الدكتور علي بن تميم: تحديات اللغة العربية تختلف من بلد لآخر ويجب مواجهة ذلك بتبادل الرؤى والأفكار (2-2)

آخر تحديث: الإثنين 23 مايو 2022 - 6:44 م بتوقيت القاهرة

- سلسلة «عيون الشعر العربى» مشروع لتعزيز حضور التراث الجمالى والمعرفى
- «دليل المعانى» هو معجم متخصِّص هدفه دعم المحتوى العربى الرقمى
- نسعى لرعاية ودعم مشروعات ذات صِلةٍ بالمنجز اللغوي العربي أو بأثره وتأثُّره بالآخر

عبر مسيرة مهنية ثرية، وممتدَّة، ارتبط اسم الدكتور على بن تميم ــ رئيس مركز أبوظبى للغة العربية، الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب ــ بعددٍ من المبادرات الإعلاميَّة والثقافية البارزة فى دولة الإمارات العربية المتحدة.

ووسط حالة الترقب الواسعة لانطلاق الدورة الحادية والثلاثين لمعرض أبوظبى الدولى للكتاب، والذى انطلق اليوم الاثنين ويستمر حتى 29 مايو الحالى، والذى ينظمه مركز أبوظبى للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة فى أبوظبى؛ نطوِّف فى الحوار التالى مع الدكتور على بن تميم حول خطط ومشاريع المركز كما نقف على رأيه فى عدد من القضايا الثقافية والفكرية.

وإلى الجزء الثاني من الحوار:

< الإمارات وقادتها يطلقون المبادرات الكبرى والناجحة من أجل تشجيع الأمة العربية على القراءة والتثقيف.. كيف ترى ذلك؟
ــ دولة الإمارات العربية المتحدة، دولة رؤية وعمل. والرؤية الثقافية لدولة الإمارات جزء أصيل من رؤية قيادتها الحكيمة التى تولى القراءة اهتماما كبيرا؛ تقديرا لدورها الأصيل فى تأسيس الأجيال وصُنع المستقبل. وتولى اهتماما كبيرة لقطاع الكتاب وقطاع اللغة العربية على نحو مسئول وإيجابى ومُبتَكَر، من خلال الكثير من المبادرات الريادية للنهوض باللغة العربية.
والمبادرات الكبرى على مستوى الحجم والأثر هى نتائج لوضوح الرؤية فى ذهن القيادة، ودقَة تحديد وصياغة الأهداف.
يطول الوقت اللازم لإحصاء المبادرات الريادية فى الإمارات، ولكن فيما يتعلَق باللغة العربية هناك مبادرات تستحقُ التنويه، من ذلك: مشروع «المعجم التاريخى للغة العربية»، الذى يُعدُ أحد أهم المنجزات فى سبيل التوصُل إلى الهوية العربية من خلال اللغة التى هى أداة تسجيل التاريخ والتراث، بوصفها الوعاء الذى يتشكَل بداخله الفكر وتتطوَر الشخصية.
و«مركز أبوظبى للغة العربية» يعد من المبادرات الكبرى التى تُعبِّر عن الفهم الدقيق والراقى لأهمية اللغة فى صنع الحضارات. وبما أن عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين هو شخصية معرض أبوظبى للكتاب المحورية هذا العام؛ أجد من الجميل استدعاء إيضاحه لأهمية إتقان لغتنا العربية وتعليمها لأبنائنا، إذ يرى أن اللغة العربية هى جزءٌ مُقوِّم لوطنيَّتنا ولشخصيتنا القومية؛ لأنها تنقل إلينا تراث آبائنا، وتتلقَى عنَا التراث الذى ستنقله إلى الأجيال المقبلة، ثم لأنها الأداة الطبيعية التى نصطنعها فى كل يومٍ، بل فى كل لحظة؛ ليفهم بعضنا بعضا، وليعاون بعضنا بعضا على تحقيق حاجاتنا العاجلة والآجلة، وعلى تحقيق منافعنا الخاصة والعامة، وعلى تحقيق مهمَّتنا الفردية والاجتماعية فى الحياة ــ إن كانت لنا مهمَة فى الحياة ــ ونحن نصطنع هذه الأداة ليفهم بعضنا بعضا. هذا الفهم الدقيق لأهمية تعلُّم اللغة وتَعهُّدها بالرعاية والبحث هو الدافع وراء إطلاق إمارة أبوظبى ودولة الإمارات لهذه المبادرة النوعية التى يُمثِلها مركز أبوظبى للغة العربية.

< بخصوص اللغة، ما أبرز التحديات التى تواجهها اللغة العربية فى الوقت الحالى فى رأيك؟
ــ دعنا نتعرف على أبرز التحديات، كما نراها، بينما نستعرض أبرز مشاريع مركز أبوظبى للغة العربية: نبدأ بمبادرة الخلوات الثقافية للغة العربية التى انطلقت من الإمارات، ثم إلى القاهرة... وتتضمَّن الخطة تنظيمَها عبر عواصم العالم الكبرى، هذه الخلوات ــ كما نراها ــ هى أحد سُبُل معرفة وفحص التحديات؛ إذ تختلف تحديات اللغة العربية من بلد لآخر، فاحتياجات دولة المغرب ــ على سبيل المثال ــ تختلف عن احتياجات المملكة العربية السعودية، أو جمهورية مصر العربية أو دولة الإمارات العربية المتحدة. والخلوة حَدَثٌ اجتماعى بحثى علمى يسمح للمشاركين بالتعارف وتبادُل الرؤى والأفكار، عبر منحهم الوقت الكافى للتواصل، فى مجموعات عصفٍ ذهنيٍ وحلقات نقاش وبحث تتضمَن أصحاب رؤى متوافقة ومتعارضة فى الوقت نفسه لإثارة الحوار والنقاش باتجاه أفكار جديدة.
لمواجهة تحدٍ آخر، وهو المضيُ نحو المستقبل من دون معرفة منضبطة بالماضى، يدير مركز أبوظبى للغة العربية برنامجا للنشر التوثيقى، وهى مشاريع تستمدُّ رؤيتها من نموذج الخمسين التنموى لدولة الإمارات العربية المتحدة؛ إذ عمَدَت قيادات الدولة ــ احتفالا بمرور خمسين عاما على الاتحاد ــ إلى استعادة مكتسبات الخمسين التأسيسية بكل الطُرق التعريفية والمعرفية؛ لجعلها قواعد انطلاق للخمسين المقبلة. استعرنا هذه النظرة؛ فأطلقنا مشاريع كتب تعريفية بمشاركة نُخَبٍ من الباحثين والمفكِرين والكُتَاب العرب للتعريف بأبرز معالم طريق المعرفة والعلم والفنون والآداب العربية عبر التاريخ. من ذلك: مشروع «مائة كتاب وكتاب من التراث العربى»، الذى يتضمَن تعريفاتٍ مُنضبطة بأبرز عناوين الكتب العربية التى غيَّرَت وجه الأدب العربى والإسلامى والعالمى، أو أسهَمَت فى المعرفة العالمية وفى فهم الحالة الإنسانية. ولا ينحصر المشروع بفئة عمرية معيَّنة؛ فهو يتوجَه إلى الناشئة والجمهور: العامِ والمختصِ، من العرب وغير العرب على حدٍ سواء. وسيركِّز المشروع ــ بداية ــ على الأعمال ذات الطابع الأدبى واللغوى، وسيتوسَع تدريجيا ليشمل الأعمال التى تنتمى إلى العلوم الإنسانية عامَّةً. كما ستضمُ القائمة كتبا مُمثِلة للأدب العربى والقِيَم التى احتفى بها.
كذلك مشروع «مائة رواية ورواية» الذى يهدف إلى تعريف القُرَّاء بأهم الروايات العربية فى القرن العشرين، ويقدم تعريفات موجزة منضبطة بمائة رواية ورواية، جرى اختيارها من بين الأعمال الروائية الرائدة والمؤسِسة التى أثَرت فى حركة الإبداع الروائى العربى، ومثَلَت مُنطلَقا للتطوُر الفنى أو التحديث فى أساليب الكتابة. كما يُبرِز الكتابُ البُعدَيْن: الجمالى التقنى، والثقافى فى تلك الروايات. ويهدف المشروع أيضا إلى تسليط الضوء على تلك الروايات من خلال ندوات خاصة تُعقَد لهذا الغرض، كما يسعى إلى تقديم الروايات للقارئ الغربى فيما بعدُ، من خلال ترجمتها إلى لغات عدَة.
وينضاف إلى هذا الجهد مشاريع تحقيق ذخائر التراث العربى لتصبح جزءا من المعرفة المعاصرة، من ذلك: تحقيق «مَجمَع الأمثال للميدانى» بحُلَّة جديدة تليق به وبمضمونه، اعتمادا على نُسَخٍ من المخطوط لم تَعُد إليها الطبعات السابقة من الكتاب، وهو تحقيقٌ مُوَسَع قراءة وشرحا وتوثيقا وضَبطا، فضلا عن فهارس كثيرة تعين على قراءة الكتاب.
وتحقيق مخطوط «عرائس الأدب لابن سعيد»، وهو واحد من نفائس الكتب الأدبية الأندلسية يتبع منهجا خاصا لابنِ سعيد، ويتضمَن ترجمة ذاتية واسعة لمؤلِفه أبى الحسن على بن سعيد، يقع فى أكثر من خمسين صفحة، وتُمثِل نحو رُبع مادَة الكتاب، ويشمل الكتاب قصائد ومُقَطَعات شعريَة كثيرة وَرَدَ بعضها فى مصادر أخرى ويُعَدُ مُعزِزا لها، وبعضها لم يَرِدْ فى أىِّ مصدر آخر. وفيه نُقولٌ عن مصادرَ أدبيَةٍ مُهمَة تُعدُّ فى حُكم المفقودة، كما أن لهذا الكتاب قيمة نقدية جَليَّة لا تظهر فى أيٍ من مؤلَفات ابن سعيد الأخرى إلَا عَرَضا، ويشتمل الكتاب على (139) ترجمة للشُعراء الأندلسيين.
تحد آخر يتمثل فى الضعف ــ كَمًّا ونوعا ــ فى الدراسات والبحوث عن اللغة العربية وآدابها وثقافتها وقضاياها؛ لذلك أطلق المركز «مجلَة الدراسات العربيَة»، وهى مجلة عِلمية مُحَكَّمَة تصدر حصرا باللغة العربية؛ لتعزِز مكانة العربية لغة لكتابة البحث العلمى من جهة، وموضوعا للدراسة من جهةٍ أخرى. وتصدر المجلة عن مركز أبوظبى للغة العربية بالتعاون مع دار نشر بريل (Brill)، ويصدر لها عددان فى كلِ عام.
واستكمالا لمشاريع البحث العلمى، نسعى لرعاية ودعم نشر مشاريع ذات صِلةٍ بالمنجز اللغوى العربى أو بأثره وتأثُره بالآخر، مثل دراسة «استِكشاف المبادئ المؤسِسة لتَحليل الخطاب فى المنجز اللغوى العربى»، و«أثر اللغة العربية فى غيرها من اللغات وتأثُرها بها». و«العربية وفلسفة الجمال» الذى يعيد الاعتبار للمعاجم اللغوية باعتبارها معاجِمَ ثقافيَة دالَة على وعى الأُمَة عبر تاريخها المديد.
تَوَجُّهٌ آخر نعتمده لمواجهة تحدِى تراجُعِ حضور اللغة العربية فى الفضاء الإعلامى وفى الشارع والمدارس وغيرها، وهو ما نسعى لملاحظته ووصفه واقتراح العلاج له، من خلال مشاريع بحثية وتطبيقية، منها: «تقرير الإعلام»، الذى يرصد اللغة العربية فى الفضاء الإعلامى العربى، ويقدِم منظورا مَعرفيا لذلك. ومشروع «مناهج اللغة العربية: تطلُعات الحاضر وآفاق المستقبل»، وهو تقرير دورى (سنوى) حول واقع اللغة العربية فى المناهج، وهو أداة من أدوات مركز أبوظبى للغة العربية على تعزيز حضور اللغة العربية والارتقاء بها فى المناهج التعليمية؛ بهدف تعزيز اهتمام المؤسسات التعليمية باللغة العربية، وتطوير مناهجها ووضع المعايير التربوية المتصلة بها، ومواكبة التقنيات المتطورة التى باتت العَصبَ الأساسى فى عملية التعليم، وإيجاد تطبيقات ومنصَات ذكية ومتطورة لتعليم اللغة العربية، وهكذا نحاول أن تكون مشاريعنا ومبادراتنا حلولا لما نراه من تحدياتٍ تُواجِه اللغة العربية.
كذلك، سعيا لاستعادة الحضور الجاد للغة العربية، وقع مركز أبوظبى للغة العربية اتفاقية شراكة مع «معهد العالم العربى» فى باريس، إحدى المنظمات العالمية العريقة التى تكرس جهودها لدعم الثقافة العربية وربطها بالثقافات الإنسانية الأخرى، ومن خلال الاتفاقية سيتعاون مركز أبوظبى للغة العربية ومعهد العالم العربى لتحقيق مجموعة من الأهداف التى تخدم استراتيجية وخطط الجانبين، من ذلك دعم «شهادة الكفاءة الدولية فى اللغة العربية» أو شهادة «سمة»، التى أطلقها المعهد سنة 2018، والمعترف بها من قبل المؤسسات الأكاديمية الدولية، وتُمنح للأفراد والمؤسسات بعد الخضوع لاختبار علمى لتقييم كفاءاتهم فى الفهم والتعبير باللغة العربية. وفى إطار الاتفاقية سنتعاون مع «الرابطة الفرنسية» التى تقع تحت إدارتها مراكز تقديم اختبار «سمة» فى دولة الإمارات، بهدف الترويج للاختبار، والتنسيق مع جميع المراكز لتقديم تقارير عن عدد المسجلين فى الاختبار سنويا ومستوى كفاءتهم، وتبادل المعلومات حول مؤشرات الأداء الرئيسة.

< بالنظر إلى الكتاب الصوتى والإلكترونى وغيرها: فى رأيك، كيف يمكن استغلال «التحوُّل الرقمى» من أجل خدمة الثقافة؟
ــ نحن نعيش عالما جديدا، قلبُه التكنولوجيات الحديثة ووسائل التواصل الحديثة وقنوات التواصل الاجتماعى، وهو أمر يضعه مركز أبوظبى للغة العربية فى محل الأولويات، من حيث المشاريع والمبادرات التى يطلقها ومن حيث الفئات المستهدَفة من النشء والشباب والأطفال.
من أبرز مشاريعنا التى تستفيد من ذلك: «دليل المعانى»، وهو معجم رقمى متخصِص، هدفه دعم المحتوى العربى الرقمى، يشتمل على الألفاظ العربية الأكثر شيوعا وفقا للمُدوَنات الرقمية العربية، نصدره على عدَة مراحل على الموقع الإلكترونى لمركز أبوظبى للُغة العربية، شهدت نهاية عام 2021 مرحلته الأولى، وصولا إلى مرجعٍ رقميٍ متكاملٍ للناطقين بالعربية وغير الناطقين بها. ويتميَز موقع وتطبيق هذا المعجم بسهولة استخدامه واحتوائه على عدد من الميزات، منها: الصور التوضيحية، وخاصِيَة سَماع طريقة لفظ الكلمات.
وتُشكِل المادَة اللُغوية لهذا المعجم العصرى أساسا لتطوير معاجم مخصَصة للأطفال ولطَلَبة المدارس وغيرهم فى مرحلة لاحقة.
كذلك انتبهنا إلى أهمية الحضور على وسائل التواصل الاجتماعى بكافة أنواعها؛ لأنها وسائل العصر والأجيال الجديدة فى التواصُل والتعارُف والتَعرُف على العالم. نحضر بينهم بأقرب شَكلٍ لطبيعتهم وأشكال التلقى المميزة لهم من دون تَخلٍ عن الجدِيَة، من مشاريعنا سلسلة ڤيديوهات مُخصَصة لتعليم العربية لغير الناطقين بها، بطلاها فتاةٌ غير عربية ومواطِنٌ إماراتى، هدفهما من خلال حلقات قصيرة مشوقة تزويد المتعلِم بالألفاظ العربية الضرورية للاستعمال اليومى. ومشاريع أخرى تسعى للتنوير السريع على مفردات عربية، وبيان الفروق اللغوية بين الاستخدامات المختلفة للمفردات، وكلها مدروسة من فِرقٍ مُتخصِصة لتكون جذَّابة ومفيدة بمنطق الوسائل الحديثة وجمهورها الذى ينتمى أغلبه إلى فئات النشء والشباب.
كما نهتمُ بتوفير باقات من المنح والحوافز، ندعِم من خلالها المشاريع والمنتجات المطوَّرة التى تخدم استراتيجية اللغة العربية، مثل البرامج الإلكترونية وتطوير التطبيقات أو تحويل الكتب العربية إلى كتب إلكترونية، وغير ذلك ممَا يَصبُ فى تعزيز حضور اللغة العربية فى أوساط التَلقِّى الرقمى والتقنى الحديث.

< كيف ترى مُعدَلات القراءة فى العالم العربى الآن.. وما رأيك فى الاهتمامات الأدبية للشباب حاليا؟
ــ نظلم أبناءنا حين نتَهمهم بأنهم لا يقرءون من دون إعادة النظر فى تعدُّد وسائل ووسائط المعرفة، وعلينا نحن ــ الجيل الذى عايَشَ الانتقالات المذهلة فى وسائط القراءة والمعرفة ــ أن ندعم هذا التحوُّل، وأن نعمل على تحويل المعارف والعلوم إلى الوسائط الجديدة التى يتعامل معها أبناؤنا، وأن نهتمَّ بتغذية الرغبة والفضول المعرفيَيْن فيهم. ولا نُقلِل من أهمية شيوع الاهتمام بقراءة الرواية بين الأجيال الشابة؛ فالروايات خُلاصاتٌ مَعرفيَة منسوجة بطرق فنية، تساهم فى تغذية الخيال وتقود نحو عوالم القراءة والثقافة. وقد انتبهت قيادة دولة الإمارات مبكِّرا إلى هذا الأمر الذى يتَسق مع طبيعة العصر؛ فكانت الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر التى ترعاها إمارة أبوظبى، وكذلك جوائز إماراتية أخرى ذات بُعدٍ محلِيٍ أو عربى.

< فى ضوء ما آلت إليه أحوال مجتمعاتنا العربية، على مستوى العقلية والذهنية والتفكير العلمى، برأيكَ: أين نقف، وما الذى نحتاج إليه فى المستقبل؟
ــ ثمَة رهان كبير على إحداث تغيير وترك أثر إيجابى فى البنية الثقافية العربية لحَثِّها نحو مزيدٍ من التفكير العقلانى القائم على العِلم والمستفيد من المعارف، وهو الرهان الذى نأمل أن يكون التوفيق من نصيب المنشغلين به، ونحن من جانبنا نوسِّع كلَّ يومٍ رُقعة مساهمتنا فى هذا الاتجاه بما نكشف عنه من عقول عربية تنضاف يوما بعد يوم إلى جائزة الشيخ زايد للكتاب، وبالحرص على تكريم أصحاب العقول اللامعة والمشاريع ذات الأثر من المفكِرين والباحثين والنقاد العرب. ونظرة سريعة على لائحة الفائزين بجوائز الشيخ زايد منذ تأسيسها سنة 2006، تكشف عن حجم الإضافات الفكرية والأدبية والنقدية التى أضافتها الجائزة من أدوات دَعمٍ حقيقية لصالح فريق المهتمِين بإعلاء صوت العقل والعلم.

< أخيرا، كيف ترى حاجتنا الآن إلى تجديد الخطاب الدينى وامتلاك نظرة أكثر مرونة إلى التراث؟
ــ المراجعة والتجديد آليَتان لا غنى عنهما للتقدُم والتطوُر، أى الارتقاء من طَوْرٍ نحو طَورٍ آخر أكثر مناسبة للعصر. قَيْدُهما الوحيد أن يكون دافعهما المحبَة والرغبة الحقيقية فى الخير والنماء ورفاهية الإنسان وصلاح حال المجتمعات. نحن (وأعنى الإنسانية) فى حاجة دائمة لا تنقطع لكلِ تجديد ولكلِ مُراجَعة من أجل الخير والتقدُم. ولعل موقفنا فى ذلك الأمر يتَضح بمراجعة سريعة لأبرز مشاريعنا المعنية بإعادة تحقيق أو نشر أو التحويل الرقمى لذخائر التراث العربى، التى نرى المعرفة بها ضرورة لتغذية عملية المراجعة والتجديد والتطوير من داخل منظومة ثقافة وقيم حضارتنا.
وعلى المستوى العربى، من مشاريعنا الهادفة لتعزيز حضور التراث جماليا ومعرفيا فى نسيج الثقافة العربية المعاصر: سلسلة «عيون الشعر العربى»،‬ وهو مشروع يستعيد الشِعرَ العربى ــ الذى وصفه الناقد العربى الكبير الدكتور عبدالله الغذامى «الكامل المكتمل» ــ الذى يحفظ لنا الجمال، من خلال مختارات نُخبة من الأدباء والأكاديميين والباحثين، تُبرِز القيمة الكبيرة التى تمتلكها ثقافتنا، بوصفها واحدة من أكثر الثقافات الحيًَة ثراء فى العالم. هذه السلسلة نراها جهدا عظيما فى مسيرة الجهود المبذولة من أجل الحفاظ على لغتنا العربية ومُقدَراتها، وهى ــ كما نُرتِب لها ــ أكبر سلسلة مختارات فى تاريخ الشعر العربى.
ومن الجوائز أختار لكم مثالا على الطريقة التى نقدِم بها تراثنا ونحثُ على تطويره من داخله، وهى جائزة «كنز الجيل»، التى تهدف إلى تكريم الأعمال الشعرية النبطية، والدراسات الفولكلورية، وبحوث الدارسين والمبدعين التى تناوَلَت الموروث المتَصِل بالشِعر النبطى وقِيَمِه الأصيلة.
هذه جائزة استمدَت اسمها من إحدى قصائد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ــطيَب الله ثراهــ واستلهَمَت أهدافها من أشعاره؛ سعيا إلى إعلاء مكانة الشعر؛ بوصفه مرآة للمجتمع، ولما تُجسِده أشعاره من مكانة فى الوجدان الإماراتى والعربى؛ فتسليط الضوء على كنوز التراث يُعزِّز مشاعر الانتماء والهوية الوطنية لدى الأطفال والناشئة والشباب، ويربطهم بالثروات الفكرية والجمالية التى يزخر بها تراثهم.
يشار إلى أن الدكتور على بن تميم رئيس مركز أبوظبى للغة العربية قد حقق مسيرة شغل خلالها عددا من المناصب القيادية فى مؤسَّسات ثقافية وإعلامية، منها: رئاسته لمجلس إدارة مركز جامع الشيخ زايد الكبير، وكذلك اللجنة التنفيذية للأرشيف الوطنى فى أبوظبى.
كما تولَّى إدارة مشروع كلمة للترجمة، ومنصب المدير العام لشركة أبوظبى للإعلام. وهو عضو مجلس الإدارة، وعضو لجنة تحكيم برنامج أمير الشعراء. كما كان عضوا فى اللجنة العليا لجائزة الدولة التقديرية، وعضوا مُحكِّما فى عدد من الجوائز الثقافية بدولة الإمارات العربية المتحدة، أبرزها: جائزة دبى الثقافية، وجائزة خليفة التربوية.
وقد حصل بن تميم على درجة الدكتوراه فى النقد الأدبى من جامعة اليرموك فى الأردن سنة 2005، وقبلها حصل على درجة الماجستير فى اللغة العربية وآدابها من الجامعة الأردنية سنة 2001.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved