«الشروق» تكشف عن مقالات مجهولة لعباس العقاد: «معارض الصور»

آخر تحديث: السبت 22 ديسمبر 2018 - 11:54 ص بتوقيت القاهرة

بقلم: علاء عبدالحميد

الشروق تسلط الضوء على أرشيف مجهول لعباس العقاد تناول فيه الفنون التشكيلية فى وقت مبكر ويناقش سعى مثقف تنويرى مصرى لتأكيد حضور الهوية البصرية.

العقاد خص بالهجوم الدادية والسوريالية والتجريدية، لأنها من أعراض هوس التقليد الأعمى لانحرافات الحضارة الغربية.

وفيما يلي مقال بعنوان: «معارض الصور»

معارض الصور
جريدة الجهاد 26 مارس 1934
فتحت الطبيعة موسمها وفتح الفن موسمه، وبين ذخائر الطبيعة وذخائر الفن نسب كبير، فإذا كانت الأزهار خزائن ألوان وأنوار فالصور كذلك خزائن ألوان وأنوار وعليها إضافة نفيسة من الخوالج والأفكار.
وفى القاهرة ــ هذا الأسبوع ــ ثلاثة معارض حديثة الصور والزخارف:
أحدها معرض المجمع المصرى للفنون الجميلة، والثانى معرض الأستاذ سعيد الصدر، والآخر ــ وليس فى الواقع كما يقولون ــ معرض الأستاذ بول جوف.
وهذه تحية حسنة أو قربان جميل من الفن للربيع، وليس فى وسعنا أن نصف هنا كل ما رأيناه فى هذه المعارض الثلاثة، فحسبنا الآن أن نعقب عليها بكلمات عاجلة فى انتظار العودة إليها بشىء من التفصيل.
ففى معرض المجمع المصرى صورتان للأستاذ محمود سعيد بك توحيان إلينا دليلا جديدا على خطأ المصورين الذين يلزمون أنفسهم لونا غالبا فى جميع المشاهد وعلى جميع الموضوعات. فإننا نعتقد أن التزام اللون الواحد مغتفر فى حالة واحدة لا ثانية لها، وهى الحالة التى يكون المصور فيها متجها بفطرته وعلى غير عمد منه فى بعض الأحيان إلى المشاهد التى تبدو فى الطبيعة بذلك اللون.
فإذا كان المصور مثلا معجبا باللون الأزرق فله أن يختار مشاهد البحر والسماء وملامح الوجوه التى يبرزها هذا اللون أكثر مما يبرزها سائر الألوان. أما أن يذهب إلى الوردة الحمراء فيجعلها زرقاء أو يفرض اللون الأزرق على المروج والرمال والكواكب السماوية والأجواء المحيطة بشتى المشاهد والموضوعات فذلك اختصاص لا براعة فيه ولا معنى ولا ابتكار. إذ يستطيع كل إنسان أن يختار له لونا من هذا القبيل فلا الفرشاة تعصاه إذا حركها ولا الطلاء يمتنع عليه إذا غمس الفرشاة فيه، ولا دليل فى تحريك الفرشاة بذلك الطلاء على «شخصية» حقيقية أو امتياز صحيح.
وإلا فماذا على المصور كائنا من كان من أن يأخذ العلبة الصفراء بدلا من الزرقاء أو العلبة الحمراء بدلا من كلتيهما معتسفا فى الاختيار كما يشاء؟
نعم إن أناسا من كبار الأساتذة الراسخين قد غلب عليهم لون عرفوا به واشتهروا بإيثاره وقيل إنه مظهر من مظاهر «الشخصية» التى امتاز بها أولئك المصورون.
ولكن ذلك اللون لا يكون «طبيعيا» حيث يراه الاساتذة الراسخون أو حيث يضعونه ويميزونه، ولم يكن قط مجرد اعتساف يعوضه من شاء باعتساف مثله كما يريد.
فليس فى وسعك أن تمحو اللون البنفسجى حيث يضعه أولئك الأساتذة ثم تستعيض منه باللون الأحمر أو الرمادى أو البرتقالى أو ما شئت من الألوان.
أما اللون الذى اختاره الأستاذ محمود بك سعيد لجميع صوره من سنوات مضت فلا صعوبة فى محوه ووضع غيره بلا تردد كبير، بل ربما كانت الالوان الأخرى أصلح لمعظم تلك الصور من هذه البنفسجيات المزراقة التى يغرق فيها كل شىء بغير تفريق ولا ابتداع.
هذه خاطرة نلخصها هنا لأنها قد تفيد فى اجتناب «البدع» المعتسفة التى توشك أن تطغى على التصوير المصرى الحديث كما طغت على التصوير فى بعض الأنحاء الأوروبية، ففى الطبائع المختلفة المريضة التى فشت بين الأوربيين بعد الحرب العظمى نزوع إلى «البدع» القسرية لا باعث له إلا السأم وقلة الصبر على البساطة المألوفة، فهناك يريد الشاعر أن يدع المعنى ليأخذ بالمظاهر الشكلية التى هى من مزايا التصوير، ويريد المصور أن يدع تمثيل الأشكال إلى المعانى والرموز التى هى من مزايا الشاعر، ويريد الموسيقى أن يكون وصافا رساما كأنه مصور وشاعر وليس بموسيقى منوط بالألحان والأصوات، وليس فى كل ذلك إلا حب التبديل على غير هدى وعلى غير إدراك، فما يزهد فيه الشاعر يطلبه المصور وما يطلبه المصور يتهافت عليه الموسيقى ولا شىء وراء ذلك كما قلنا إلا حب المخالفة والمفارقة، ولو كانت هذه الحركات المضللة تدل على اتجاه طبيعى أصيل لذهبت الفنون كلها فى ذلك الاتجاه ولم يكن الجديد عند الموسيقيين قديما عند الشعراء والمصورين، أو الجديد عند المصورين قديما عند الموسيقيين والشعراء.
أما معرض الأستاذ سعيد الصدر فنصيبه من هذا «الاعتساف» قليل بل لا أثر له فى غير باب المناظر الطبيعية متفرقا هنا وهناك على بعض اللوحات.
وقد أجاد واقتدر فى تصوير الرءوس المصرية حتى أوفى على غاية الإتقان، وخيل إلينا أنه خلق لتصوير الرءوس مع إكثاره بل إفراطه فى المناظر الطبيعية.
فله تهنئة مستحقة ورجاء خالص فى المزيد من التوفيق والإجادة.
****
أما الأستاذ بول جوف فأستاذ قدير من أساتذة فرنسا المعروفين، يشتغل بالنحت والتصوير والحفر والزخرفة ويبرز فيها جميعها على صعوبة الجمع بين هذه الفروع المختلفة فى فن التصوير، وترى لأول نظرة أنه يحب تصوير الاحياء الضارية والزواحف المرهوبة، ويحب أن يمثل حياتها القوية بألوان بسيطة لا تعقيد فيها ولا تركيب، وقوامها اللون الأسود الخوخى والأبيض العاجى على مثال سهل فى النظر صعب فى الأداء، ولكنه لا يستسلم لنزعة واحدة ولا يتوخى الاعتساف والمخالفة حبا للاعتساف والمخالفة من غير حكمة واضحة أو مسوغ من جمال النتيجة التى يصل إليها بذلك التلوين.
وبودنا أن نرى القاهرة فى مواسمها المختلفة كثيرا من أمثال هذه المعارض التى تضاعف فيها جمال كل موسم تعرض فيه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved