لية بكى فيها «الميدان»

آخر تحديث: الجمعة 23 نوفمبر 2012 - 12:00 م بتوقيت القاهرة
إسماعيل الأشول

مفيش رجوع».. كانت هذه العبارة، تعبر عن لسان حال المتظاهرين بالتحرير وشارعى قصر العينى ومحمد محمود، ليلة أمس الأول، بعدما صعّدت قوات الأمن من هجماتها، وألقت القبض على العشرات منهم، فى حين شنّ المتظاهرون هجوماً حاداً على الرئيس محمد مرسى، وانتقدوا «استمرار سياسة القمع والقتل فى مواجهة المظاهرات السلمية»، ساخرين من حديث وزير الداخلية عن «رغبة الشعب فى عودة الطوارئ».

 

كرّ وفرّ.. عنف وعنف مضاد.. الغاز المسيل للدموع وبنادق الخرطوش والطوب والمولوتوف من جانب الأمن، فى مواجهة الطوب والمولوتوف من جانب المتظاهرين.. هكذا استمرت المواجهات بين طرفى الاشتباكات لعدة ساعات، وحتى الثانية عشرة من منتصف ليلة الخميس، وبعد ذلك التوقيت، وحتى الساعات الأولى من صباح أمس، كثفت قوات الأمن من هجماتها، وأطلقت العشرات من قنابل الغاز المسيّل للدموع ناحية المتظاهرين، وطاردتهم بسيارات الأمن المركزى المصفحة حتى أجبرتهم على التراجع إلى شارعى طلعت حرب وباب اللوق، اللذين يبعدان عن مسرح الاشتباكات مئات الأمتار.

 

ولم تمر ليلة أمس الأول، دون إلقاء القبض على عشرات المتظاهرين، إذ عمد الأمن، إلى تطويق المتظاهرين فى شارع قصر العينى بأعداد من فرق الأمن المركزى، بالتزامن مع تراجع العربات المصفحة بالشارع نفسه إلى الخلف قليلاً ليتقدم المتظاهرون، وما إن يتقدموا حتى تطبق عليهم «كماشات الأمن» من بعض الشوارع الجانبية وتلقى القبض على عدد منهم.

 

وبينما كانت الاشتباكات دائرة بين الأمن والمتظاهرين، فى شارع قصر العينى ومحمد محمود، جلس عدد غير قليل من شباب الثورة بأرجاء ميدان التحرير، وارتسمت على ملامحهم علامات الحزن والغضب والحسرة على ما آلت إليه ثورة 25 يناير، وعودة المواجهات الدامية وقتل المتظاهرين، فى نفس الشوارع التى عاشت لحظات انتصار الثورة على نظام مبارك والمجلس العسكرى على مدار العامين الماضيين.

 

وكان لافتاً سيادة مشاعر الحزن فى أوساط المتظاهرين، على الأنباء المتواترة عن وفاة رفيقهم جابر صلاح جراء إصابته بالخرطوش، وهو ما لم يتحققوا منه، ودارت نقاشات حول مسئولية وزارة الداخلية عن تلك الوفاة، ووصفها بعضهم بأنها «داخلية النظام التى لا تتغير».

 

وقال أحد شباب الثورة لـ«الشروق: «المتظاهرون لا يريدون اقتحام وزارة الداخلية، وذلك ببساطة، لأن هناك أكثر من مدخل لمقر الوزارة بعيدا عن شارع قصر العينى ومحمد محمود، هؤلاء المحتجون محمولين بغضب سياسى شديد نتيجة الهزائم المتتالية التى تتعرض لها الثورة».

 

وأضاف: «المفروض بعد الثورة، أن يكون للشرطة أسلوب يتناسب مع الواقع الجديد، وألا تعيد تكرار سياساتها القمعية التى انتهجتها على مدار حكم حسنى مبارك، كيف يحدث فى بلد يقولون إن فيها رئيسا منتخبا بعد ثورة شعبية، أن تطوّق الشرطة مظاهرة سلمية بفرق الأمن المركزى فتقتل وتعتقل وتضرب المشاركين».

 

عبدالفتاح أشرف، مهندس جولوجيا بوزارة الزراعة، كان ضمن الموجودين بالميدان، قال غاضباً: «الرئيس وعد بألا يتم التعرض لأى متظاهر، لكنه للأسف نكث بهذا الوعد أمام ما يحدث من مواجهات، وبعدين مرسى منتبه فقط للقضايا الخارجية، وأنا أقول له انظر لشعبك أولاً، أنا مهندس جولوجيا بوزارة الزراعة لم أتقاض راتبى منذ ثلاثة أشهر».

 

ويضيف آخر «يوجد الإعلام فى ساعات النهار والمساء كل يوم، إلا أنه فى ساعات الصباح الأولى، التى تعقب صلاة الفجر، يغيب إلى حد كبير عن الميدان، وهو ما يجعل الشرطة تبالغ فى تصعيدها ضد المتظاهرين، وتلاحقهم فى الشوارع الجانبية لميدان التحرير».

 

فى الحادية عشرة والنصف من مساء أمس الأول، جلس عدد من شباب التيار الشعبى على رصيف الكعكة الحجرية، وأجمع عدد كبير منهم على أن «مشاركتهم فى التظاهرات تأتى بصورة فردية وليست تنظيمية»، وقال محمد الجبالى، عضو المكتب التنفيذى لطلبة التيار الشعبى لـ«الشروق» :» شاركنا فى مسيرات انطلقت من جامعات القاهرة وعين شمس وحلوان فى اليوم الأول من ذكرى أحداث محمد محمود، لكننا انسحبنا بعد ذلك، ليس بناءً على موقف سياسى من تلك التظاهرات، وإنما لدينا فاعليات أخرى بالجامعات».

 

كان لافتاً فى أوساط المتظاهرين، انتشار ظاهرة الامتناع عن التحدث للإعلام، إذ رفض عدد من النشطاء الحديث عن رؤيتهم لما يقع من اشتباكات، وفسر أحدهم موقفه قائلاً: «أنا بشتغل على الناس فى المترو والميكروباصات والأحياء الشعبية وأتوبيسات النقل العام، مش بتكلم مع المثقفين أو طلبة الجامعة أو اللى عندهم حسابات على فيسبوك وتويتر، دول عندهم قناعاتهم السياسية، لكن أنا بشتغل على أهلنا اللى بيتم تغييبهم من الأميين، وعشان كده أنا مش معنى بدرجة كبيرة بالحديث لجمهور الصحف أو القنوات، فلدى فئات أهم وأجدر بالعناية».

 

بين المتظاهرين بشارع قصر العينى، جلس طبيبان يعملان بالمستشفى التى تحمل اسم الشارع نفسه، وقال أحدهم ويدعى محمد عاصى: «أنا شاركت فى أول يوم كمسعف للمصابين، ولم أشارك كمتظاهر، لكن بعد زيادة حد المواجهات، والقول إن الداخلية لجأت للعنف رداً على رمى أحد المتظاهرين طوبة على المجندين، فهذا كلام غير مقبول، وغير إنسانى، ليس معنى إلقاء طوبة من أحد المحتجين أن يتم إشعال الموقف برمته من جانب الداخلية، هذا العنف الذى شهدناه من قوات الأمن مكانه ليس ميدان التحرير وإنما مكانه سيناء التى يواجهون فيها كمائن مسلحة ولا يفعلون شيئاً». عن الإصابات التى عالجها فى المتظاهرين.

 

 أضاف: «أغلب الإصابات ما بين جروح قطعية وكدمات نتيجة إلقاء الطوب وقطع الزجاج على المتظاهرين من فوق بعض البنايات، واختناقات جراء الغاز المسيل للدموع، وأيا كان ما يفعله المتظاهرون فلا مبرر لعنف الداخلية، وأود التأكيد على أن هذه الاشتباكات لن تتوقف، طالما أن الداخلية لم توقف هجماتها علينا، ولم تنسحب» وعن تقييمه لموقف الحكومة من الأحداث، قال «التباطؤ فى اتخاذ القرارت وحالة الشلل الدماغى لدى الأجهزة الرسمية، هو ما أسقط مبارك، وإذا لم تفكر الحكومة بجدية وحسم فلتترك مهمتها لغيرها».

 

وقال رجل خمسينى وهو يضع كمامة على فمه: «مطلوب من الشرطة تلم نفسها، وأن تنسحب فوراً، لكن يبدو أن إصرارهم على المواجهات هدفه إلهاء الناس عن أحداث أهم مثل تمرير الدستور، وتجاوز توابع كارثة قطار أسيوط» أنهى الرجل عبارته ثم قال «مينفعش أديك اسمى عشان أنا شغال معاهم فى الرئاسة».

 

«المفروض بعد ثورة يناير لا يجب فض أى مظاهرة أو اعتصام باللجوء للعنف والرصاص الحى، كما كان يجرى قبل الثورة» قالها أحد المتظاهرين، إسلام الجزار، وأضاف «بعد الثورة يجب أن تكون هناك وزارة داخلية برؤية مختلفة وأساليب إنسانية محترمة، تكون مهمتها تأمين الشعب، وليس قتله والإجهاز عليه ثم إلقاء القبض علينا واتهامنا بأننا مثيرى شغب».

 

ورداً على حديث وزير الداخلية عن رغبة الشعب فى عودة الطوارئ، رفض متظاهر آخر، عزت إبراهيم، «كلام وزير الداخلية المثير للسخرية»، وأضاف «الطوارئ على جثتنا، احنا كننا بنزل مخصوص فى أثناء حظر التجوال عشان نكسره، جاى يقولى طوارئ، ده بيحلم، ياريت حد يفكره إن فيه ثورة حصلت وحطت رئيسه حبيب العادلى فى الزنزانة».

 

وتابع: «لازم الحكومة والداخلية تفهم، إنها مش هتمشى حاجة مش عايزها شباب الثورة، ما يراه ويطلبه شباب الثورة هو ما سيحدث، لأنه الشباب يعرفون ما يريدون وليسوا متخبطين ومترددين مثل الحكومة».

 

إلى ذلك، وجدت العديد من سيارات إسعاف القاهرة بميدان التحرير، من ناحية شارع طلعت حرب، لمعالجة المصابين، ونقلهم إلى المستشفيات القريبة من الميدان، وقال محمود السيد، المشرف على سيارات الإسعاف بالتحرير: «لدينا 40 سيارة مجهزة لاستقبال حالات الإصابة، على مدار الـ24 ساعة، ويتم نقل المصابين إلى مستشفى قصر العينى أو مستشفى المنيرة لعلاجهم، وبعضهم يتم علاجهم بالسيارات نفسها الموجودة بالميدان، أغلب الإصابات طفيفة وعبارة عن اختناقات بسبب الغاز المسيل للدموع، وجروح قطعية وكدمات نتيجة الطوب

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved