مناقشة فكر المفكر المصري «سلامة موسى» ودور الصحافة في التغيير ضمن فعاليات معرض القاهرة للكتاب

آخر تحديث: السبت 24 يناير 2026 - 3:11 م بتوقيت القاهرة

مي فهمي


شهدت قاعة "كاتب وكتاب" ببلازا 1، مناقشة كتاب "سلامة موسى: الإصلاح الاجتماعي.. كتابات مجهولة" للكاتب روبير الفارس، وذلك ضمن فعاليات رابع أيام معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، بحضور هاني لبيب، رئيس تحرير موقع "مبتدأ"، والدكتور محمد أمين عبدالصمد، الكاتب المسرحي والباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية، وأدارت الندوة الكاتبة الصحفية رابعة الختام.

الفصل بين الدين والحكم والسياسة

وقالت رابعة الختام، إن الفصل بين الدين والحكم والسياسة كان من الركائز الأساسية في فكر سلامة موسى، موضحة أن الإيمان مسألة شخصية تخص الفرد، ولا يجوز فرضها على المجتمع من خلال القوانين أو مناهج التعليم.

وأكدت أن هذا الطرح لم يكن موجها ضد الدين، بل دفاعا عن حرية الضمير وبناء دولة مدنية تحترم التعدد والاختلاف.

وأضافت أن موقف سلامة موسى من قضايا المرأة وحقوقها والمساواة كان متقدما للغاية قياسا بعصره؛ إذ يُعد من أوائل المفكرين المصريين الذين نادوا بتمكين المرأة تعليميا واجتماعيا، واعتبر أن العادات والتقاليد المقيدة تحرم المجتمع من نصف طاقته، وتُعيق فرص التعليم والعمل.

كما أوضحت أنه شدد على أهمية الحداثة والتثقيف والتدريب، معتبرا أن بناء الإنسان لا ينفصل عن تطوير الوعي الثقافي.

وأشارت الختام إلى أن سلامة موسى شجع على الانفتاح على العلوم والفنون الغربية، مع رفضه الانسلاخ الكامل عن الهوية أو الذوبان في الثقافة الغربية على حساب الخصوصية المحلية، كما تناول في كتاباته قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وناقش بوضوح أهمية محاربة الفقر والجهل، مؤكدا أن النهضة الحقيقية لا تكتمل إلا بإصلاح اقتصادي واجتماعي شامل.

ضريبة التسوق

وفي السياق ذاته، قال هاني لبيب، رئيس تحرير موقع "مبتدأ"، إن كتاب "سلامة موسى: الإصلاح الاجتماعي.. كتابات مجهولة" يؤكد أننا أمام أحد أهم الكتب ذات الطابع المهني والفكري، رغم أن كثيرين قد لا ينتبهون إلى قيمته.

ودعا إلى تخيل كاتب كتب في عام 1928 عن ضريبة التسوق، ثم عاد في عام 1930 ليتناول قضية ظروف التنازل، قبل أن يشارك في واحدة من أهم المسابقات الفكرية عام 1946، ويستمر عطاؤه حتى عام 1956، في مرحلة كانت تُعد متقدمة جدا قياسا بزمانها.

وأوضح لبيب أن مسألة العقل والفكر والعلم كانت من الثوابت الراسخة في أفكار سلامة موسى، إلى جانب رفضه للعشوائية والتفكير غير المنهجي، مشيرا إلى أنه تعرض لهجوم واسع في بعض الفترات من زوايا سياسية وفكرية، وصل أحيانا إلى اتهامه بالعداء للعروبة، وهو ما اعتبره اتهاما غير صحيح على الإطلاق.

وأكد أن العكس هو الصحيح، إذ كان من أشد المطالبين بتحكيم العقل، وإعلاء قيمة الفكر النقدي، وتقبل الاختلاف، والانطلاق من العقلانية في قراءة الواقع.

وأضاف أن سلامة موسى لم يكن يوما معلما للغة العربية بقدر ما كان معنيا بالواقع المصري والاجتماعي، ساعيا إلى فهم المجتمع وتطويره من منظور علمي وتنويري.

كما أكد أن الصحافة لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه، رغم أنها كانت ولا تزال أحد أهم ميادين التغيير في المجتمع المصري، موضحا أننا كثيرا ما ننتظر إنجازات وطنية كبرى أو "قفزات عظيمة"، بينما نتجاهل ميدانا حيويا ومؤثرا مثل ميدان الصحافة.

وأشار لبيب إلى أن هذا الإهمال تراكم تاريخيا، حيث لم يُلتفت بما يكفي إلى دور الصحافة كأداة لبناء الوعي العام وصناعة النقاش وتشكيل الرأي العام، مؤكدا أنها لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل ساحة أساسية للاشتباك مع قضايا المجتمع، ومنبرا للأفكار الوطنية والتنويرية.

جرأة في طرح الأفكار

بدوره، قال الدكتور محمد أمين عبدالصمد، إن سلامة موسى كان يمتلك جرأة شديدة في طرح أفكاره، جرأة تسبق زمنها بكثير، ودعا إلى تخيل السياق التاريخي الذي طُرحت فيه هذه الأفكار، مؤكدا أن الأمم آنذاك كانت تخطو خطوات متفاوتة نحو البناء، بين الريادة والتأخر.

وأضاف عبدالصمد: "نحن اليوم نعيش مرحلة مختلفة، لكن يظل السؤال مطروحا: ما رد الفعل المتوقع آنذاك؟ وما طبيعة الرؤية والمشروع الممكن في ذلك التوقيت؟"، موضحا أن المشروعات الممتدة عبر التاريخ تكشف دائما عن أثر أصحابها على المدى القريب أو البعيد.

وتوقف عند نقطة تتعلق بكون المشروعات التنموية كثيرا ما تكون "مظلومة" في التلقي المجتمعي، رغم تفاعلها مع المجتمع نفسه، وأكد أن سلامة موسى آمن بالصحافة بوصفها أداة للتغيير، باعتبارها وسيلة للتوجه إلى الجميع من خلال المجلات والصحف والنشرات التي تخاطب الشريحة الأوسع بمشروع تنموي وتنويري واضح.

وأشار عبدالصمد إلى أن أي مشروع تنويري لا يمكن أن يظل حبيس القاعات المغلقة أو الدوائر النخبوية، بل يجب أن ينطلق إلى المجتمع، باعتبار أن التغيير الحقيقي هو تغيير من الداخل، لا مجرد تغيير شكلي.

وأضاف أن الانتماء إلى قضايا المجتمع كان عنصرا أساسيا في هذا المشروع، خاصة في الدول المركزية المشابهة لحالتنا، حيث لا ينجح التغيير إلا إذا انبثق من داخل البنية الاجتماعية نفسها.

وختم عبدالصمد بالتأكيد على أن رؤية سلامة موسى لا يمكن اختزالها في إطار أدبي بحت أو في مجرد مقالات عن المنتج الأدبي، بل كانت مواجهة مباشرة مع القضايا الكبرى للمجتمع، قائمة على قراءة نقدية واعية للتراث، توازن بين عدم القطيعة وعدم التقديس، وتفتح أفق التطور داخل السياق الفكري والاجتماعي الذي ينتمي إليه المجتمع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved