كيفك أنت.. سيرة مختلفة لزياد الرحباني بين البيانو والحرب وموسيقى الرماد

آخر تحديث: السبت 24 يناير 2026 - 1:15 م بتوقيت القاهرة

محمد حسين

بعد 6 أشهر على رحيل الموسيقار والمسرحي زياد الرحباني، أعاد الشاعر والكاتب إبراهيم عبد الفتاح رثائه بشكل جديد عبر تناول سيرته من خلال كتاب "كيفك أنت" الذي أصدرته دار بتانة في معرض القاهرة للكتاب في نسخته الجارية.

ويقدم الكتاب صورة لزياد بوصفه حالة إبداعية متعددة الطبقات، تتقاطع فيها الموسيقى بالمسرح، والسخرية بالسياسة، في محاولة لالتقاط ملامح مشروعه كما عاشه وكما ترك أثره لدى أجيال من جمهوره.

ولا يأخذ الكتاب قالبا تقليديا لكتب السيرة، بداية من عدد صفحاته التي لا تجاوز 160 صفحة، كذلك لا تضم الهوامش والمراجع ولا تستند لحوارت لمؤاف الكتاب مع زياد، بل كما يصفه الكاتب إبراهيم عبدالفتاح في مقدمته بأنه محاولة الإمساك بالهواء الذي مر بين آل الرحباني وهواء بيروت في نصف قرن من الموسيقى والحرب والحرب.

ومنذ الصفحات الأولى، يبدو أن الكاتب لا يلاحق حياة زياد كـ"خط زمني" تقليدي، بقدر ما يتتبع أثره كما يظهر في تفاصيل البيت، وفي اللغة اليومية، وفي جُمل المسرح، وفي النبرة الساخرة التي تحولت مع الوقت إلى علامة.

ويعيش القارئ مع الكتاب داخل بيت الرحبانة ويتآمل السيدة فيروز بزاوية وعين تختلف عن حضورها الطاغي الأيقوني على المسرح، بل كأم تصنع القهوة في الصباح وكامرأة تصغي أكثر مما تتكلم، ويلتقي بريما شقيقته وهي ترتب الصور والأرشيف الذي تحرسه كآخر من تبق من أبناء فيروز وعاصي، فرحلت ليال مبكرا وتبعها زياد ولحق بهم هلي وتوضع فيروز فى أكبر امتحانات الصبر.

ويرى الكتاب، زياد الرحباني كابن القهر اللبناني، وابن شوارع بيروت الغاضبة، وابن الحروب الأهلية والانقلابات السياسية والمقاهي التي كانت تفكر أكثر مما تقدم. ويعتبره الوارث الحقيقي لتمرد سيد درويش، ولجنون إمام عيسى، يغني صوته بروح المقهورين، ويصرخ ضد الساسة والسلطة والدجل والادعاء.

 

-تمرد مبكر.. يسبق الجميع بخطوة

ويشير الكتاب إلى عدد من المشاهد واللقطات من حياة زياد الرحباني، التي تكشف مبكرًا ملامح شخصيته المختلفة، وتربط صفة التمرد باسمه منذ سنواته الأولى. ويستعيد الكاتب شهادة مدرس الموسيقى في المدرسة الذي وصف زياد بأنه "خطأ في الكتيب التعليمي"، قائلًا: "لا يعزف كما نُعلِّم، ولا يسمع كما نحب، لكنه يسبقنا جميعًا بخطوة إلى حيث لا نجرؤ".

ويضيف الكتاب أن زياد لم يكن طالبًا مجتهدًا على الورق، لكنه كان يعرف كيف يختبئ خلف صمته، فيما تعامل معه المعلمون بحذر ممزوج بإعجاب مكتوم. ورغم أنه لم يتشاجر مع أحد، فإنه أيضًا لم يصادق أحدًا، إذ بدت شخصيته أقرب إلى التحفّظ والانعزال الهادئ. وحين سُئل مرة عن اسمه الكامل، اكتفى بالقول: "زياد فقط.. الباقي يخصهم"، في إشارة إلى "الرحبانية"، الاسم الذي فتح له أبوابًا كثيرة، لكنه حمل معه عبئًا لم يختره.

 

-أول لحن وأول مسرح

وفي فصل بعنوان "أول لحن.. أول مسرح"، يرصد الكاتب لحظة تكشف عن ذلك المزاج الذي لا يعرف الإجابة المباشرة. ففي الرابعة عشرة، طلبت منه فيروز أن يلحن مقطوعة صغيرة. هو لم يقل "نعم"، قال: "ليش لأ؟" ثم عاد إلى غرفته، وغرق في النوتات كمن يدخل حارة لا يعرف مخرجها.

ويمضي النص أبعد من مشهد التلحين إلى رؤية أوسع: كان يحلم بمسرح فيه الفقراء، البسطاء، الكسل، والسّاخرون. وكان يرى أن اللحن لا يُحفظ... بل يُفهم. وحين كتب أول مسرحية، سأله أحدهم: "لمن تكتب؟" فقال: "لكل من فقد الأمل في أن يفهم شيئًا من نشرة الأخبار".

 

-حين تشتبك البيانو مع الحرب

من أبرز فصول الكتاب ذلك الذي يضع البيانو وجهًا لوجه أمام الحرب، في منتصف السبعينيات، كانت بيروت تتأرجح على حافة الهاوية: الرصاص صار جزءًا من الروتين، الموت يمر في الشوارع كأنه ضيف عادي، والأسئلة الكبرى -عن الوطن، العدالة، والانتماء- لم تعد تُطرح في الكتب ؛بل على جثث وأطلال.

وفي هذا الجنون الصاخب، اختار زياد أن لا يغادر. لم يسافر، لم يختبئ، بل بقي وسط الركام، بيانو في غرفة صغيرة، ومذياع يبث الأخبار، وأوراق مبعثرة يكتب عليها أحيانًا لحنًا، أحيانًا وميضًا غير مكتمل.

ويُبرز الكتاب رفض زياد لفكرة الهروب، فيحكي عن حديثه لصديق في مقهى بشارع الحمراء: "إذا بدّك تهرب، بصير صوتك غريب. وأذا بدّي صوتي يبقى من هون، بدّو صار نشاز".

ومن هذا الاشتباك مع الحرب خرجت "بالنسبة لبكرا شو؟"، المسرحية التي وصفها النص بأنها خرجت من "قلب الجرح اللبناني" لتواجه الطائفية والفساد بلغة الناس وسخرية "تقطع أكثر من رصاصة".

وفي أحد مشاهدها يقول: "المشكلة إنو البلد مقسوم، وكل قسم فيه ناس عم تقول نحنا الوطن". كان الناس يضحكون، ثم يسكتون فجأة، لأن الضحك نفسه صار مؤلمًا.

 

-زياد من البريق إلى الرماد

كما يخصّص الكتاب مساحة لمرحلة "الانطفاء الهادئ" في حياة زياد الرحباني خلال أواخر التسعينيات وبدايات الألفينيات، حين لم يعد كما عرفه الجمهور في السبعينيات والثمانينيات، الروح ذاتها بقيت، لكن البريق خفت. ويربط المؤلف هذه المرحلة بما بعد أغنية "كيفك أنت" التي يصفها كنقطة أخيرة في سيرة حب طويلة ومعقّدة، قبل أن يدخل زياد "منطقة ظل طويلة"، حيث لم ينقطع عن الموسيقى، لكنه لم يعد راغبًا في الصعود.

ويستعيد الكتاب رده الساخر: "أنا مش مشروع فنان شعبي، أنا مشروع انهيار فني مرتب..!"، كما ينقل ما قاله زياد في لقاء تلفزيوني نادر: "ما بدي الناس ترجع تحبني.. بدي الناس تضل تفكر، وهاد كفاية".

 

-لحظة الرحيل.. زياد سخرية للنهاية

أما لحظة الرحيل نفسها، فيستعيدها النص كامتداد لنبرة زياد التي لم تفارقه حتى وهو بعيد عن المسرح، إذ يروي أنه "لم يهزمه، حتى حين جلس في سرير المستشفى الأخير"، وأنه "يرد ببرود لاذع على الزائرين الذين حاولوا مواساته: "شو بيبكوا؟ رح موت ع هواي، مش مثل غيري".

وفي "تلك الساعات الأخيرة"، بحسب ما يورد الكتاب، "بقي صوته في المكان"، وهو يقول لممرضة: "إذا جا ملاك الموت، ما تقلّيله أنا هون، قلّيله يجي موعد.." ثم أدار وجهه إلى النافذة، "كأنه يراقب ضوءًا خفيفًا فوق الأشرفية، ينسحب رويدًا كأنه يغادر هو أيضًا".

وفي الصفحات الأخيرة، لا يتعامل إبراهيم عبد الفتاح مع "كيفك أنت" ككتاب له نهاية، بل كنبرة تظل مفتوحة بعد إغلاق الغلاف، إذ يكتب: "لا ينتهي هذا الكتاب، كما لا تنتهي أغنية حين تصمت. الصوت يبقى يطفو في الرأس، يتردد في الأذن الداخلية، كأنك لم تغادر الحفلة بعد".

وعلى امتداد هذا الإيقاع، يؤكد الكاتب أن أبطال الرحلة ليسوا مجرد أسماء محفوظة في أرشيف، بل "وجوه تتحرك بين الصفحات"، فيتحولون إلى حضور حيّ يتقدّم ويتراجع، يلمع ثم يترك أثره في القارئ: "عاصي، منصور، فيروز، زياد، ريما... كل واحد منهم يمر ويترك وراءه شيئًا غير مرئي: نغمة سريعة، جملة اعتراضية، أو نظرة نحو مكان لم نره نحن".

وإذا كانت تلك الحوارات تبدو للوهلة الأولى مجرد "محطات"، فإن الكتاب يوحي بأن ما بينها هو الأهم، لأن "الحياة لمن يشبهها تجري بين السطور". وفي ذلك المعنى، يتقدم زياد الرحباني بوصفه "الصمت الذي يلي آخر كلمة، في الكرسي الفارغ بعد انصراف الجميع"، وبوصفه جملة تظل معلّقة "من الذكريات والخيال"، لا لتغلق المشهد بل "ليفتح بابًا".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved