حكاية الرسالتين.. محمد أبو الغار يستعيد لحظة إنسانية مع رجاء النقاش
آخر تحديث: الجمعة 24 أبريل 2026 - 3:25 م بتوقيت القاهرة
شيماء شناوي
نشر الدكتور محمد أبو الغار، عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، نصًا مطولًا يستعيد فيه واقعة قديمة تخص الناقد الكبير الراحل رجاء النقاش، متضمنًا خطابات متبادلة بينهما، في سياق ما وصفه بـ«حكاية الرسالتين».
وكتب أبو الغار: «هذه حكاية حدثت منذ سنوات طويلة تخص الصديق الراحل الناقد الكبير رجاء النقاش مع فاروق حسني، وزير الثقافة آنذاك، وفيها خطابات متبادلة بيني وبينه، وقد أرسلتها إلى الأستاذ محمد شعير، فتم نشر هذا النص في "أخبار الأدب"».
بعد أن استبعد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني الأستاذ رجاء النقاش من رئاسة تحرير جريدة «القاهرة» المزمع تأسيسها، واختار صلاح عيسى بدلًا منه، أُصيب النقاش بأزمة نفسية كبيرة، ورأى الدكتور محمد أبو الغار أن يكتب له رسالة يدعمه فيها نفسيًا، وردّ عليه النقّاش برسالة مماثلة، وهذه هي حكاية الرسالتين.
في عام 2000، اختار فاروق حسني، وزير الثقافة آنذاك، الأستاذ رجاء النقاش ليرأس تحرير صحيفة «القاهرة»، وبعد عمل استمر عدة شهور، صدر العدد «الزيرو» الذي لم يعجب فاروق حسني، وقرر تغيير رجاء النقاش واختيار صلاح عيسى رئيسًا للتحرير. أُصيب رجاء النقاش باكتئاب شديد بعد صدور القرار، واعتبر ذلك طعنة في مهنيته، كونه من أهم النقاد في مصر، وأنه عمل بالصحافة وكان رئيسًا سابقًا للتحرير في دار الهلال.
من حق فاروق حسني أن يختار رئيس تحرير يعتقد أنه سيُصدر صحيفة ناجحة، وفي الوقت نفسه ممكن أن تكون لسان حاله، ولكنه وجد أن رجاء النقاش سيصدر صحيفة تعنى بالثقافة والمثقفين وترفع مستوى الثقافة في مصر. كان فاروق حسني يريد صحيفة سياسية تنشر نشاط وزارته وتكون متنوعة، والثقافة جزء منها، لكنها ليست الأساس، فأقصى النقاش واختار صلاح عيسى. ومما لا شك فيه أن عيسى كان من أبرع الصحفيين المصريين، وعنده القدرة على إصدار صحيفة تُلبي متطلبات فاروق حسني، ولكن دون ابتذال، ولأنه ربما يكون أهم كاتب مصري للتاريخ الاجتماعي في المحروسة، لذا أصدر صحيفة جيدة أيدت سياسة الوزير دون ابتذال وأضافت موضوعات مختلفة هامة.
مشكلة فاروق حسني أنه لم يقم بتغيير رجاء النقاش بطريقة لائقة، مع تطييب خاطره، ووعده مثلًا بأن يكون مسؤولًا عن صفحة للنقد الأدبي، وشرح أسباب التغيير له، خاصة أن صلاح عيسى زوج أخت رجاء، ولكن ذلك لم يحدث، لأن الوزراء الملتصقين بالرئيس مبارك والسيدة سوزان مبارك كان لديهم سلطات واسعة تفوق قدرة الوزراء الآخرين، وكان لديهم السلطة في إخراس بعض الكُتّاب بالوعيد أو بالمنح.. فالإنسانية في التعامل لم تكن واردة، فلم يهتم فاروق حسني بتطييب خاطر رجل شديد الحساسية مثل رجاء النقاش.
ولأوضح الفارق في طريقة التعامل، فقد عهد صلاح دياب إلى الصحفي العظيم والشجاع والمبدع مجدي مهنا برئاسة تحرير «المصري اليوم»، وعند صدور العدد «الزيرو» حدث نفس الشيء؛ شعر صلاح دياب والمؤسسون أن هذه ليست الجريدة التي يريدونها، فقاموا بتغيير رئيس التحرير مع ترضية كاملة وشرح واعتذار لمجدي مهنا، على أن يستمر في كتابة عمود يومي هام، كان شديد الشجاعة والتأثير.
وعندما عرفت باكتئاب النقاش، أرسلت له هذا الخطاب، وأرسل لي ردًا، واجتمعنا في سهرة لطيفة في بيته، حضرتها السيدة زوجته، والصحفي محمود سالم، والأديب السوداني الطيب صالح، والمؤلف والمترجم عبدالمنعم سليم، وآخرون لا أذكرهم، وانتهت الأزمة وعادت الابتسامة إلى وجه رجاء النقاش. ومرفق خطابي وردّ النقاش.
عزيزي الأستاذ رجاء، تحية طيبة، تابعت مع بعض الأصدقاء التطورات التي حدثت في مجلة «القاهرة» التي تزمع وزارة الثقافة إصدارها، وقد سمعت هذه الأخبار من عدة مصادر، ولا أدّعي أنها تشكل الحقيقة كلها أو حتى بعضها، ولكنني أود أن أتوجه إليك ببعض الكلمات التي تعبر عما أشعر به في هذه القضية.
أولًا: عندي إحساس قوي تؤيده مظاهر كثيرة أن الغرض الوحيد من إصدار هذه المجلة هو الدفاع عن سياسة الوزير ومهاجمة أعدائه، ومما لا شك فيه أن أيّة مطبوعة يكون هذا سبب إنشائها فإنها تحمل من أول يوم أسباب فشلها. ثم إن مجلة كهذه يكون كل من يعمل بها مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسياسة التي أُنشئت بسببها، والتي تعني في كثير من الأحيان أن يكتب الكاتب ما لا يعتقد ويؤمن بصدقه، وفي هذه الحالات، وبسبب البقاء مدة طويلة في السلطة، لا يرضى الوزير أو الأمير أن نصمت أحيانًا، وإنما يُصر على التأييد المستمر حتى لو كان الأمر فجًّا وقبيحًا.
عزيزي رجاء، أنت كاتب محترم وكبير، وبحق تقف في أعلى مرتبة من النقاد المصريين في هذا القرن، وطوال عمرك، ومن كتاباتك تعلمنا الكثير، وكنت دائمًا الرجل الأمين الصادق عفيف اللسان. إن مجموعة كتبك العظيمة ومقالاتك الجميلة تضعك في مرتبة أعلى بكثير جدًا من الوزير هذا أو رئيس التحرير ذاك، وفوق عملك الغزير، فخلقك القويم وإحساسك المرهف يجعلان منك إنسانًا ساميًا جميلًا.
إنني لا أرى أنك فقدت شيئًا له أيّة أهمية، وأنك بالتأكيد لم تكن الشخص المناسب لتولي هذا المنصب. فأنا واثق أنك حاولت ووصلت إلى أقصى ما يمكنك حتى تصنع مجلة محترمة تؤيد الوزارة، ولكن في الحق، ولا تهاجم الآخرين بسبب المزاجات الشخصية. ولكننا، عزيزي رجاء، نعيش الآن في عالم غريب تحكمه الأهواء الشخصية، وتتحكم فيه نفوس مريضة، ولن أتكلم عن الفساد الذي يفوق أي خيال أو تصور.
عزيزي رجاء، لا أعتقد أن هناك خيانة أو خطة أو ما شابه ذلك. كل ما هناك أنك رجل محترم، ورفضت بطريقة مؤدبة أن تبتذل، وحاولت قدر ما أمكنك أن تقوم بالعمل مع الحفاظ على الكرامة والحق والتاريخ، ولكننا، يا أستاذ رجاء، في عالم تحكمه عصابة وقحة، وهم لا يمكن أن يتعاونوا مع إنسان حقيقي مثلك. أعلم أن الوزير له سلطات واسعة ويعطي ويمنع ويمنح، ولكنك أنظف وأكبر وأجمل من كل هؤلاء، وسوف يبقى دائمًا رجاء النقاش وجهًا ناصعًا في تاريخ مصر، وسوف يختفي الآخرون."