عن استعادة الخِفّة.. بطلات إسراء زيدان في فيلا آزاد

آخر تحديث: السبت 23 مايو 2026 - 5:31 م بتوقيت القاهرة

منى أبو النصر

تبدو لوحات الفنانة التشكيلية إسراء زيدان كأنها تتحرك ضد الجاذبية، فبطلاتها الممتلئات لا يرسخن ثقل أجسادهن داخل اللوحة، بل يبدون وكأنهن يطفن بخفةٍ ليلعبن، ويرفرفن، أو حتى يستسلمن للحزن بوداعة، ويعدن اختراع العالم عبر تفاصيل صغيرة وحميمة، لتبدو تجربة زيارة معرضها الجديد "الوطن...مرة أخرى"، المقام حاليًا في جاليري "فيلا آزاد"، أقرب إلى امتداد بصري للطمأنينة، وتأمل هادئ في معنى العودة إلى الذات بوصفها وطنًا ممكنًا.

تنتمي إسراء زيدان إلى جيل من الفنانات التشكيليات اللاتي يشتبكن مع اليومي والذاتي بوصفه مادةً جمالية قابلة للتحوّل إلى عالم بصري فيّاض، تذوب فيه التفاصيل البسيطة داخل تكوينات سريالية أقرب إلى طفو الأحلام، حيث يحضر اللعب وذكريات البيوت والأشياء الصغيرة كجزء حميم من بناء وجداني أوسع.

خلف هذا العالم البصري الممتلئ بالحياة، تختبئ رحلة ذاتية دفينة خاضتها صاحبة المعرض نحو التعافي عبر الفن من تجربة ما يُعرف باكتئاب ما بعد الولادة؛ ذلك الشعور الثقيل بالاغتراب والانفصال عن الذات والعالم، وما يصاحبه أحيانًا من ارتباك في فهم مشاعر الأمومة الجديدة، ومن خلال الرسم تبدو الفنانة وكأنها تحاول إعادة بناء علاقتها بالحياة وبنفسها معًا، ليصبح عنوان المعرض "الوطن… مرة أخرى" أقرب إلى استعارة للعودة الداخلية؛ عودة إلى الألفة والخفة بعد فترة طويلة من الثقل والارتباك.

رغم احتفاء إسراء زيدان الممتد عبر مشروعها الفني بالبطلات الممتلئات، إلا أن مشروعها لا يعد امتدادًا مباشرًا لتقليد تشكيلي يحتفي بالكتلة الجسدية على طريقة الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو (1932–2023)، الذي اشتهر عبر ما عُرف بـ"البوتيرية"، حيث الاشتغال على الحجم، والوفرة، والطابع الفانتازي للأجساد، غير أن إسراء زيدان تنقل هذا الامتلاء إلى منطقة أكثر حميمية وخِفة؛ فبطلاتها لا يفرضن ثقل حضورهن على اللوحة، بل يبدون وكأنهن يتحركن داخل حالة من الطفو الداخلي واللعب واستعادة الذات.

نرى عبر لوحات المعرض امرأة تختلي ببطيخة كأنها تلوذ بعالمها الحميم، وأخرى تحلّق فوق ظهر حصان طائر، فيما تتجاور فتيات ممتلئات داخل تكوينات أقرب إلى "كوريوجرافيا" تشكيلية تستدعي فن الباليه، في مفارقة شاعِرية بين الثقل والخفة، بين امتلاء الشكل ورهافة الروح، وحتى حين تستعيد الفنانة ذكرى جدتها الراحلة "وداد" تبدو الجدة كأنها تواصل الطيران في السماء مُمسكة بسبحتها، بينما تتسلل ظلال الصديقات واليوميات والألعاب الورقية إلى اللوحات بوصفها شذرات من سيرة ذاتية لا تُروى مباشرة، بل عبر استعارات بصرية وسريالية.

وربما تقترب تجربة إسراء من مفهوم "الخِفة" لدى الإيطالي إيتالو كالفينو، تلك الخفة التي لا تعني اللوذ بالسطحية أو الهروب، بل القدرة على حمل أثقال الحياة دون أن تتحوّل الروح نفسها إلى حجر، وهي الفكرة التي تبدو حاضرة في المعرض، حيث تتحول الأجساد الممتلئة نفسها إلى وسيلة للتخفف من الحياة، لا للغرق داخل أثقالها.

لا تبدو بطلات إسراء زيدان مشغولات بتوجيه أنظارهن صوب هدفٍ محدد أو "مرمى" واضح، بقدر ما يظهرن في حالة تيهٍ حالم وتأمل داخلي، كأنهن يعبرن العالم بشرود، وحتى الحزن نفسه تمنحه الفنانة رهافةً أنثوية خاصة إذ تحضر تفاصيل صغيرة، مثل طلاء الأظافر، والفساتين الناعمة، بوصفها إشارات لأنوثة لا تزال حيّة في الداخل، تقاوم الانطفاء المفروض عليهن من الخارج.

ومن هنا لا تعتمد الفنانة على فرض حكايات مباشرة داخل لوحاتها، بقدر ما تخلق حالات شعورية مفتوحة، داخل زمن معلّق بين الطفولة والذاكرة والحلم، وهو ما ينعكس على اختيارات ألوانها الدافئة والمبهجة، التي تبدو أقرب إلى محاولة احتضان العالم والتصالح معه، وفي كثير من الأعمال، تتحوّل التفاصيل الصغيرة، مثل الألعاب الورقية، والفواكه، والكائنات الوديعة إلى مفاتيح عاطفية تستدعي إحساسًا نوستالجيًا بعيدًا، وكأن الفنانة تعيد بناء عالم شخصي هشّ، لكنه قادر على مقاومة القسوة اليومية عبر الخيال واللعب والرهافة البصرية.

ويزداد هذا الإحساس بالتحليق عبر عناوين اللوحات نفسها، التي تحمل بدورها نبرة أقرب إلى الحِس الصوفي مثل "من ذاق عرف"، و"وَصل"، و"سكينة العودة"، و"أؤمن"، و"نور"، و"أعود إلى نفسي"، وهي عناوين لا تكتفي بوصف المشهد، بقدر ما تبدو امتدادًا للحالة الوجدانية التي تعيشها البطلات؛ ذلك السعي الهادئ نحو الطمأنينة، والخلاص الداخلي.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved