ركوب التريند.. كيف تحولت الجروبات القديمة إلى قاع الهامور بحثًا عن التفاعل؟

آخر تحديث: الإثنين 24 أغسطس 2026 - 11:45 ص بتوقيت القاهرة

سلمى محمد مراد

تتسابق الصفحات والحسابات في أغلب الأحيان على التريند ونشر أخباره، والذي أصبح فرصة لإعادة توظيف مجتمعات رقمية قائمة بالفعل حتى وإن كانت في الأساس نشأت لأغراض ليس لها علاقة بالحدث المتداول.


وكما تابعنا خلال الأيام القليلة الماضية الحديث المتزايد حول قاع الهامور الذي تصدر التريند خلال فترة قصيرة، واستقطب تفاعل عدد كبير من المستخدمين الذين سارعوا في تحويل تفاصيل حياتهم اليومية إلى أحداث من قاع الهامور، وهو الاسم المتداول عربيًا لمدينة خيالية تسميbikini bottom وتدور فيها أحداث المسلسل الكرتوني الشهير سبونج بوب سكوير بانتس.


ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد رصدت "الشروق" عدد كبير من الجروبات على موقع فيسبوك تأسست منذ سنوات، وأنشئت في الأصل لأغراض تعليمية أو مهنية أو عقارية أو حتي ترفيهية، وتضم آلاف الأعضاء، قبل أن تتغير أسماؤها بصورة مفاجئة لتصبح مرتبطة بموضوع "مشاكل أهالي قاع الهامور".

لذلك تواصلت "الشروق" مع الدكتورة سارة فوزي، مدرس الإعلام الرقمي بكلية الإعلام جامعة القاهرة، للكشف عن هذا السلوك الجماعي على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليل فكرة قيام مجتمعات رقمية قائمة أصلًا بإعادة تقديم نفسها للاستفادة من موجة التريند.

-ركوب التريند

تفسر أستاذ الإعلام الرقمي هذا السلوك باعتباره أحد أشكال النيوز جاكينج Newsjacking أو ركوب التريند، ويعني محاولة الاستفادة من حدث أو موضوع يحظى باهتمام واسع لجذب مزيد من التفاعل والوصول، موضحة أن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل جروب يغير اسمه تضامنًا مع قضية أو دعمًا لها يقوم بسلوك مضلل، حيث يمكن أن يكون تغيير الاسم تعبيرًا حقيقيًا عن موقف أو رغبة في دعم قضية معينة.

لكن يصبح الأمر مختلفا عندما يتحول التريند إلى وسيلة لإعادة تنشيط جروب لا علاقة له أصلًا بالموضوع بهدف استقطاب جمهور جديد وزيادة التفاعل.


وتشير إلى أن التريند أصبح فرصة لإعادة ضخ الحياة في مجتمع رقمي قد يكون نشاطه تراجع مع مرور الوقت، وقد ترتبط دوافع هذا السلوك بطبيعة عمل منصات التواصل نفسها، فالجروب الذي يضم عددًا كبيرًا من الأعضاء لا يضمن الانتشار تلقائيًا، حيث تلعب درجة النشاط داخله دورًا أساسيًا في تحديد مدى ظهوره.

وتكون للجروبات قدرة أكبر على الظهور لمستخدمين آخرين عندما يكون جمهورها نشط، وينشر أعضاؤه باستمرار، وتحصل منشوراته على تعليقات ومناقشات وتفاعلات.

-أعضاء بالآلاف قابلين لإعادة التوظيف

وتضيف فوزي، أنه يمكن النظر إلى الجروب نفسه باعتباره نوعا من الأصل الرقمي الذي يمتلك قيمة بسبب قاعدة أعضائه وتاريخه ومستوى التفاعل داخله، وبالتالي قد تتحول إلى كيانات قابلة لإعادة التوظيف أو حتى البيع على غرار ما يحدث مع بعض الصفحات التي تكتسب قيمتها من عدد المتابعين والتفاعلات المتراكمة عليها.

وتشرح أهمية تغيير اسم الجروب وفقًا للموضوع الأكثر جذبًا للجمهور من خلال أنه بهذه الطريقة يمكن أن يصبح امتلاك جروب يضم آلاف الأشخاص موردًا يمكن استثماره لاحقًا في الإعلان أو الترويج أو جذب جماهير جديدة، فبدلًا من ترك مجتمع رقمي قائم دون نشاط يمكن توجيهه نحو قضية رائجة بشكل يرفع من معدلات التفاعل ويمنحه فرصة أكبر للوصول إلى مستخدمين جدد.

-الخوارزمية تكافئ التفاعل

وتشير فوزي إلى أن امتلاك الجروبات لآلاف الأعضاء بدون تفاعل هو أمر غير كافي لانتشارها، فالعامل الأهم من العدد هو معدل التفاعل والنشاط.

وتوضح بأنه عندما ينشر الأعضاء محتوى باستمرار ويحصل على تعليقات ومناقشات، فإنه يتم إرسال إشارات بهذه المؤشرات إلى خوارزميات المنصة تفيد بأن هناك نشاطًا داخل المجتمع، وهو ما يمكن أن يساعد في زيادة ظهوره ووصول محتواه، وبالتالي يمكن أن يكون تغيير اسم جروب قديم إلى اسم مرتبط بتريند واسع بمثابة محاولة للاستفادة من اهتمام الجمهور بالموضوع ودفع الأعضاء إلى التفاعل، واستقطاب أعضاء جدد يبحثون عن معلومات مرتبطة بالحدث.

لكن توضح كذلك أن المفارقة تظهر عند دخول المستخدم إلى جروب بعد تغيير اسمه وهو لا يعرف هويته الأصلية، حيث يرى اسمًا مرتبطًا بالموضوع الذي يبحث عنه فيفترض أن هذا المجتمع تم إنشائه أساسًا لمناقشة القضية، وقد يشارك فيه أو يتابع منشوراته بحثًا عن معلومات جديدة.

وتظهر هنا قيمة الثقة التي تراكمت داخل الجروب على مدار سنوات، فالجروب الذي كان يحمل اسمًا مهنيًا أو تعليميًا أو عقاريًا، ربما كان قد بنى لدى أعضائه تصورًا بأنه مساحة متخصصة لها هدف محدد، وعندما تتم إعادة تقديمه بصورة مختلفة تمامًا قد يستمر بعض الأعضاء في التعامل مع الإدارة باعتبارها مصدرًا موثوقًا برغم أن طبيعة المحتوى تغيرت جذريًا.

هل يمكن أن يصبح التريند بوابة للشائعات واستغلال الجمهور؟

وترى أستاذ الإعلام الرقمي أن ذلك نوع من استغلال العلاقة بين الإدارة والأعضاء، حيث يمكن أن يتحول الأعضاء من مجتمع جرى بناؤه حول اهتمام محدد إلى مورد رقمي تسعى الإدارة إلى استثماره لتحقيق مزيد من الوصول والتفاعل، ومن ثم يمكن أن يتحول الجروب إلى مساحة قابلة للاستخدام في مجالات مختلفة من الإعلانات والترويج إلى استقطاب جماهير لقضايا أو حملات معينة.

كما تشير إلى أن هذه القيمة الاقتصادية قد تحمل جانبًا أكثر خطورة خصوصًا عندما تبدأ الإعلانات أو المحتويات التي يتم الترويج لها في الابتعاد عن معايير الموثوقية، فقد تستقطب بعض الجروبات إعلانات لجهات أو منتجات غير معروفة سواء خدمات تعليمية مجهولة المصدر أو منتجات صحية، أو جهات تبحث عن ضيوف أو عملاء بشكل يؤدي إلى فتح الباب أمام استغلال قاعدة أعضاء الجروب لأغراض تجارية لا يعرفون حقيقتها.

لذلك تحذر أستاذ الإعلام الرقمي من أن الخطر لا يكمن في "النيوز جاكينج" نفسه فقد يكون الأمر مجرد إعادة توجيه للمجتمع الرقمي نحو قضية يرى القائمون عليه أنها مهمة، بينما يكمن الخطر في استغلاله على حساب هوية الجروب ودقة المعلومات وثقة الأعضاء.

وتوضح أنه كلما زاد اهتمام الجمهور بموضوع معين، زادت حاجته إلى المعلومات، وزادت في المقابل قيمة أي مساحة تقدم نفسها باعتبارها مصدرًا للمعلومات حول هذا الموضوع.

وكذلك عندما يكون الهدف الأساسي هو رفع معدلات التفاعل، فقد تصبح المعلومات المثيرة أو الصادمة أكثر جاذبية من المعلومات الدقيقة خصوصًا إذا كان هناك تنافس على جذب الجمهور، وبالتالي قد يدفع منطق تعظيم التفاعل بعض الإدارات إلى تقديم ما يجذب الجمهور بصرف النظر عن قيمته أو دقته بشكل يوسع من ساحة تداول المعلومات غير الموثقة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved