في شهر التوعية بالصحة النفسية.. دراسة ترصد آثار القسوة الأسرية على حياة الأبناء‬

آخر تحديث: السبت 23 مايو 2026 - 4:01 م بتوقيت القاهرة

سلمى محمد مراد

تتشكل شخصية الإنسان وتنمو بناء على بداياته والأساليب التي نشأ وتربي عليها منذ أيام طفولته الأولي.

وتوجد ممارسات قد يتوقع الوالدان أنها أمر طبيعي في التربية، ويكون لها تأثيرات وعواقب نفسية كبيرة وخطيرة علي تكوين شخصية ونفسية الفرد، نكشفها خلال هذا التقرير.

التربية السامة تضعف الروابط الأسرية

كشفت دراسة نوعية حديثة منشورة في مجلة قضايا الأسرة Journal of Family Issues، واطلعت عليها "الشروق" عن التأثيرات العميقة التي تتركها التربية السامة على الصحة النفسية والاجتماعية للشباب، مؤكدة أن آثار القسوة والإهانة والسيطرة داخل الأسرة قد تمتد لسنوات طويلة وتؤثر على العلاقات والثقة بالنفس والاستقرار النفسي، ولا تتوقف فقط عند حدود فترة الطفولة.

واعتمدت الدراسة التي أجراها باحثون من المعهد الوطني للصحة النفسية وعلوم الأعصاب في الهند على مقابلات متعمقة مع عشرة شباب وشابات تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا ممن عاشوا تجارب مختلفة من أنماط التربية المؤذية داخل أسرهم.

وبحسب الدراسة تشكل التربية السامة مجموعة واسعة من السلوكيات المؤذية منها الضرب أو العنف الجسدي والإهانة المستمرة، التقليل من المشاعر، التحكم الزائد، المقارنة بالآخرين، التهديد العاطفي، السخرية والتشهير، وكذلك منع الأبناء من اتخاذ قراراتهم الخاصة.

ويشير الباحثون إلى أن هذا النوع من التربية يؤدي إلي إضعاف الروابط الأسرية ويؤثر بشكل مباشر على النمو النفسي الصحي والاجتماعي للأطفال، وقد يقود لاحقًا إلى الاكتئاب والقلق وصعوبة تكوين علاقات صحية.

وأظهرت نتائج الدراسة أن جميع المشاركين تقريبًا تحدثوا عن تعرضهم للإساءة العاطفية والتحكم الزائد والإذلال داخل المنزل، كما ذكر كثيرون أنهم تعرضوا أيضًا للإهانة اللفظية أو الضرب أو التقليل المستمر من قيمتهم، فضلًا عن الإجبار على تنفيذ قرارات الأسرة دون نقاش، في حين تعرض آخرون للمقارنة المستمرة بأشخاص آخرين أو للسخرية من أشكالهم وقدراتهم.

وقال أحد المشاركين، إن والديه كانا يعتبران أن الطاعة المطلقة هي الشكل الصحيح للتربية، وتحدثت أخرى عن تعرضها للتنمر والسخرية من شكل جسدها منذ طفولتها مما جعلها تكره النظر إلى نفسها في المرآة.

آثار وموروثات تمتد إلي الشباب

وأظهرت الدراسة أن تأثير التربية السامة تتقدم وتتطور مع العمر وتتحول الي مشكلات طويلة المدي، حيث تحدث عدد من المشاركين عن معاناتهم مع ضعف الثقة بالنفس، والخوف من الآخرين والعزلة الاجتماعية، وكذلك الشعور الدائم بعدم الكفاءة، والقلق والتوتر، فضلًا عن صعوبة تكوين صداقات أو علاقات عاطفية مستقرة.

كما لفت بعضهم إلى أنهم أصبحوا أكثر انطوائية بسبب القيود المبالغ فيها التي تم فرضها عليهم في طفولتهم، وذكر آخرون أنهم يعيشون شعورًا دائمًا بالخوف أو الشك في أنفسهم، وتحدث آخر في شهادة أكثر قسوة عندما فكر بالانتحار بسبب تعرضه للإهانة المستمرة أمام الآخرين من قبل والده.

وأشار بعض المشاركين إلى أن آباءهم أنفسهم تعرضوا بشكل أو بأخر للتربية القاسية، وكانوا أيضا ضحايا لها في طفولتهم، وقاموا بنقل نفس الأساليب إلي الجيل التالي.

ويرى الباحثون أن هذا يخلق حلقة متكررة من العنف النفسي داخل الأسر وخاصة عندما يتم تبرير القسوة باعتبارها وسيلة ضرورية للتربية أو فرض الانضباط، مؤكدين أن بعض أفراد العائلة سواء الأشقاء أو الأجداد قد يساهمون أحيانًا في تعزيز هذه السلوكيات من خلال تبريرها أو دعمها، وهو ما يجعل الطفل يشعر بأن ما يتعرض له أمر طبيعي أو مستحق.

كيف يحاول الضحايا التكيف؟

ورصدت الدراسة مجموعة من الطرق التي استخدمها المشاركون للتعامل مع الضغوط النفسية الناتجة عن التربية السامة، حيث لجأ بعضهم إلى وسائل إيجابية مثل التأمل والاستماع للموسيقى، والرسم، والسفر والمشي، أو الحديث مع الأصدقاء.

واتجه آخرون في المقابل إلى اللجوء إلي وسائل هروب أكثر خطورة مثل العزلة، والإفراط في استخدام الإنترنت، أو التدخين أو تعاطي بعض المواد، والانفجار العصبي والصراخ كرد فعل على الإساءة المتكررة.

وشدد الباحثون في ختام الدراسة على ضرورة رفع الوعي بخطورة التربية السامة مؤكدين أن القسوة المستمرة أو الإهانة أو التحكم المبالغ فيه ليست أساليب طبيعية في التربية، وتعتبر ممارسات قد تترك آثارًا نفسية عميقة تستمر لسنوات.

كما أوصت الدراسة بضرورة تقديم دعم نفسي للأبناء المتضررين، وتدريب الآباء على أساليب تربية صحية، وكذلك تعزيز الحوار داخل الأسرة، بالإضافة إلى توفير تدخلات نفسية واجتماعية مبكرة لكسر دائرة العنف المتوارث بين الأجيال.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved