نوارة نجم: «دماء على خرائط الشرق» رواية كتبت نفسها ولم أخطط لأن تصبح نساؤها حارسات الذاكرة

آخر تحديث: الأحد 24 مايو 2026 - 2:10 م بتوقيت القاهرة

شيماء شناوي

قالت الكاتبة والصحفية والمترجمة نوارة نجم إن رواية «دماء على خرائط الشرق» الصادرة عن دار الشروق، جاءت بصورة أقرب إلى التدفق التلقائي، مؤكدة أنها شعرت طوال الكتابة بأن الرواية «تكتب نفسها» دون تخطيط مسبق بالشكل التقليدي.

وأوضحت أن حالة الشحن العاطفي والذهني التي عاشتها أثناء العمل جعلتها غير قادرة على التوقف عن الكتابة، قائلة إنها لم تكن تشعر بأنها تحكي قصة رواية بقدر ما كانت تعيش داخل الحكايات نفسها، مضيفة أن انشغالها الطويل بتفاصيل العائلات والرسائل القديمة والحكايات المتوارثة خلق لديها حالة من الامتلاء بالحكايات التي كانت تتدفق بصورة متواصلة أثناء الكتابة.

وأضافت أنها كانت تروي تلك التفاصيل لمن حولها بشكل دائم، إلى أن شجعها المقربون على تحويلها إلى عمل روائي، مؤكدة أنها ظلت مترددة لفترة قبل أن تبدأ الكتابة فجأة، لتفاجأ بحجم التفاعل الداخلي مع العالم الذي تبنيه الرواية.

وأشارت إلى أن انغماسها الكامل في الكتابة انعكس على حياتها اليومية، حتى إن أبناءها كانوا يشتكون أحيانًا من انشغالها المستمر بالرواية، موضحة أنها كانت تقضي ساعات طويلة داخل عالم الشخصيات والأحداث، وكأنها تعيش معهم بصورة كاملة.

وأكدت نوارة نجم أنها، رغم هذا التدفق التلقائي، لم تترك الرواية في شكلها الأول، بل عادت إليها مرات عديدة بالمراجعة وإعادة الترتيب، حيث وضعت خرائط للأماكن والأزمنة ومسارات الشخصيات، كما حذفت أجزاء كاملة وأعادت ضبط الإيقاع السردي قبل تسليم العمل للنشر.

وفي حديثها عن الشخصيات النسائية داخل الرواية، أوضحت أنها لم تخطط عمدًا لأن تكون النساء أكثر ارتباطًا بحفظ الذاكرة والجذور، لكنها انتبهت لاحقًا إلى أنهن بدأن تلقائيًا يحملن هذا الدور داخل السرد، بينما انشغل الرجال غالبًا بمحاولات النجاة وتأمين الأسرة وسط التحولات العنيفة التي تحيط بالعالم.

أكدت على أن الرواية تنحاز في جوهرها إلى الإنسان العادي بقدر انحيازها إلى المدن وتاريخ الشرق، معتبرة أن العلاقة بين الإنسان والمكان كانت محورًا أساسيًا في بناء الرواية.

وقالت إن المدن في الرواية لا تُقدَّم باعتبارها مجرد خلفية للأحداث، بل بوصفها كائنات تشكّلت عبر تعب الناس العاديين وكدحهم اليومي، مضيفة أن «صُنّاع الحضارة الحقيقيين ليسوا صُنّاع الأمجاد، بل الذين يبنون البيوت والأسر والمدن ويمنحونها روحها».

وأوضحت أن الرواية تنشغل بالفئات التي تصنع الحياة اليومية وتؤسس الاستقرار، لا بمن يسعون إلى تخليد أسمائهم داخل كتب التاريخ، مشيرة إلى أن تلك الفكرة تتجلى في تتبع مصائر البشر الذين يبنون المدن ويثرونها بعملهم، ثم يدفعون أثمان التحولات السياسية والصراعات الكبرى التي قد تهدم تلك المدن أو تعيد تشكيلها.

وأضافت أن لحظة حفر قناة السويس كانت من أكثر اللحظات دلالة بالنسبة لها داخل الرواية، إذ رأت فيها نموذجًا للتناقض بين من يصنعون التاريخ فعليًا بأجسادهم وأعمارهم، وبين من يتصارعون لاحقًا على كتابة أسمائهم فوق هذا التاريخ.

وقالت إن الفلاحين الذين حفروا قناة السويس وسقط كثير منهم خلال العمل هم جزء من الحكاية الإنسانية التي تنشغل بها الرواية، بينما ينشغل أصحاب السلطة والمجد بالصراع حول من يُنسب إليه الإنجاز، دون الالتفات إلى البشر الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لذلك.

كما أشارت إلى أن المدن في «دماء على خرائط الشرق» ترتبط دائمًا بالناس الذين عاشوا فيها وصنعوا جمالها وتفاصيلها اليومية، مؤكدة أن الإنسان العادي هو من منح هذه المدن روحها الحقيقية، لا الشخصيات الكبرى التي تصنع الأحداث السياسية أو العسكرية.

وتابعت أن الرواية تتوقف أيضًا عند فكرة التهميش التاريخي، واستبعاد البشر العاديين من السرد الرسمي للتاريخ، لافتة إلى أن أحد المقاطع داخل الرواية يعبّر عن ذلك بوضوح حين يتحدث أحد الشخصيات عن أن التاريخ لا يذكر المهمشين، رغم أنهم أصحاب الدور الحقيقي في بناء الحياة واستمرارها.

وأكدت نوارة نجم أن هذا التصور كان حاضرًا طوال كتابة الرواية، حيث ارتبطت المدن دائمًا عندها بحيوات الناس البسطاء، الذين يصنعون الحضارة بصمت، ثم يختفون غالبًا من الروايات الرسمية الكبرى للتاريخ.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved