خبراء: العالم يدخل عصر الذكاء الاصطناعي الإمبراطوري

آخر تحديث: الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 11:37 ص بتوقيت القاهرة

واشنطن (د ب أ)

يبدو أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ستفتح الباب أمام الصين والولايات المتحدة بشكل خاص لتأسيس ما يمكن أن يعتبره المؤرخون في المستقبل نوعا جديدا من الإمبراطوريات، من خلال هيمنتهما ليس فقط على الأراضي وطرق التجارة والمجال الجوي وإنما بالهيمنة على المعرفة ذاتها.

وفي تحليل مشترك نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية يقول نيل فيرجسون الباحث الزميل في معهد هوفر بجامعة ستانفورد الأمريكية وليزا كلاسن باحث الدكتوراه في معهد أوكسفورد للإنترنت والزميل في مركز تاربل لصحافة الذكاء الاصطناعي، وإيريك شميدت رئيس مشروع دراسات التنافسية الخاصة والرئيس السابق لشركة جوجل إن بكين وواشنطن خلال السيطرة على نماذج اللغة الضخمة للذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية المادية، ورؤوس الأموال التي تشكل ركائز تحقيق التقدم في مضمار الذكاء الاصطناعي، لا تكتفيان بتحقيق مستويات غير مسبوقة من الأداء الاقتصادي والقدرة على بسط النفوذ، بل تضعان أيضا القواعد التي سيقوم عليها كل تقدم علمي وفكري في المستقبل.

ولم يعد مصطلح "القوى العظمى في مجال الذكاء الاصطناعي" كافيا لوصف حجم النفوذ والمدى الذي تمتلكه الدولتان، لأنه أصبح في إمكانهما جعل أي دولة تسعى للحصول على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة تابعة لهما، دون الحاجة إلى بناء تحالفات رسمية أو ممارسة أي شكل من أشكال الإكراه السياسي أو الاقتصادي.

وبحسب المحللين الثلاثة، فإن الذكاء الاصطناعي يتسم بطابع استعماري من وجهين. فمن ناحية، كانت كل من الصين والولايات المتحدة تتمتعان بخصائص استعمارية حتى قبل بدء سباق الذكاء الاصطناعي، ومن ناحية أخرى، فإن الذكاء الاصطناعي في جوهره كيان استعماري؛ فمن يطور نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة ويتحكم فيها، يكتسب نفوذا عالميا في مجالات الابتكار والإنتاج والعلوم والثقافة.

في الوقت نفسه فإن السرعة وليس الطموح الاستعماري هي ما يميز إمبراطوريات الذكاء الاصطناعي عن الإمبراطوريات السابق. فالمسار الإمبريالي المعهود، الذي يبدأ بالتوسع، ثم الإفراط في التمدد، وصولا إلى التفكك، كان يستغرق في الماضي قرنا أو حتى ألفية كاملة؛ أما اليوم، فإن هذه العملية تجري بسرعة الآلة.

ويقول فيرجسون مؤلف كتاب "الإمبراطورية: صعود وسقوط النظام العالمي البريطاني" وكلاسن وشيمدت المؤلف المشارك لكتاب "جينسيس: الذكاء الاصطناعي والأمل ومستقبل الإنسان" بالاشتراك مع هنري كيسنجر وكريج موندي إن السؤال المطروح الآن هو هل ستتمكن القوتان المهيمنتان من تحويل مقوماتها الخاصة -سواء كانت أسواق المال والمختبرات المتقدمة لدى الولايات المتحدة، أو التوجيه الحكومي والطاقة الرخيصة والموارد المادية لدى الصين، إلى أنظمة إمبريالية راسخة، أم أنها ستتعثر وتفشل في مسعاها؟

والحقيقة أن هناك سمات عديدة تجعل من الذكاء الاصطناعي تقنية إمبريالية، لا مجرد تقنية تجارية. أولى هذه السمات هي أن عودة الندرة التي يفرضها هذا النوع من التقنية، يحتاج إلى مواد تتسم بالندرة بشكل أساسي مثل المعادن الحيوية والرقائق الإلكترونية المتطورة ورؤوس الأموال الضخمة، وحتى إمدادات الطاقة الوفيرة، وهو ما يجعل إنتاجها وتوظيفها مسألة جيوسياسية لاعتمادها على كمية هائلة من الموارد النادرة.

في الوقت نفسه، يتسم الذكاء الاصطناعي بهيكل يقوم جوهرياً على ثنائية "المركز والأطراف"؛ إذ تتركز السيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة -وما تجلبه من عوائد- في أيدي حفنة من الشركات في الصين والولايات المتحدة. أما بقية العالم، فهم مجرد مستخدمين تابعين؛ سواء كانوا حكومات تدير خدماتها العامة عبر نماذج ذكاء اصطناعي لا تملك صلاحية فحصها، أو شركات تطور منتجاتها اعتمادا على واجهات برمجية قد تتغير تكلفتها أو تسحب منها فجأة.

كما أن مدخلات الذكاء الاصطناعي -سواء كانت مادية أو بشرية- يتم الحصول عليها بشكل غير متناسب من "الأطراف"؛ فمعادن الأرض النادرة الحيوية تستخرج من دول مثل الكونغو الديمقراطية وإندونيسيا، بينما يأتي من يعرفون باسم "العمال الخفيون" من كينيا والفلبين، حيث يتقاضون أجورا زهيدة مقابل تصنيف البيانات وتنقيتها، لاستخدامها في تعليم نماذج الذكاء الاصطناعي المطورة في "وادي السيليكون".

ويقول التحليل المشترك الذي نشرته فورين أفيرز إن هذا النموذج لتقسيم العمل في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يشبه ما يعروف باسم اقتصاد المزارع في عصر روبوتات الدردشة، حيث تستخرج المواد الخام من الأطراف، ثم تعالج وتجمع في "المركز"، ليتم بيعها بأسعار أعلى بكثير من تكلفتها الفعلية، لتجني الدولة المالكة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وشركاتها الأرباح الطائلة في حين تحصل الدول المنتجة للمعادن و"العمال الخفيون" على الفتات، كما كان يحدث في عصر الاستعمار بعد الثورة الصناعية.

كما أن هيكل الذكاء الاصطناعي يقوم على نقاط تحكم استراتيجية. فليست كل القوة الإمبراطورية نابعة من الغزو المباشر، وليس كل الخاضعين لها رعايا في نظام استعماري. ففي القرن التاسع عشر استمدت الإمبراطورية البريطانية تفوقها من سيطرتها على المسارات المادية والتكنولوجية والمالية التي يتدفق عبرها الاقتصاد العالمي؛ كمحطات تزويد السفن بالفحم، والممرات المائية الاستراتيجية مثل قناة السويس ومضيق ملقا، وكابلات التلجراف البحرية، والنظام المالي القائم على الجنيه الإسترليني. واليوم، يشكل إنتاج الذكاء الاصطناعي وتوزيعه شبكة إمبراطورية أكثر تعقيدا وكثافة، حيث تمتلك المراكز المهيمنة القدرة على التحكم في عناصرها المختلفة —من رقائق ومعادن ونماذج ذكاء اصطناعي— عبر تفعيلها أو تعطيلها حسب الحاجة.

وهناك فارق جوهري واحد على الأقل بين إمبراطوريتي الذكاء الاصطناعي الأمريكية والصينية؛ إذ تعد إمبراطورية الصين نتاجا لقرار واعٍ ومخططٍ له من قبل الدولة، على عكس الحال في إمبراطورية الولايات المتحدة. ففي عام 2017، أعلن مجلس الدولة الصيني خطة شاملة لتحقيق الريادة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، داعيا على وجه التحديد إلى تطوير "شركات صينية رائدة تشكل العمود الفقري للذكاء الاصطناعي عالميا"، وضمان انتشار واسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي الصينية في عشرات الدول. في المقابل، نشأت الهيمنة الأمريكية في هذا المجال بفضل رأس المال الخاص، ونهج تنظيمي قائم على عدم التدخل، إلى جانب تدابير ارتجالية للرقابة على الصادرات. وبهذا المعنى، تعد إمبراطورية واشنطن النمط الأكثر تقليدية بين الإمبراطوريتين.

وأمام هذه التطورات ستجد الحكومات في جميع أنحاء العالم نفسها مضطرة للاختيار بين الانحياز إلى للصين أو للولايات المتحدة - وهو خيار ثنائي يزداد صعوبة بالنسبة للكثيرين. فما تقدمه الصين يتسم بانخفاض التكلفة والانفتاح النسبي، بينما ما تقدمه الولايات المتحدة يتسم بارتفاع التكلفة والقيود الصارمة. لذا من المرجح أن تكسب إمبراطورية قائمة على مكونات زهيدة الثمن ولا تفرض قيوداً على الوصول إليها، ولاء غالبية اقتصادات العالم؛ في حين لن تجذب الإمبراطورية التي تعتمد على تكنولوجيا متطورة ومقيدة سوى أولئك القادرين على تحمل تكاليفها والمسموح لهم بالوصول إليها.

أخيرا يعد الذكاء الاصطناعي المشروع الإمبراطوري الأكثر استهلاكا لرؤوس الأموال في التاريخ، وتتولى قيادته قوتان عظميان تعانيان بالفعل من أعباء الديون. في الوقت نفسه لا تؤكد دروس الإمبراطوريات السابقة أن الصدام أو الأفول أمر حتمي، بل تشير إلى أن الظروف المؤدية للصدام والأفول ، مثل سباق تسلح محموم حول موارد شحيحة، وتوسع مفرط في الإنفاق العام، وتصاعد السخط الداخلي، ونخب تسعى لتحقيق مكاسب شخصية وتتسم بقصر النظر الاستراتيجي، باتت حاضرة بالفعل.

وما يحدث في وقتنا الراهن هو الذي سيحدد أي من إمبراطوريتي الذكاء الاصطناعي ستنجح في تحويل قوتها إلى نظام شرعي ومستدام، وأيهما ستكرر الأخطاء التاريخية القديمة التي تقود حتما إلى انهيارها. أما الجديد تماما مقارنة بكل الإمبراطوريات التي عرفتها البشرية فهو السرعة التي تتكشف بها هذه العملية؛ إذ يتم حسم هذه المسائل بوتيرة تفوق قدرة أي من النظامين السياسيين على الاحتفاظ بزمام السيطرة. وإذا كان العالم عانى بشدة لتحقيق التعايش السلمي في عصر السباق النووي والحرب الباردة - الذي انتهى بانهيار الاتحاد السوفيتي إحدى القوتين العظميين ، فسيكون من الأصعب بكثير تكرار هذه النتيجة السلمية في عالم باتت تديره، على نحو متزايد، آلات قوية لا تتوقف عن تطوير ذاتها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved