ذا أثلتيك: محمد صلاح غيّر صورة المسلمين في ليفربول وأعاد تشكيل علاقة المدينة بالتنوع والدين

آخر تحديث: الأحد 24 مايو 2026 - 9:33 ص بتوقيت القاهرة

منى غنيم

لم يقتصر إرث لاعب الكرة المصري العالمي محمد صلاح في ليفربول على إنجازاته الكروية فقط بل امتد إلى اجتماعي وثقافي واسع داخل المدينة البريطانية، حيث ساهم، بحسب مجموعة من السكان والمسئولين المحليين، في تغيير الصورة الذهنية عن المسلمين، وتعزيز الحوار بين المجتمعات المختلفة، وكسر حواجز ظلت قائمة لعقود من الزمان، وذلك وفق تقرير نشره موقع "ذا أثلتيك"، وهو منصة صحفية رياضية مملوكة لـ "نيويورك تايمز".

 


وأوضح التقرير، الذي كتبه الصحفي سيمون هيوز ضمن سلسلة خاصة عن مسيرة صلاح مع ليفربول، أن اللاعب المصري، الذي انضم إلى النادي في صيف 2017، سجل 257 هدفًا في 441 مباراة، ليصبح ثالث أفضل هداف في تاريخ النادي، مؤكدًا أن مكانته الرياضية أصبحت راسخة، رغم الجدل الذي رافق نهاية مسيرته مع الفريق في الأسابيع الأخيرة.

وأشار التقرير، إلى أن تأثير "صلاح" تجاوز حدود ملعب "أنفيلد" ووصل إلى أحياء ومجتمعات كاملة داخل مدينة ليفربول، خاصة منطقة "إل 8" في حي "توكستث"، وهي منطقة معروفة بتنوعها العرقي ووجود جاليات إفريقية ومسلمة كبيرة فيها، من بينها جالية أرض الصومال.

ولفت إلى أن سكان شارعيّ جرناي وبيكنسفيلد في المنطقة علّقوا الزينات ورفعوا علم أرض الصومال احتفالًا بـ"يوم السيادة"، موضحًا أن أرض الصومال أصبحت تتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1991، وأن أبناء الجالية الصومالية استقروا في "إل 8" منذ عقود، في منطقة وصفها التقرير بأنها تبدو منفصلة ثقافيًا واجتماعيًا عن بقية ليفربول رغم قربها الجغرافي من مركز المدينة.

وذكر التقرير أن المنطقة الواقعة قرب نهر ميرسي كانت تاريخيًا تضم سكانًا من الطبقة العاملة البيضاء، بينما أصبحت المناطق الداخلية تضم غالبية من السود والمهاجرين القادمين من غرب إفريقيا والكاريبي، ثم لاحقًا من دول ذات أغلبية مسلمة.

وأضاف أن نحو 99% من سكان أرض الصومال مسلمون من السنة، مؤكدا أن سكان المنطقة يعتزون بهويتهم بشكل كبير، مشيرًا إلى أن مجلس مدينة ليفربول دفع عام 2024 باتجاه قرار يطالب الحكومة البريطانية بالاعتراف باستقلال أرض الصومال، وهو ما اعتبره السكان دليلًا على دعم المدينة لهم.

وأوضح التقرير، أن حي "توكستث" ظل لفترة طويلة مرتبطًا في الذاكرة البريطانية بأحداث عام 1981، التي وُصفت رسميًا بأنها أعمال شغب، بينما يفضّل السكان تسميتها "انتفاضة" ضد تعامل الشرطة مع المجتمع الأسمر وضد البطالة الواسعة.

وقال مالك كاركار، وهو مترجم ومتخصص لغوي يعمل في منطقة "إل 8"، إن عام 2008 شكّل نقطة تحول في اندماج المجتمعات المختلفة داخل ليفربول بعد اختيار المدينة "عاصمة الثقافة الأوروبية"، لكنه أضاف أن وصول محمد صلاح عام 2017 كان لحظة أكثر تأثيرًا بالنسبة لكثيرين.

وقال كاركار، إن صلاح وفّر أرضية مشتركة للحوار بين مجتمعات كانت تعيش بعيدًا عن بعضها، مضيفًا أن تأثيره تجاوز كرة القدم بكثير، لأنه ساهم في تغيير النظرة إلى المسلمين في ليفربول وبريطانيا وخارجها.

ولفت التقرير إلى شهادة إحدى النساء المقيمات في "إل 8"، والتي قالت إنها كانت تعمل في مؤسسة تعليمية بمنطقة ذات أغلبية أوروبية، وكان الطلاب يسألونها عن بلدها بمجرد رؤية الحجاب، وأضافت أنها كانت تجيب بأنها من السودان، وعندما تشرح قرب السودان من مصر، كان الرد المعتاد: "مثل صلاح؟".

كما نقل التقرير عن "كاركار قوله إن "صلاح" ساعد ليفربول على أن تعكس صورة التنوع والقبول والتضامن، مؤكدًا أن أسلوب حياته المنضبط وابتعاده عن المخدرات والكحول أثّرا في بعض الشباب داخل المنطقة التي تعاني منذ سنوات من مشكلات اجتماعية مرتبطة بالمخدرات، وأضاف: "حتى الأشخاص الذين لم يلتقوا به يشعرون بأنه حاضر في حياتهم".

وأكد التقرير، أن منطقة "توكستث" لا تزال تشعر بدرجة من العزلة عن بقية المدينة، موضحًا أن شارع "أبر بارليمنت" يقسمها فعليًا إلى قسمين، أحدهما يضم منازل جورجية قديمة كانت تسكنها طبقات ثرية، والآخر يضم أحياء شعبية متعددة الأعراق.

وأوضح أن اللاعب كيرتس جونز يُعد أكثر لاعبي ليفربول الحاليين ارتباطًا بالمنطقة بحكم نشأته فيها، لكنه أكد أن تأثير "صلاح" على شباب المنطقة كان كبيرًا أيضًا، خاصة على عماد علي، وهو شاب من أصول يمنية أطلق عام 2021 بطولة كرة قدم باسم "العالم في مدينة واحدة"، بهدف الاحتفاء بتنوع المجتمعات داخل ليفربول.

وأضاف التقرير أن البطولة تحولت إلى حدث صيفي كبير يجذب الجماهير ووسائل الإعلام، ونقل عن عماد علي قوله إن فكرة البطولة خطرت له خلال فترة الإغلاق أثناء جائحة كورونا، لكنه لم يكن واثقًا من نفسه سابقًا بما يكفي لتنفيذها، مضيفًا: "رؤية محمد صلاح ينجح بهذا الشكل تجعلك تشعر أنك قادر على التعبير عن نفسك".

وأشار، التقرير إلى أن البعض قارن تأثير "صلاح" بتأثير جون بارنز، وهو أول لاعب أسمر يتعاقد معه ليفربول مقابل رسوم انتقال عام 1987، والذي ظل شخصية مؤثرة داخل مجتمع "إل 8" لعقود.

ونقل عن جيمي جاني، أحد المشاركين في احتجاجات 1981، قوله إن ليفربول مدينة متعددة الأعراق أكثر من كونها متعددة الثقافات، لكنه أكد أن "صلاح" أعاد فتح نقاشات ظلت صامتة لسنوات حول هوية المدينة.

كما نقل التقرير عن النائب العمالي إيان بيرن، وهو من حاملي التذاكر الموسمية في أنفيلد، قوله إن جون بارنز ومحمد صلاح من أهم الشخصيات في تاريخ ليفربول، مشيرًا إلى أن وجود ساديو ماني إلى جانب "صلاح" ساعد أيضًا في تغيير نظرة الجماهير للمسلمين.

وأوضح "بيرن" أن جماهير ليفربول لم تكن تناقش الدين علنًا في السابق، رغم وجود لاعبين يهود في تاريخ النادي، ورغم الأغاني المرتبطة بالانقسام بين الكاثوليك والبروتستانت في المدرجات، لكنه قال إن الأمور تغيرت مع وصول "صلاح" و"ماني".

وأضاف أن علاقات المدينة بالمجتمع المسلم كانت منفصلة سابقًا، إلا أن مبادرات مثل حملة "الجماهير تدعم بنوك الطعام"، وفتح أحد المساجد أبوابه لمشاهدة مباريات مصر في كأس العالم 2018، ساعدت في بناء علاقات جديدة بين السكان.

وقال إن أكثر من 100 شخص حضروا مشاهدة المباريات داخل المسجد، وكثير منهم لم يسبق له دخوله، مضيفًا: "محمد صلاح ساعد في إزالة الكثير من الحواجز".

وتناول التقرير أيضًا التحولات السياسية الأخيرة في ليفربول، مشيرًا إلى صعود حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني وتحقيقه مكاسب في الانتخابات المحلية، إضافة إلى وقوع أعمال شغب معادية للمهاجرين قبل عامين، أُحرقت خلالها مكتبة قرب ملعب "جوديسون بارك".

وأكد "بيرن" أن "صلاح" يُنظر إليه باعتباره واحدًا من أكثر الشخصيات توحيدًا في تاريخ المدينة، مضيفًا أن رحيله سيكون خسارة كبيرة، وأشار التقرير إلى أن "صلاح" يُعد ثاني أكثر لاعب كرة قدم مسلم متابعة على وسائل التواصل الاجتماعي بعد كريم بنزيما، إذ يمتلك أكثر من 65 مليون متابع على "إنستجرام" و19 مليونًا على منصة "إكس".

وأوضح أن المقارنات بين "صلاح" و"بنزيما" لا تقتصر على الشعبية، بل تشمل الخلفية الإسلامية أيضًا، مع اختلاف المسارات المهنية، إذ لعب "بنزيما" لسنوات طويلة مع ريال مدريد قبل انتقاله إلى السعودية، بينما استقر "صلاح" في ليفربول منذ عام 2017 بعد تنقله بين عدة أندية أوروبية.

وأضاف التقرير أن بعض الجماهير والنقاد يضعون "صلاح" ضمن قائمة أعظم لاعبي ليفربول في التاريخ إلى جانب كيني دالجليش وستيفن جيرارد، لكنه أشار إلى أن تأثير "صلاح" يتجاوز حدود المدينة أو النادي، لأنه يُنظر إليه باعتباره واحدًا من أشهر لاعبي كرة القدم المسلمين في العالم، في وقت يقترب فيه عدد المسلمين عالميًا من ملياري شخص.

كما تناول التقرير شخصية "صلاح" وعلاقته بالإعلام، موضحًا أنه يتمتع باستقلالية كبيرة، وأن تجاربه المبكرة، خاصة خلال فترته القصيرة مع تشيلسي، جعلته أكثر حرصًا على حماية مكانته داخل الفرق التي يلعب لها.

وأشار إلى أن صلاح دخل في خلافات سابقة مع المدربين يورجن كلوب وآرني سلوت عندما شعر بتهديد لمكانته داخل الفريق.

وكشف التقرير أن وكيل أعماله، المحامي رامي عباس، لعب دورًا أساسيًا في تشكيل صورته العامة، موضحًا أن "عباس"، اللبناني الأصل الذي نشأ في كولومبيا، كان يرفض التعامل مع الحملات التي تحاول تقديم "صلاح" باعتباره "رمزًا دينيًا" بدلًا من كونه نجمًا عالميًا.

وأردف أن "عباس" رفض سابقًا اقتراحات لإجراء مقابلات تحمل عناوين مثل "المسلم المفضل في العالم"، كما رفض ربط اسم "صلاح" بتغطيات عن الهجمات الإرهابية أو الإسلاموفوبيا، معتبرًا أن ذلك يختزل شخصيته في إطار ديني فقط.

وأشار التقرير إلى أن "صلاح" ووكيله اعتمدا لسنوات على إدارة صورتهما الإعلامية بأنفسهما دون الاستعانة بخبراء علاقات عامة، مع قناعة بأن أداء "صلاح" داخل الملعب أكثر تأثيرًا من التصريحات السياسية أو الدينية.

وأوضح أن "صلاح" تجنب الحديث العلني المتكرر عن دينه، رغم احتفاله أحيانًا بالسجود بعد تسجيل الأهداف، لافتًا إلى أن إحصاءات أظهرت انخفاضًا في خطاب الإسلاموفوبيا في منطقة ميرسيسايد خلال موسم 2017-2018 الذي سجل فيه 44 هدفًا.

كما لفت التقرير إلى أن بعض المسلمين انتقدوا "صلاح" بسبب احتفاله بعيد الميلاد مع أسرته كل عام، واعتبر البعض أن ذلك محاولة للاندماج المبالغ فيه أو ابتعادًا عن خلفيته المحافظة في مصر، بينما ذهب آخرون إلى اتهامه بالتخلي عن الإسلام، وأضاف أن "صلاح" استمر رغم ذلك في نشر صور احتفالات عيد الميلاد مع أسرته في منزله بولاية تشيشاير الإنجليزية.

وتناول التقرير موقف "صلاح" من الحرب في غزة، مشيرًا إلى أنه نشر عام 2023 مقطع فيديو دعا فيه إلى وقف إراقة الدماء، وحقق أكثر من 200 مليون مشاهدة، لكنه تعرض لانتقادات من بعض الأصوات في العالم الإسلامي التي اعتبرت أنه تأخر في الحديث أو لم يستخدم لغة حاسمة بما يكفي، وأضاف أن "صلاح" كان قد تبرع بالفعل بشكل سري لإحدى المؤسسات التي كانت تحاول إيصال المساعدات إلى غزة.

وختم التقرير بالإشارة إلى أن "صلاح" يحب تقديم نفسه باعتباره مصدر إلهام للشباب لتحقيق أحلامهم، مستشهدًا برحلته من قرية نجريج المصرية إلى قمة كرة القدم العالمية، لكن وكيله رامي عباس يرى أن قصة "صلاح" ليست قابلة للتكرار، وأن وصوله إلى هذه المكانة يعود إلى كونه حالة استثنائية وفريدة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved