في ذكرى ميلادها.. نازك الملائكة من ريادة الشعر الحر إلى البحث عن قواعد للقصيدة الجديدة

آخر تحديث: الأحد 23 أغسطس 2026 - 7:34 م بتوقيت القاهرة

محمود عماد

تحل اليوم الأحد، ذكرى ميلاد الشاعرة العراقية نازك الملائكة، التي ولدت في بغداد في 23 أغسطس عام 1923، ورحلت في 20 يونيو عام 2007، بعد تجربة امتدت بين الشعر والنقد والترجمة والتدريس، وتركت خلالها حضورًا بارزًا في مسيرة الشعر العربي الحديث.

ويرتبط اسم نازك الملائكة، على نحو كبير بالتحولات التي شهدتها القصيدة العربية في منتصف القرن العشرين، بعدما ارتبطت تجربتها المبكرة بقصيدة «الكوليرا» التي كتبتها عام 1947، بالتزامن تقريبًا مع تجارب شعرية جديدة لبدر شاكر السياب وشاذل طاقة وعبد الوهاب البياتي، وهي أسماء ارتبطت ببدايات حركة الشعر الحر في العراق.

ولم تكن مسألة الريادة محسومة بصورة قاطعة، ولا تزال محل جدل بين الباحثين، إذ دار جدال طويل حول البدايات الأولى للشعر الحر ومن صاحب التجربة الأولى في هذا المسار، خصيصًا بين نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، قبل أن تتسع حركة الشعر الجديد وتتعدد اتجاهاتها وأشكالها.

من كتابة الشعر إلى التنظير له

إذا كانت قصيدة «الكوليرا» قد ارتبطت بالتحول في شكل القصيدة العربية، فإن نازك الملائكة لم تكتفِ بالممارسة الشعرية، وإنما حاولت أن تفكر في هذا التحول وأن تضع له إطارًا نظريًا.

وجاء كتابها «قضايا الشعر المعاصر» بوصفه من أبرز الكتب التي تناولت تجربة الشعر الحر، حيث سعت من خلاله إلى تحديد مفهوم هذا الشكل الجديد، ومناقشة أسسه، وتفسير الأسباب التي أدت إلى ظهوره، بجانب محاولة وضع قواعد عروضية يمكن للشعراء الاستناد إليها في كتابة قصائدهم.

ولم يكن اهتمام نازك بالشكل الجديد منفصلًا عن قلقها من الأخطاء التي رأت أنها بدأت تنتشر في بعض تجارب الشعر الحر؛ لذا خصصت في كتابها مساحة لمناقشة الأخطاء العروضية، وصنفتها إلى أنواع، متوقفة عند صور مختلفة من الخلل في استخدام التفعيلات والتشكيلات.

وكان تصورها يقوم على أن الانتقال من نظام البيت الشعري التقليدي إلى نظام يعتمد على التفعيلة لا يعني التخلي عن الإيقاع أو الضوابط العروضية، وإنما البحث عن طريقة جديدة لتنظيمهما داخل القصيدة.

الشعر الحر.. قصيدة جديدة بقواعد جديدة

اعتمدت تجربة الشعر الحر على تجاوز وحدة البيت التقليدي، بحيث أصبحت التفعيلة الوحدة الأساسية التي يتشكل منها السطر الشعري، مع اختلاف عدد التفعيلات من سطر إلى آخر وفق البناء الشعري.

وحاولت نازك، أن تشرح هذا التحول وأن تضع له تصورًا واضحًا، معتبرة أن التجديد في الشعر لا ينبغي أن يتحول إلى أخطاء عروضية أو إلى التخلي الكامل عن مقومات الشعر.

ومن هنا جاء اهتمامها بوضع قواعد لقصيدة التفعيلة؛ فالشاعر، وفق هذا التصور، يستطيع أن يتحرر من شكل البيت التقليدي، لكنه لا يصبح بالضرورة حرًا من كل قاعدة.

ويكشف هذا الجانب من تجربة نازك عن انتقال مهم في مسيرتها، من الشاعرة التي شاركت في إطلاق تجربة جديدة، إلى الشاعرة والناقدة التي حاولت تفسير هذه التجربة والدفاع عن أسسها.

النقد أمام الشعر الجديد

لم يتوقف مشروع «قضايا الشعر المعاصر» عند الجانب العروضي، إذ تناولت نازك عددًا من القضايا المرتبطة بالشعر الحديث، وسعت إلى تطوير أدوات النقد العربي بما يتناسب مع التحولات التي شهدها الشعر والحياة في العصر الحديث.

فالقصيدة الجديدة لم تكن، من وجهة نظرها، مجرد تغيير في عدد التفعيلات أو طريقة توزيعها، وإنما ارتبطت بتحولات في اللغة والصورة الشعرية والرمز والنظرة إلى التراث، وهي تحولات دفعت النقد نفسه إلى البحث عن أدوات جديدة لقراءة النصوص الحديثة.

ومن هذا المنطلق، أصبح «قضايا الشعر المعاصر» جزءًا من مشروع نازك في التفكير في الشعر ذاته، وليس مجرد كتاب يشرح طريقة كتابة قصيدة التفعيلة.

نازك الملائكة وقصيدة النثر

لكن المفارقة أن نازك الملائكة لعبت مع قصيدة النثر الدور المحافظ نفسه الذي لعبه شعراء القصيدة العمودية معها.

وظهر أن موقف نازك الملائكة من التجديد الشعري لم يكن يعني قبولها بكل الأشكال التي ظهرت في مسار الحداثة العربية؛ فعلى الرغم من دفاعها عن قصيدة التفعيلة وتنظيرها لها، اتخذت موقفًا رافضًا من قصيدة النثر، ولم تعتبرها شكلًا من أشكال الشعر بالمعنى الذي كانت تراه قائمًا على الإيقاع والوزن.

ورأت نازك في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» أن قصيدة النثر تأثرت بصورة كبيرة بالآداب الغربية، وأن التخلي عن الوزن العروضي يبعد النص عن أحد المقومات الأساسية للشعر العربي.

وفي المقابل، دافعت عن قدرة التراث العربي على تقديم أسس يمكن للشاعر الحديث أن يستفيد منها في تطوير قصيدته، بدلًا من القطيعة الكاملة مع الأشكال الشعرية الموروثة.

ويكشف هذا الموقف جانبًا آخر من مشروع نازك؛ فهي لم تنظر إلى الحداثة الشعرية باعتبارها خروجًا مفتوحًا عن جميع القواعد، وإنما سعت إلى التمييز بين التجديد الذي يعيد تشكيل القصيدة من الداخل، وبين ما رأته ابتعادًا عن مقومات الشعر العربي وإيقاعه.

ومع اتساع حضور قصيدة النثر في العقود التالية، أصبح موقف نازك نفسه جزءًا من النقاش الأوسع حول حدود الحداثة الشعرية، وما إذا كان النص يستطيع الاحتفاظ بشعريته من دون الوزن العروضي، أو إنتاج موسيقاه الخاصة خارج نظام التفعيلات.

ما الذي بقي من نازك الملائكة؟

بعد عقود من ظهور الشعر الحر، تغيرت الخريطة الشعرية العربية بصورة كبيرة تطورت قصيدة التفعيلة، وظهرت قصيدة النثر، وتعددت أشكال الكتابة الشعرية واتجاهاتها، ولم تعد القصيدة الحديثة محكومة بالتصورات نفسها التي كانت مطروحة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

وظل اسم نازك الملائكة، مع ذلك حاضرًا عند الحديث عن واحدة من أهم لحظات التحول في تاريخ الشعر العربي الحديث، سواء من خلال قصائدها أو كتاباتها النقدية.

وربما لا تكمن أهمية تجربتها اليوم في البحث عن إجابة نهائية لسؤال: «من كتب أول قصيدة حرة؟»، بقدر ما تكمن في أنها كانت واحدة من الشعراء الذين لم يكتفوا بتغيير شكل القصيدة، وإنما حاولوا أيضًا أن يفهموا ما الذي يعنيه هذا التغيير، وأن يضعوا له تصورًا نقديًا وعروضيًا.

وبدأت الحكاية بقصيدة جديدة، لكنها لم تنتهِ عندها؛ إذ تحولت تجربة الشعر الحر من محاولة للخروج عن الشكل التقليدي إلى سؤال أوسع حول علاقة الشعر بالوزن والإيقاع والتراث واللغة.

وبينما تجاوز الشعر العربي لاحقًا كثيرًا من الآراء التي نظرت لها نازك الملائكة، بقي مشروعها شاهدًا على لحظة لم يكن فيها التجديد مجرد رغبة في تغيير شكل القصيدة، وإنما محاولة لإعادة التفكير في ماهية الشعر نفسه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved