من الخدمات المالية إلى التنمية المستدامة: رحلة محمد رحمي لصناعة الأثر الاقتصادي والاجتماعي

آخر تحديث: الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 3:02 م بتوقيت القاهرة

عمر فارس

لم يكن قراري بالانتقال من قطاع الخدمات المالية إلى مجال التنمية قرارًا مفاجئًا، بل كان نتيجة سنوات من التساؤل حول نوع الأثر الذي أطمح إلى تحقيقه.

بعد ثماني سنوات من العمل في القطاع المالي، اكتسبت خلالها خبرات مهنية مهمة، أدركت أنني أريد أن أكون أقرب إلى القضايا التي تمس حياة الناس بشكل مباشر، وأن أساهم في بناء مستقبل اقتصادي واجتماعي أكثر استدامة وشمولًا.

لهذا السبب، اخترت أن أتابع دراساتي العليا في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، حيث حصلت على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأدنى والشرق الأوسط. ركزت دراساتي على قضايا التنمية الاقتصادية، وساعدتني البيئة الأكاديمية متعددة التخصصات في فهم أعمق للعلاقة بين الاقتصاد والسياسات العامة والتنمية المجتمعية، وكيف يمكن للمؤسسات والأفراد العمل معًا لإحداث تغيير حقيقي ومستدام.

عندما عدت إلى مصر عام 2013، كنت مقتنعًا بأن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن القيمة الحقيقية تكمن في تحويلها إلى عمل وأثر ملموس. كانت محطتي الأولى مع منظمة «بذور السلام»، حيث عملت لمدة ثلاث سنوات على تصميم وإدارة برامج لتنمية قدرات الشباب وتعزيز الحوار والتفاهم بين المجتمعات المختلفة. هناك تعلمت أن الاستثمار في الإنسان هو أكثر الاستثمارات استدامة، وأن بناء الثقة وخلق مساحات للحوار يمكن أن يفتحا آفاقًا جديدة للأفراد والمجتمعات على حد سواء.

بعد ذلك، انتقلت إلى العمل مع منظمة «إنديفور مصر»، وهي جزء من شبكة عالمية رائدة لدعم ريادة الأعمال. أتاحت لي هذه التجربة فرصة العمل عن قرب مع رواد أعمال وشركات سريعة النمو تسهم في خلق فرص العمل وجذب الاستثمارات وتحفيز النمو الاقتصادي في مصر والمنطقة. كنت أرى يوميًا كيف يمكن لفكرة مبتكرة، عندما تجد الدعم المناسب، أن تتحول إلى شركة ناجحة توفر فرصًا للآخرين وتترك أثرًا يمتد لسنوات.

ما يميز هذه المرحلة بالنسبة لي هو أنها جمعت بين خبرتي السابقة في القطاع المالي وشغفي بالتنمية. فقد أدركت أن ريادة الأعمال ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي وسيلة فعالة لإطلاق الطاقات الكامنة، وتمكين الأفراد، ودفع عجلة التنمية المستدامة.

أشغل حاليًا منصب رئيس العلاقات الخارجية في كلية أنسي ساويرس لإدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث أعمل على بناء شراكات استراتيجية مع القطاعين العام والخاص، وتعزيز التعاون بين مختلف الأطراف، ودعم المبادرات التي تربط التعليم باحتياجات سوق العمل. أؤمن بأن المؤسسات التعليمية لا تقتصر مهمتها على نقل المعرفة، بل عليها أيضًا أن تكون شريكًا فاعلًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن تسهم في إعداد قيادات قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

أستطيع القول بثقة إن منحة مؤسسة القلعة كانت نقطة تحول حقيقية في حياتي المهنية والشخصية. لم تكن مجرد دعم مالي للحصول على درجة علمية، بل كانت استثمارًا في طموحي وقدراتي، ومنحتني الثقة والأدوات اللازمة لأعيد رسم مساري المهني وفقًا لما أؤمن به من قيم وأهداف.

واليوم، وبعد سنوات من العمل في مجالات التنمية وريادة الأعمال والتعليم، ما زلت أؤمن بأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالمناصب أو الإنجازات الفردية، بل بقدرتنا على تمكين الآخرين، وبناء الجسور بين المؤسسات والأفراد، وخلق فرص تتيح للجميع المشاركة في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة. هذه هي الرسالة التي أحملها، وهي أيضًا الإرث الذي أسعى إلى المساهمة في بنائه كل يوم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved