظهر في التعليقات التي جرى رصدها وتحليلها.
وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها من كون التعليقات لا تناقش الجريمة وحدها، وإنما تكشف أيضا عن الطريقة التي يتعامل بها بعض المستخدمين مع قضايا تتداخل فيها مفاهيم المسئولية، واللوم، والخصوصية، وصورة الضحية، وحدود تناول القضايا التي يكون أحد أطرافها قاصرا.
لكن ما تكشفه التعليقات لا يتوقف عند حدود الأرقام، إذ تطرح بعض الأنماط التي ظهرت في الرصد أسئلة أوسع حول اللغة التي يستخدم بها العنف وتبريره، وحول علاقة هذه اللغة بتصورات اجتماعية عن المرأة والرجولة، وكذلك حول الحدود التي تفصل بين الخطاب المسيء والمحتوى الذي يمكن أن يترتب عليه أثر قانوني، وللاقتراب من هذه الأسئلة، يستعين التحقيق بآراء ودراسات من مجالات علم النفس والحقوق الرقمية، إلى جانب المفاهيم البحثية المرتبطة بالعنف والميسوجينية في الفضاء الرقمي.
أنماط الميسوجينيا
تندرج التعليقات المبررة - المؤيدة للعنف ضد الضحية تحت ما يسمى بالميسوجينية الرقمية، وهي أشكال العداء أو الكراهية أو التحقير الموجه ضد النساء والفتيات عبر الفضاء الرقمي، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو التعليقات، وهي لا تعني فقط استخدام ألفاظ مهينة ضد النساء، بل تشمل مجموعة أوسع من الممارسات والخطابات الرقمية التي تعيد إنتاج التمييز القائم على النوع الاجتماعي أو تبرر العنف ضد النساء.
وتكشف هذه التعليقات عن محاولة لتأكيد صورة معينة عن "الرجولة" من خلال اللغة المستخدمة في التفاعل مع الجريمة، وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من مفهوم أفعال الرجولة الافتراضية (Virtual Manhood Acts) الذي طرحته ميريد إيستن مولوني وتوني لاف، في بحث نشر عام 2018 بعنوان "تقييم كراهية النساء على الإنترنت"، والذي ينظر إلى الفضاء الرقمي بوصفه مجالا يستطيع فيه المستخدمون أداء هويتهم الذكورية عبر إشارات لغوية وبصرية، وإظهار ذواتهم وفق تصورات اجتماعية محددة عن الرجولة.
وترى كل من مولوني ولاف أن هذه الأداءات قد تتداخل مع الميسوجينية الرقمية، إذ يمكن أن تستخدم لفرض معايير الذكورة المهيمنة، وإبقاء الرجال داخل الحدود الاجتماعية لما ينظر إليه بوصفه "رجولة".
وفي التعليقات التي جرى رصدها في قضية مقتل "آ ر"، يمكن قراءة تكرار مفردات مثل "راجل" و"دكر" في هذا الإطار؛ فالمفردتان لا تؤديان وظيفة وصفية فحسب، وإنما قد تتحولان إلى وسيلة لإثبات نموذج بعينه للرجولة، خاصة عندما تستخدمان في سياق الإشادة بالقوة أو السيطرة أو القدرة على ممارسة العنف، ومن ثم، فإن بعض هذه التعليقات لا تعكس موقفا من الجريمة وحدها، بقدر ما تكشف عن محاولة لإعادة إنتاج معيار اجتماعي يربط الرجولة بالهيمنة والقوة، ويجعل العنف أحد مظاهر إثباتها.
وفي إطار فهم أكثر لتلك الأنماط، تواصلت "الشروق" مع عدد من المتخصصين، حيث قال الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، إن الشخص الذي يحمل أصلا مشاعر غضب أو إحباط أو تصورا عدائيا تجاه النساء، قد يجد في الحوادث العنيفة فرصة لتأكيد أفكاره السابقة، كما أن المحتوى التحريضي قد يمنحه شعورا زائفا بأنه جزء من جماعة تتفق معه، فيقل لديه الإحساس بأنه مختلف أو مخطئ.
وأضاف أن تكرار التعرض للمحتوى العنيف أو اللغة المهينة قد يؤدي إلى ما يسمى نفسيا بالتطبيع، أي أن الإنسان عندما يرى السلوك العنيف أو اللغة المهينة باستمرار، قد تقل حساسيته تجاه خطورتها، ومع الوقت يمكن أن تتحول عبارات كانت مرفوضة إلى عبارات تبدو عادية، خصوصا إذا كانت مصحوبة بتأييد جماعي أو تبريرات أخلاقية زائفة، وذلك لا يعني أن كل من يشاهد هذا المحتوى سيصبح عنيفا، لكن التعرض المستمر قد يكون عاملا يزيد تقبل الأفكار العدائية لدى بعض الأشخاص.
كيف تتحول مفاهيم الشرف والغيرة إلى أدوات تحريضية؟
أشار فرويز إلى أن الإنسان عندما يربط كرامته أو قيمته الشخصية بسلوك امرأة من أسرته، فقد يشعر بأن أي تصرف يراه مخالفا لتوقعاته يمثل إهانة مباشرة له.
وأضاف أنه مع وجود أفكار متشددة عن الملكية والسيطرة، يمكن أن تتحول الغيرة إلى غضب، ثم إلى رغبة في العقاب أو الانتقام، لافتا إلى أن الخلط هنا يحدث بين الشعور بالغيرة وبين امتلاك الحق في إيذاء إنسان آخر، خاصة أنه في بعض الحالات قد يكون هناك تصور دوني للمرأة، أو اعتقاد بأنها أقل استقلالا أو أن قراراتها يجب أن تكون خاضعة للرجل، إلا أنه من الناحية النفسية لا يصح اختزال كل حالات العنف في سبب واحد.
ولفت إلى أن أفكار السيطرة والتنشئة الأسرية والغيرة المرضية وضعف القدرة على ضبط الانفعالات والتعلم الاجتماعي للعنف وغيرها من العوامل، قد تتداخل في تفسير بعض أنماط السلوك العنيف.
ضغط الجماعة يحدد مفهوم الرجولة
وقال فرويز إن المجموعات التي تقدم تأييدا جماعيا للأفكار العدائية قد تمنح بعض الأشخاص إحساسا بأن أفكارهم مقبولة، وتقلل من الرقابة الاجتماعية والخوف من الرفض.
وأضاف أن ما يعرف بغرفة الصدى الإلكترونية قد يجعل الشخص يسمع الآراء التي تؤكد قناعاته فقط، لكن الانتقال من التعبير العدائي إلى ارتكاب العنف ليس أمرا حتميا، ويعتمد على عوامل شخصية واجتماعية وسلوكية متعددة.
وأوضح أن بعض النساء قد يتبنين أيضا أفكارا تقلل من حقوق المرأة، لأن المرأة ليست محصنة نفسيا ضد الأفكار الاجتماعية السائدة، فالإنسان قد يتبنى أحيانا أفكارا تقلل من حقوق فئة ينتمي إليها هو نفسه نتيجة التنشئة أو الخوف الاجتماعي أو الرغبة في الحصول على قبول الجماعة.
وأضاف أن بعض الأشخاص يعيدون تعريف الرجولة باعتبارها القوة والسيطرة والقدرة على الانتقام، بينما تقوم الرجولة الناضجة نفسيا على تحمل المسئولية وضبط الانفعال واحترام الآخر.
ونوه بأنه عندما يعجز الشخص عن مناقشة الفكرة قد يلجأ إلى مهاجمة هوية الطرف الآخر بعبارات مثل "أنت مش راجل"، بدلا من مناقشة حجته، معتبرا أن هذه آلية ضغط اجتماعي هدفها إسكات الصوت المختلف وإجباره على تبني موقف الجماعة.
لماذا يتجاهل البعض رأي الدين والمتخصصين؟
وفيما يتعلق بالتعصب، بما فيه التعصب الديني، قال فرويز إنه لا يبدأ عادة برفض العلم أو المتخصصين بشكل مباشر، وإنما قد يبدأ عندما تتحول الفكرة أو المعتقد من قناعة إلى جزء أساسي من هوية الشخص، فيشعر بأن أي رأي مخالف لها يمثل تهديدا له شخصيا وليس مجرد اختلاف في الرأي.
وأضاف أنه في هذه الحالة قد يبدأ الإنسان في البحث فقط عن المعلومات التي تؤكد ما يؤمن به، بينما يرفض تلقائيا المعلومات المخالفة، وهي ظاهرة نفسية تعرف بالانحياز التأكيدي.
وأوضح أنه مع تكرار ذلك، يمكن أن تتكون لدى الشخص قناعة بأن الجميع متواطئ أو أن المتخصصين يكذبون، خصوصا إذا شعر بأن هناك مؤامرة تستهدف معتقده، بالإضافة إلى أن الخوف وعدم اليقين يلعبان دورا مهما أيضا، إذ إن العقل قد يفضل أحيانا تفسيرا بسيطا وحاسما على الاعتراف بأن بعض القضايا معقدة وتحتاج إلى دليل ومناقشة، وهنا قد يصبح الشك في المتخصصين وسيلة لحماية المعتقد من أي معلومة تهزه.
واختتم فرويز حديثه بالتأكيد على أن مواجهة التعصب لا تكون بالسخرية من معتقد الشخص أو مهاجمة دينه، وإنما بالحوار الهادئ، وتعلم التفكير النقدي، والتمييز بين الرأي والدليل، وقبول إمكانية أن نخطئ أو نعيد النظر في بعض أفكارنا دون أن يعني ذلك فقدان هويتنا أو إيماننا.
متى يمكن الإبلاغ عن المحتوى التحريضي؟
وفيما يخص إمكانية ملاحقة أصحاب المحتوى التحريضي، قالت آية حمدي، المحامية والباحثة القانونية ومؤسسة مبادرة حَراك لدعم النساء والأطفال في قضايا العنف، خلال حديثها لـ"الشروق"، إن هناك فرقا عمليا وتطبيقيا وقانونيا بين جرائم التحريض والإساءة وخطاب الكراهية، رغم أنها قد تبدو متقاطعة أو تؤدي في النهاية إلى ممارسة العنف اللفظي أو المادي أو المعنوي ضد النساء.
وأوضحت أن التحريض والإساءة وردا في القانون الجنائي، بينما ورد النهي عن خطاب الكراهية في الدستور المصري، وأضافت أن القوانين التي يمكن الاستناد إليها في هذه الحالات تشمل القانون الجنائي وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، إلى جانب الدستور المصري.
وأشارت إلى أن التحدي الأكبر هو أن المحتوى قد يتحول إلى فعل مجرم فقط عندما يتم تخصيصه بامرأة معينة أو فئة معينة ويشكل جريمة واضحة ومحددة في القانون المصري مثل السب أو الحض على القتل، وهذه النقطة يجب مناقشتها مجتمعيا وإعلاميا لأن بعض الكلام العنيف والذي يهدف إلى التقليل من شأن النساء قد يؤخذ في بعض الحالات باعتباره رأيا، بينما إذا وجهت العبارة إلى امرأة محددة، فقد تعتبر احتقارا أو إساءة أو قذفا بحسب الظروف.
بدورها، أوضحت تسنيم منير، باحثة في الحقوق الرقمية وتقاطعاتها مع المجتمعات المهمشة، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود محتوى مسيء، وإنما بمدى إمكانية إثبات أنه يمثل جريمة قانونية، موضحة أن القانون يعترف بالتحريض أو التهديد الصريح، بينما توجد أشكال أخرى من المحتوى قد يفهم الناس سياقها باعتبارها تهديدا أو تحريضا، لكنها لا تندرج بالضرورة تحت وصف قانوني محدد.
وضربت مثالا باستخدام "ميم" مأخوذ من فيلم في سياق يبدو للمستخدمين وكأنه تهديد لشخص معين، موضحة أن فهم السياق اجتماعيا لا يعني بالضرورة أنه يمثل دليلا قانونيا على وجود تهديد.
وأضافت أن بعض الأفعال قد تسبب ضررا اجتماعيا أو مهنيا للمرأة، مثل إرسال لقطات من حسابها العام إلى أفراد أسرتها أو جهة عملها بهدف الضغط عليها أو التشهير بها، لكنها لا تشكل بالضرورة جريمة قانونية محددة في حد ذاتها.

كيف نثبت الواقعة؟
وأوضحت تسنيم أن آليات التوثيق نفسها تحتاج إلى تطوير مستمر، فهناك بعض التحديات أبرزها أن لقطات الشاشة وحدها قد لا تكون كافية في بعض الإجراءات القانونية نظرا إلى إمكانية فبركتها، وهو ما يضطر الشخص المتضرر رغم الضغط النفسي الناتج عن استمرار التعرض للمحتوى المؤذي، إلى عدم حظر الشخص المعتدي أو حذف المحادثات، حتى يمكن الاحتفاظ بالأدلة والروابط التي تثبت الواقعة.
وأضافت أنه من الأفضل عدم تنبيه المعتدي مسبقا إلى اتخاذ إجراء قانوني، حتى لا يسارع إلى حذف المنشورات أو الرسائل أو حظر الضحية، بما قد يصعب إثبات الواقعة أو الوصول إلى هوية الشخص المسئول عنها.
الحسابات الوهمية ثغرة تقنية
ولفتت تسنيم إلى أن الحسابات الوهمية تمثل تحديا إضافيا، موضحة أن إنشاء حساب وهمي في حد ذاته لا يمثل جريمة، وإنما يتوقف الأمر على الجريمة التي يتم ارتكابها من خلاله، مثل التحريض أو التهديد أو نشر صور جرى التلاعب بها.
وأضافت أنه على الرغم من أن الجهات المختصة تتمكن من تحديد هوية صاحب الحساب في كثير من الأحيان، لكن تظل هناك تحديات تقنية يستغلها بعض المجرمين في تحديد هوية الشخص الذي يقف وراء الحساب، ما يتطلب البحث الدائم عن أدوات أكثر تطورا لملاحقتهم.
عندما يتحول التحريض إلى نهج
وقالت آية حمدي إن التعامل القانوني مع المحتوى التحريضي لا يكون واحدا في جميع الحالات، إذ يعتمد الأمر على ما إذا كان المحتوى يمثل جريمة أخرى مترابطة، مثل جريمة تمس الأمن المجتمعي أو تحض على استهداف فئة معينة.
وأوضحت أن هناك فرقا بين تعليق منفرد وبين حساب أو شخص يجعل من التحريض نهجا متكررا، إذ يمكن في هذه الحالة اتخاذ إجراءات قانونية ضده حتى لو لم يكن محتواه موجها إلى امرأة محددة، وذلك بحسب طبيعة المحتوى والأفعال التي يرتكبها.
وأضافت أن انتشار مئات التعليقات المؤيدة للعنف يطرح تحديا أمام الاعتماد على البلاغات الفردية، إذ يصعب التعامل مع كل تعليق باعتباره واقعة مستقلة. ولذلك ترى ضرورة التعامل بحزم مع مروجي هذا الخطاب، وعدم انتظار توجيهه إلى امرأة بعينها حتى يبدأ التحرك ضده.
القانون وحده لا يكفي
وترى آية أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب القوانين، وإنما في آليات التطبيق، إلى جانب وجود مصطلحات قد تحتمل أكثر من تفسير، فضلا عن تأثر تطبيق القانون بالسياق الثقافي والاجتماعي.
وتشير تسنيم منير إلى أن المشكلة تتجاوز الجانب القانوني، لأن بعض المحتويات قد تسبب ضررا اجتماعيا واسعا دون أن تكون جريمة واضحة، بينما يؤدي تجريم كل أشكال السخرية أو الانتقاد إلى إشكالية أخرى مرتبطة بحدود حرية التعبير.
وأضافت أن مواجهة العنف الرقمي ضد النساء تحتاج إلى حلول متعددة، تشمل الحماية المجتمعية، ووعي المنصات بالسياقات التي يستخدم فيها المحتوى، فيجب أن تتعاون منصات التواصل الاجتماعي لتحديد معايير تضمن سلامة النساء وتحظر المحتوى المهدد لسلامتهن، إلى جانب دور الإعلام والجهات التي تقدم الخدمات والدعم للنساء بعد تقديم البلاغات.
وأكدت أن معالجة الثغرات التقنية والقانونية تتطلب البحث عن آليات حماية أوسع، بحيث لا يقتصر التعامل مع العنف الرقمي على إثبات الجريمة بعد وقوعها، وإنما يشمل أيضا الحد من الأضرار الاجتماعية والمهنية التي قد تنتج عنها.